الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
تنبيه الدعاة المعاصرين إلى الأسس والمبادئ التي تعين على وحدة المسلمين
أولاً: الاتفاق على الحكَم والمرجعية التي ترد إليها النزاعات والخلافات
  إذ يستحيل الاجتماع والاتفاق وفض النزاعات فيما بين الأطراف المختلفة المتنازعة، ثم لكلِّ طرفٍ حكَمه وموازينه ومرجعيته الخاصة به، المغايرة لمرجعيات وموازين الأطراف الأخرى، لذا كان لابد للمسلمين ـ العاملين المخلصين ـ أن يتفقوا ـ أولاً ـ على الحكَم والمرجعية التي تُرد إليها جميع النزاعات والخلافات التي كانت سبباً في اختلافهم وتفرقهم.
ويُسلّموا لما تُمليه عليهم من قرارات وأحكام من دون أدنى اعتراض أو تعقيب.
والحكَم في الإسلام الذي يجب الاتفاق عليه في كلّ أمرٍ هو "الكتاب والسنّة على ضوء فَهْم سلف الأمة"، وبخاصة منها القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية والفضل.
والأدلة على هذا "الحكَم" كثيرة منها:ـ
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول إنْ كنتم تُؤمنون بالله واليوم الآخر}(1) .
والرد إلى الله والرسول يكون بالرد إلى الكتاب والسنة..
ومن دلالات الآية كذلك أن في الكتاب والسنّة جواباً وحلاً لكلّ ما يمكن أن يتنازع فيه المسلمون من أمور الدنيا والدين، فحاشى لله عز وجل أن يردنا إلى "حكَم" ومرجع نحتكم إليه ثم لا نجد فيه حلاً شافياً ووافياً لما قد تنازعنا فيه..
ومنها أنّ رد المنازعات إلى الله والرسول من لوازم الإيمان وشرط لصحته، ينتفي الإيمان بانتفائه..
قال ابن القيم رحمه الله: "جعل هذا الرد من مُوجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء الآخر"اهـ(2) .
وفي قوله تعالى: {فلا وربك لا يُؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويُسلِّموا تسليماً}(3) .
قال رحمه الله : "أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قبله عدم إيمان الخلق حتى يُحكموا رسوله في كلّ ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع والمعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يُثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج؛ وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كلّ الانشراح، وتنفسح له كلّ الانفساح، وتقبله كلّ القبول، ولم يُثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض"اهـ(4) .
وكذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}(5) .
ورفع الصوت فوق صوت النبي بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- يكون برفع الصوت على سنته -صلى الله عليه وسلم- ، وبتقديم الأقوال والأفهام على أقواله -صلى الله عليه وسلم- .
قال ابن القيم: "فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سبباً لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه، أليس هذا أولى أن يكون مُحبطاً لأعمالهم"اهـ(6) .
قلت: ولا يُحبط العمل إلا الكفر..
وكون الالتزام ينبغي أن يكون بفهم السلف الصالح لنصوص الكتاب والسنّة، فهو لأوجه:ـ
منها أن نصوص الكتاب والسنّة ألزمتنا بفهم السلف الصالح لنصوص الوحي وبخاصة منهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
قال تعالى: {ومن يُشاققِ الرسول من بعد ما تبيَّن له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نُوله ما تولى ونُصله جهنم وساءت مصيراً}(7) .
وأولى النّاس بصفة المؤمنين الواردة في هذه الآية همُ الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومن كان على سيرتهم وسنتهم ممن جاؤوا بعدهم.
وفي الآية دلالة، وهي أن مُشاققة الصحابة واتباع غير سبيلهم ومنهاجهم هي مُشاققة للرسول -صلى الله عليه وسلم- تُوجب على صاحبها اللعنة والعذاب.
قال ابن تيمية: "فإنهما مُتلازمان فكلّ من شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، وكلّ من اتبع غير سبيل المؤمنين فقد شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى"اهـ(8) .
وكذلك قوله تعالى: {قُل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}(9)
وفي قوله: {أنا ومن اتبعني}، قال ابن عباس: يعني أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ، كانوا على أحسن طريقة وأقصد هداية، معدن العلم وكنز الإيمان، وجُند الرحمن.
وقال ابن مسعود: من كان مُستناً فليستن بمن قد مات، فإنَّ الحيَّ لا تُؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسِيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.اهـ(10) .
وفي السنّة فقد صح عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (والذي نفس محمد بيده لتفترقنَّ أمتي على ثلاثٍ وسبعين فِرقة، واحدة في الجنّة واثنتان وسبعون في النّار" قيل: يا رسول الله مَن هم؟ قال: "الجماعة)(11) .
وفي رواية عند الترمذي، من حديث عبد الله بن عمرو: (وتفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين ملّة كلّهم في النّار إلا ملّة واحدة"، قال: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي)(12) .
