الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
تنبيه الدعاة المعاصرين إلى الأسس والمبادئ التي تعين على وحدة المسلمين
خامساً: الشمولية
  أعني بذلك أخذ الإسلام أخذاً شمولياً من دون تفريط في جانب من جوانبه، أو اهتمام بجانب دون آخر، مع الأخذ بالاعتبار مراعاة فقه الأولويات والموازنات، وما ينبغي أن يُقدم أو يؤخر بحسب ما تقتضيه المصالح الشرعية، وتقديم الأهم على المهم عند التزاحم في وقت واحد، من دون إستهانة بالمهم أو تفريط به.
وهذا ما يقتضيه قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}(1) . أي جميع ما آتاكم به الرسول فخذوه، وجميع ما نهاكم عنه فانتهوا عنه، وليس بعضه دون بعض.
فنأخذ الإسلام أخذاً شمولياً؛ إسلام العلم والفقه، إسلام الجهاد والاستشهاد، إسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إسلام الدعوة والتبليغ، إسلام الزهد وتربية الأنفس، إسلام التميز والصبر والثبات، إسلام الاستسلام والانقياد والاتباع..
وهذه خِصال جميعها تصب في منهاج عملي واحد مُتماسك مُتكامل، من دون تفريق أو فصل فيما بينها، أو تقليل لشيءٍ من أهميتها، وذلك كلّه يكون وِفق هدي وسنّة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- .
والذي دعاني للتنبيه على هذه النقطة الهامة، انشغال كثير من المسلمين ببعض الدين دون البعض الآخر، وإهتمامهم بجانب من جوانب الدين دون الجوانب الأخرى، وفي حال تذكيرهم بتلك الجوانب سرعان ما يُقللون من أهميتها قياساً لما هم عليه من عملٍ، أو يُؤولونها ويصرفونها عن مدلولها الشرعي الصحيح!.
وسبب ذلك يعود في الغالب لأمرين:ـ
أولهما، وجود المدارس الفقهية، والجماعات الإسلامية المعاصرة التي تقوم على تكريس مفهوم فصل الدين بعضه عن بعض، والعمل بعضه دون بعض عن قصدٍ أو غير قصدٍ، مما يعكس ذلك سلباً على فكر وسلوك المسلمين، وحياتهم العامة والخاصة.
فهناك مدرسة تهتم بجانب "الدعوة والتبليغ"، وتُبالغ بأهمية هذا المنهج، مما يحدو بها إلى إهمال بقية جوانب الدين، وإذا ما ذُكِّر اتباع هذه المدرسة بهذه الجوانب سرعان ما يُقللون من أهميتها وكأنها ليست من الدين..!.
وهناك مدرسة تهتم بجانب "تزكية النفس" وتُبالغ في أهمية هذا الجانب على حساب بقية جوانب الدين، مما يجعل أتباع هذه المدرسة يظنون أن الدين كلّه يدور حول هذا الجانب، فيقعون في التفريط ـ عن عمدٍ أو غير عمدٍ ـ ببقية جوانب الدين الأخرى..!.
وهناك مدرسة تهتم بالدعوة إلى العلم والانشغال به ـ تحقيقاً وتخريجاً ـ وتُبالغ في ذلك، حتى تجدها تقع في الترف العلمي النظري المجرد عن معايشة واقع الأمة ومشاكلها وآلامها، مما يجعل أتباع هذه المدرسة يقعون في المحظور المشار إليه، وهو الاهتمام ببعض الدين دون بعض..!.
وهناك مدرسة تقوم على مبدأ "الجهاد والقتال" والاهتمام به، وتُبالغ في ذلك مما يجعلها تقع في محظور التفريط في بقية جوانب الدين التي تُعتبر بحق من لوازم الجهاد وشروط نجاحه وقبوله..!.
وهناك مدرسة تقوم على التنظير السياسي، والاشتغال بالأخبار قراءةً وتحليلاً، بينما هم في المقابل تراهم يفقدون الرصيد العلمي الشرعي، الذي به تُعرف الأمور على حقيقتها..!.
