الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
صِفَةُ الطائِفَةِ المنصُورةِ التي يجبُ أنْ تُكثِّرَ سوادَها
3- التيسير .. واجتناب الغلو والتشدد في الدين:
  فالتيسير في الدين .. واجتناب التشدد والغلو يُعد من أبرز خصـال ومدلولات الوسطية، تنتفي الوسطية بانتفائها، وتوجه بوجودها.
حيث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نهى عن الغلو والتشدد في الدين، وعد ذلك من خصال من لا خلاق لهم، كالخوارج الغلاة وغيرهم، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين "[1]. والغلو هو كل ما زاد عن المشروع.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" رجلان ما تنالهم شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وآخر غالٍ في الدين مارق منه "[2].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه "[3].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" عليكم هدياً قاصداً، فإنه من يغالب هذا الدين يغلبه"[4]. والهدي القاصد هو الهدي الوسط حيث لا إفراط ولا تفريط.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" القصد القصد تبلغوا" البخاري. أي التزموا التوسط والاعتدال من غير جنوح إلى غلو أو جفاء .. تصلوا إلى النجاة وتفوزوا بالجنان والرضوان.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" هلك المتنطعون " قالها ثلاثاً. مسلم.
قال النووي رحمه الله: أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم [5].
وقال -صلى الله عليه وسلم- في الرهط الذين تقالوا عبادته قياساً إلى عبادتهم:" أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟! أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني " متفق عليه. وهذا حديث تتجلى فيه جميع معاني ومدلولات الوسطية.
وقال -صلى الله عليه وسلم- في الخوارج الغلاة، الذين يكفرون المسلمين بالذنوب والمعاصي التي هي دون الكفر، وبالشبهات والظن:" سيخرج من أمتي قوم يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلواتكم إلى صلواتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يرون أنه لهم وهو عليهم لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية " مسلم.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" يقتلون أهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " متفق عليه.
قلت: فهم يقتلون أهل الإسلام لما غالوا في تكفيرهم بغير حق، الذي من لوازمه استباحة حرماتهم وقتلهم، وفي الحديث:" تكفير المسلم كقتله ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- فيهم أيضاً:"يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية "[6].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" إن فيكم قوماً يتعبدون حتى يعجبوا الناس، ويعجبهم أنفسهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية "[7].
وعن مسلم بن أبي بكرة عن أبيه، أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- مر برجل ساجد ـ وهو ينطلق إلى الصلاة ـ فقضى الصلاة، ورجع إليه وهو ساجد!!، فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال:"من يقتل هذا ؟" فقام رجل، فحسر عن يديه فاخترط سيفه وهزه، ثم قال:يا نبي الله! بأبي أنت كيف أقتل رجلاً ساجداً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله ؟! ثم قال:"من يقتل هذا ؟" فقام رجل فقال: أنا فحسر عن ذراعيه، واخترط سيفه وهزه حتى أرعدت يده، فقال: يا نبي الله! كيف أقتل رجلاً ساجداً يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله ؟! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:" والذي نفسي بيده، لو قتلتموه لكان أول فتنة وآخرها "[8].
ونحو الحديث الذي يرويه أبو سعيد الخدري: أن أبا بكر جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله! إني مررت بوادي كذا وكذا، فإذا رجل متخشع حسن الهيئة، يصلي. فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-:" اذهب إليه فاقتله " قال: فذهب إليه أبو بكر، فلما رآه على تلك الحال كره أن يقتله، فرجع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمر:" اذهب فاقتله"، فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر، قال: فكره أن يقتله، قال: فرجع، فقال: يا رسول الله! إني رأيته يصلي متخشغاً فكرهت أن اقتله، قال:" ياعلي! اذهب فاقتله" قال: فذهب علي فلم يره، فرجع علي فقال:يا رسول الله! إنه لم يره، فقال -صلى الله عليه وسلم-:" إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه، حتى يعود السهم في فوقه، فاقتلوهم، هم شر البرية"[9].
فتأمل كيف خسروا دنياهم وآخرتهم بسبب غلوهم وتشددهم في الدين.