وقال -صلى الله عليه وسلم- : (أُوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلُونهم، ثم الذين يلُونهم، ثم يفشو الكذب)(13) .
وقال -صلى الله عليه وسلم- : (سترون من بعدي اختلافاً شديداً فعليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَ‍ضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات فإنّ كلّ بدعة ضلالة)(14) .
وقال -صلى الله عليه وسلم- : (خير النّاس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)(15) .
وقال -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: (من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنّة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النّار، الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض) (16).
قال ابن مسعود: إنّ الله تعالى نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يُقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآوه سيئاً فهو عند الله سيئ.(17) .
وقال ابن عباس: لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة ـ يعني مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ـ خير من عمل أحدكم أربعين سنّة.(18) .
وغيرها كثير من النصوص والآثار الصحيحة التي تُلزم الأمة بالاقتداء بفهم الصحابة، وتتباع هديهم، ونهجهم، وسُنتهم.
ومنها أن عدم الالتزام بفهم الصحابة لنصوص الوحي، يستلزم منه تعدد الأفهام لنصوص الوحي، حيث لكلّ فرد من البشر ممكن أن يكون له فهمه الخاص به، وهذا أمر من لوازم التسليم به التفرق، والتنازع، والاختلاف، وحلول البدع وذهاب السنّة..
وما هذا التفرق، والتشرذم، والاختلاف الذي تعيشه الجماعات الإسلامية المعاصرة إلا بسبب تجاوزهم لهذا القيد الهام، واستقلال كلّ جماعة أو حزب أو زعيم بفهمه الخاص لنصوص الكتاب والسنة..!
فكانت النتيجة الطبيعية لذلك هذه المئات من الفِرق، والأحزاب، والجماعات المتنافرة المتناحرة المتباغضة.. وما أكلفه من ثمن!!.
ومنها أن الصحابة عاصروا نزول الوحي، وعرفوا أسباب نزوله، كما كانوا الأقرب والألصق بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ، يتلقون منه العلم مباشرة غضّاً ندياً.. ومن كان كذلك لاشك أنهم يكونون الأفقه والأعلم بمراد الشارع ممن فاتتهم هذه الخاصية.
ومنها أن الصحابة والتابعين لهم باحسان قد رضي الله عنهم، وأثنى عليهم خيراً في كتابه العزيز، كما في قوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدَّ لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم}(19) .
والله تعالى إذ يرضى عن أحدٍ فهو يرضى عنه لسلامة دينه وفهمه واعتقاده لا لشيءٍ آخر، وهذا إنْ دلَّ على شيءٍ فإنه يدل على أن الصحابة والتابعين لهم باحسان كانوا على درجةٍ عاليةٍ ـ لا يرقى إليها أحد بعدهم ـ من الالتزام والفهم الصحيحين لدين الله تعالى، مما أهلهم لهذا المقام العلي، وهو رضى الله تعالى عليهم..
وهذه خاصية لا يمكن الجزم بها لأحدٍ بعدهم؛ لأنها قضية غيبية لا يمكن البت بها إلابدليل صريح صحيح.
خلاصة ما تقدم نقول: إن أي محاولة لتوحيد جهود الجماعات الإسلامية المعاصرة تتغافل هذا القيد الهام، وهو "الاحتكام إلى الكتاب والسنّة على ضوء فهم السلف الصالح"، فهي محاولة فاشلة لا جدوى منها، وهي أقرب ما تكون إلى العبث، وجهود أصحابها لا ثمار لها، وإن بدت في الظاهر بعض الثمار فهي كبيت العنكبوت سُرعان ما يتهاوى وينهار لأدنى هزة أو هبة ريح، ليعود إلى حالة أرثى مما كان عليه قبل البناء، لأنها محاولة لجمع الأضداد والمتغايرات على أنها شيء واحد متكاتفٍ متماسك، وأنَّى..؟!
ثم إنّ الإسلام فرَّق وجمع؛ فرق بين الحق وأهله من جهة وبين الباطل وأهله من جهة، وبين الإيمان وأهله والكفر وأشياعه، وبين السنّة وأهلها والبدعة وأصحابها..
ومن جهة فقد جمع أهل الحق على الحق، وأهل التوحيد على التوحيد، وأهل السنّة والاتباع على السنّة لا الابتداع.. فمن ينشد تجميع ما فرَّقه الإسلام، وتفريق ما جمعه الإسلام ـ تحت أي ذريعة كانت ـ فهو وعمله إلى البوار والنار.

 


(1) سورة النساء : 59 .
(2) اعلام الموقعين : 1/50 .
(3) سورة النساء : 65 .
(4) التبيان في أحكام القرآن : 270 .
(5) سورة الحجرات : 4 .
(6) اعلام الموقعين : 1/51 .
(7) سورة النساء : 115 .
(8) مجموع الفتاوى : 7/38 .
(9) سورة يوسف : 108
(10) تفسير البغوي : 2/453 .
(11) صحيح سنن ابن ماجة : 3226 .
(12) صحيح سنن الترمذي : 2129 .
(13) رواه ابن ماجة، والترمذي، صحيح سنن الترمذي : 1758 .
(14) صحيح سنن ابن ماجة : 40 .
(15) متفق عليه .
(16) أخرجه الطيالسي وأحمد وغيرهما بسند حسن، قال الشيخ ناصر في تخريج "الطحاوية": حسن موقوف .
(17) أخرجه أحمد وغيره، وصححه الشيخ ناصر في تخريج الطحاوية .
(18) سورة التوبة : 100 .

   
F ¥ E