الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
تنبيه الدعاة المعاصرين إلى الأسس والمبادئ التي تعين على وحدة المسلمين
رابعاً: ترشيد النصح فيما بين المسلمين، ومراعاة ضوابط الاختلاف
  إذ يستحيل اجتماع كلمة المسلمين، وتوحيد صفوفهم في وجوه الأعداء، ثم هم لأدنى خلاف فقهي ـ وما أكثر المسائل الفقهية المختلف فيها ـ يُعلنون الحرب والمفاصلة، والولاء والبراء، وتحصل فيما بينهم البغضاء والمجافاة والمعاداة!.
ومما يشتد له العجب أننا نجد من المسلمين ممن يعملون في حقل الدعوة أو الوعظ والإرشاد، قد يُثيرون مشاكل ـ لها نتائج خطيرة على وحدة الصف وصفاء القلوب ـ لأدنى خلاف أو خطأ، يصدر عن مسلم، بحجة أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، بينما نراهم ـ رغبةً أو رهبةً ـ يلتزمون الصمت المطبق تجاه الكفر البواح، والمنكر الأكبر الظاهر، وبخاصة إن كان مصدره أئمة وطواغيت الكفر، حيث لا منكر يُنكرونه، ولا معروف يأمرون به..!.
يُقاتلون المسلمين على سنّة من السنن، بينما تراهم يُسالمون الطواغيت رغم تنحيتهم لشرع الله عن الحكم..‍‍.
يُسيئون الظن بالمسلم العاصي ويحملون عليه جميع النصوص التي تأمر بالأخذ على الظاهر، وفي المقابل تراهم يُدافعون ويُوسعون دائرة التأويل والأعذار على طواغيت اجتمعت فيهم جميع نواقض الإيمان، ويحملون عليهم النصوص التي تستلزم مراعاة الباطن والقصد..!!.
تراهم على الطواغيت مرجئة رحماء، وعلى المسلمين والدعاة العاملين منهم خوارج أشداء، لا تفوتهم البدعة المؤثمة فهم لها بالمرصاد، بينما إذا مرت عليهم البدعة المكفرة فهم نِيام يشخرون لا حسيس لهم ولا صوت..!!.
ومن هذا القبيل تحالف بعض الفصائل أو الجماعات الإسلامية مع أحزاب علمانية كافرة، تُعادي الله ورسوله، وفي المقابل تراهم يستثقلون ويستصعبون الجلوس أو التفاهم مع مسلم مخالف لهم في مسألة أو وجهة نظر..!!.
وهؤلاء ـ جميعاً ـ نعيذهم أن يقعوا فيما وقع فيه الخوارج الأوائل، حيث وصفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم: (يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان).
وكذلك ملاحظة بعض النّاس ـ ممن ينتسبون إلى الدعوة والعمل الإسلامي ـ حيث يعقدون الولاء والبراء على أساس الإنتماء الحزبي أو المشيخي؛ فيُوالون من يُوالي الحزب أو الشيخ بغض النظر عن سلامة دينه وحُسن سلوكه، ويُعادون من يُعادي الحزب ولو كان من أتقى أهل الأرض..!!.
وهذا مما لا شك فيه أن مؤداه إلى مزيد من التفرق والتناحر والاختلاف، كما أنه مُغاير لقوله تعالى: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين}(1). وقوله: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف}،{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}(2) .
قال ابن تيمية: من حالف شخصاً على أن يُوالي من والاه، ويُعادي من عاداه كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى ولا من جند المسلمين، ولا يجوز أن يكون مثل هؤلاء من عسكر المسلمين، بل هؤلاء من عسكر الشيطان. اهـ(3) .
وثمة أمر يجدر تنبيه الإخوان عليه: وهو أنّ العدو الكافر يحرص دائماً على اشغال المسلمين بشبه ومسائل هامشية ـ عن أهدافهم العظمى ـ عديمة الفائدة، بل هي غالباً ما تفضي إلى البغضاء والتفرق والتنازع والاختلاف، وضعف الشوكة، وعلى مبدأ فرِق تسد.. حتى لا تكاد شبهة تموت وينتهي أثرها، إلا وتجدهم يتبعونها بشبهات أشد أثراً على اجتماع الصف ووحدة كلمة المسلمين..
فلا نكونن نحن طعماً سهلاً لهذه الشبهات، نُروج لها ونحييها بمعارك جدلية هامشية لا طائل منها، بعد أن تكون ميتة لا أحد يعلم بها.
ثم ليس من الشجاعة ولا من الحكمة والفقه أن نتناول فِتناً قديمة قد اندثرت ولا واقع لها في حياتنا، وقد كان لها رجالها الذين تصدوا لها، بينما نغض الطرف ونعمي العين ـ رغبةً أو رهبةً ـ عن فِتن معاصرة أهلكت البلاد والعباد، نحياها ونعيش آثارها، والأمة تصلى نارها صباح مساء..!.
والاختلاف أنواع، منه ما يمس الأصول والعقائد والتوحيد، وهذا نوع عليه يُعقد الولاء والبراء، وعلى أساسه تُحدد المواقف، ويرفع لواء الحرب، حيث لا يُرجى من السكوت عليه دفع ضررٍ أكبر، لأنه هو ذاته يعتبر الضرر الأكبر والظلم الأعظم الذي لا يعلوه ضرر وظلم، كما قال تعالى: {إنَّ الشرك لظلمٌ عظيم} [لقمان : 13]. وقال: {والفتنة أشد من القتل} [البقرة : 191].
ومنه ما يمس الفروع دون الأصول، وأصحاب هذا النوع من الاختلاف على الغالب يكون عندهم ما يستوجب موالاتهم من وجه، ومجافاتهم من وجه آخر، فيُعاملون على أساس ما عندهم من خير أو شر، واختلافهم مع الحق يُعالج بالنصح وبالحكمة والموعظة الحسنة، وبشيءٍ من الرفق وبخاصة إن كان المخالف عنده مظنة دليل مرجوح أو أنه يقلد عالماً مُعتبراً، وشاهدنا أن هذا النوع من الاختلاف لا يجوز أن يُشهر على أساسه السيف أو يؤدي إلى المجافاة المطلقة وقطع جميع حبال الود، وإنما الأمور بقدر..
ومنه ما يكون عن علمٍ واجتهاد معتبر، لمظنة دليل أو قياس يحتمل أوجهاً من الأفهام والاستنباطات المتباينة المتغايرة، كاختلافات سلفنا الصالح مع بعضهم البعض، وهذا النوع من الاختلاف ينبغي أن يعذر بعضنا بعضاً فيه، مع المحافظة على النصح الجميل الواعي ما أمكن الذي لا يُؤدي إلى الشحناء والتباغض، ولو بقي كلّ طرف على رأيه المخالف للطرف الآخر..
فوحدة الأمة واجتماع كلمتها أصل من أصول الدين، لا يُفرط به إلا لأصل أعظم منه وأوكد، هذا ما يقتضيه قوله -صلى الله عليه وسلم- : (وأن لا نُنازع الأمرَ أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)(4) . وقوله: (لا ما أقاموا فيكم الصلاة)(5) .
فلابد من أن نُنزل الأمور منازلها، ونُراعي قاعدة اعتبار الأولويات والأهم فالأهم وِفق ضابط وميزان الشريعة، ونُعطي كلّ شيء حقه من غير جنوح إلى إفراط أو تفريط.

 


(1) سورة المائدة : 54 .
(2) سورة التوبة : 67 - 71 .
(3) مجموع الفتاوى : 28/20 .
(4) متفق عليه .
(5) رواه مسلم .

   
F ¥ E