ومن الأدلة على استحباب التيسير ـ بل على وجوبه ـ ورفع الحرج عن العباد في الدين، قوله تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} الحج:78. وقوله تعالى:{ُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}المائدة:6 . وقوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَج}النور:61. وقوله تعالى:{ِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْه}البقرة:173. وقوله تعالى:{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}الأنعام:119. وقوله تعالى:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة:286 . وقوله تعالى:{َ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} البقرة:185. وقوله تعالى:{وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} الأعلى:8 . وقوله تعالى:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} الشرح:6. وغيرها كثير من الآيات التي تحض على التيسير وتجنب التعسير والتشدد في الدين!
وفي السنة فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إن الله تعالى رضي لهذه الأمة اليسر، وكره لها العسر "[10].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" ادعوا الناس، وبشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا "[11].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً " مسلم.
وقال:" إن الدين يسر ولا يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا" البخاري.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره "[12].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة "متفق عليه.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فاتجوز كراهية أن أشق على أمه " البخاري.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة " متفق عليه.
ومن الآثار قول ابن مسعود: إياكم والتنطع، إياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق.
وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: نهينا عن التكلف. وقد مر في طريق فسقط عليه شيء من ميزاب، فقال رجل مع عمر: يا صاحب الميزاب، ماؤك طاهر أو نجس؟ فقال عمر: يا صاحب الميزاب، لا تخبرنا، ومضى.
وروي أن ابن عمر سئل عن الجبن الذي تصنعه المجوس؟ فقال: ما وجدته في سوق المسلمين اشتريته ولم أسأل عنه.
وقال الإمام الشعبي: إذا اختلف عليه أمران فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق، لقوله تعالى:{ُيرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} .
وقال معمر وسيفان الثوري: إنما العلم أن تسمع بالرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد.
وقال إبراهيم النخعي: إذا تخالجك أمران فـظن أن أحبهـما إلى الله أيسرهما.
وروي عن مجاهد وقتادة وعمر بن عبد العزيز: أفضل الأمرين أيسرهما، لقوله تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [13].
ولكن طلب الأيسر لا ينبغي أن يكون ذريعة ـ كما يفعل أصحاب النفوس المريضة ـ لتجاوز المشروع المسنون عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن من هديه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن مخالفاً لأمر الله تعالى.
كما أن الوقوف على المشروع المسنون من غير إفراط ولا تفريط، لا يجوز أن يسمى غلواً .. أو مغايراً للتيسير .. كما يفعل من تسول لهم أنفسهم الرغبة في التفلت من قيود الشريعة بزعم التماس التيسير ..!!
فإن اتهام من يلتزمون السنة ولا يتجاوزونها إلى زيادة أو نقصان بأنهم من أهل الغلو أو التشدد .. هو ـ أي هذا الاتهام ـ من الغلو والتنطع .. وهو اتهام لشرع الله تعالى بالغلو .. وللنبي -صلى الله عليه وسلم- بالغلو والتشدد .. ومن يتهم شرع الله تعالى بالغلو أو يرمي نبي الله بالغلو .. كمن يتهمه بالنقص أو التفريط، وهذا عين الكفر والمروق من الدين.
لذا ينبغي على الناس أن ينتبهوا لاطلاقاتهم وكلامهم عندما يصفون شيئاً بأنه من الغلو .. أو ليس من الغلو .. فرب كلمة يطلقها المرء لا يُلقي لها بالاً توبقه في جهنم سبعين خريفاً!!

 


[1] رواه النسائي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 1283.
[2] رواه أبي عاصم في السنة، وصححه الألباني في التخريج.
[3] رواه ابن أبي العاصم في السنة، وصححه الألباني.
[4] رواه ابن أبي العاصم، وصححه الألباني.
[5] شرح صحيح مسلم:16/220.
[6] رواه أحمد، وابن عاصم في السنة، وصححه الألباني في التخريج.
[7] أخرجه أبو يعلى، السلسلة الصحيحة: 1895.
[8] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 2495.
[9] أخرجه أحمد، قال الألباني: إسناده حسن. السلسلة الصحيحة:5/659.
[10] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 1769.
[11] رواه مسلم، صحيح الجامع:"246".
[12] رواه أحمد وغيره.
[13] انظر تخريج الآثار المذكورة أعلاه، كتاب الوسطية في ضوء القرآن الكريم ، للشيخ ناصر العمر.

   
F ¥ E