وهناك من يُدندن حول العقيدة وأهميتها، وإذا نظرت ماذا يقصد من دندنته ودعوته لوجدته يقصد توحيداً دون توحيد، فهو إما يقصد توحيد الربوبية مُتجاهلاً توحيد الله في ألوهيته وأسمائه وصفاته، وإما يقصد توحيد الربوبية والألوهية معاً مُتجاهلاً توحيد الله في أسمائه وصفاته مُقللاً من أهمية هذا النوع من التوحيد، وإما أنه منشغل ـ بحكم التربية وكثافة المناهج التي يعكف على دراستها ـ بتوحيد الأسماء والصفات والرد على المعارضين والمخالفين من القدامى والمعاصرين، عن توحيد العبودية والألوهية مع ما يقتضي هذا النوع من التوحيد من اهتمام وتركيز..!.
وهو لو أراد أن يتكلم عن توحيد الألوهية والعبودية ـ بحكم الخلل في التلقي والدراسة الغير متوازنة ـ تراه يقصد جانباً دون جوانب، يقصد توحيد الله في العبادات الشعائرية، والاستغاثة والتوكل، مُتجاهلاً توحيده عز وجل في الحُكم والتشريع، والطاعة والاتباع، والولاء والبراء، وهو كذلك لو أراد أن يُعري الشرك تراه يطنب في تعرية شرك القبور والبدع والشعوذة، بينما يتغاضى ـ رهبةً أو رغبةً أو جهلاً ـ عن شرك "القصور"، ونعني به شرك الحكم والتشريع، وشرك الطاعة والاتباع والانقياد، وشرك الولاء والبراء، هذا إذا لم يكن هو نفسه واقعاً في هذا الجانب من الشرك عن علمٍ أو غير علمٍ!.
وهناك من تراه قد جند نفسه لمحاربة البدع، وفي المقابل تراه يتعامى عن الشرك والكبائر..!.
وهناك من تراه يعمل على إحياء بعض السنن، وفي المقابل تراه يتساهل بل ويُميت بعض الفرائض والواجبات..!.
وكم يحزنني انشغال بعض الإخوان ـ الزمن الطويل ـ مع أُناس حول مسائل تتعلق بالثوب والبنطال واللحية وما شابهها، بينما يكون هؤلاء النّاس ممن يُؤمنون بالطاغوت ويكفرون بالله عزّ وجل، ثم لا يسمعون كلمة واحدة في ذلك؟!.
وهذا كلّه يعود ـ في الغالب ـ إلى الخلل في التربية والتثقيف، وفي كيفية تلقي هذا الدين، والعمل له.
ورحم الله سيد قطب إذ يقول: بينما الطيبون السذج من المسلمين يروحون يشتغلون في سذاجة بلهاء ـ من تأخذه الحمية للدين منهم وللأخلاق ـ بالتنبيه إلى مخالفات صغيرة، وإلى منكرات صغيرة، ويحسبون أنهم أدوا واجبهم كاملاً بهذه الصيحات الخافتة، بينما الدين كلّه يُسحقُ سحقاً ويُدمَّر من أساسه، وبينما سلطان الله يغتصبه المغتصبون، وبينما الطاغوت ـ الذي أُمروا أن يكفروا به ـ هو الذي يحكم حياة النّاس جُملةً وتفصيلاً!(2) .
وقال: إن الأمر أكبر وأوسع وأعمق مما يُنفق فيه هؤلاء الطيبون جهدهم وطاقتهم واهتمامهم.. إنه في هذه المرحلة ليس أمر تتبع الفرعيات مهما تكن ضخمة حتى ولو كانت هي حدود الله، فحدود الله تقوم ابتداءً على الاعتراف بحاكمية الله دون سواه، فإذا لم يُصبح هذا الاعتراف حقيقة واقعة تتمثل في اعتبار شريعة الله هي المصدر الوحيد للتشريع واعتبار ربوبية الله وقوامته هي المصدر الوحيد للسلطة، فكلّ جهد في الفروع ضائع، وكلّ محاولة في الفروع عبث، والمنكر الأكبر أحق بالجهد والمحاولة من سائر المنكرات(3) .
أما السبب الثاني، فهو يكمن في تلبيس إبليس على كثير من خواص المسلمين فضلاً عن عامتهم، حيث يصرفهم عن الأهم بالمهم، وعن الواجب إلى المندوب، وعن المندوب إلى المباح، ولو أفلح في صرفهم عن المباح إلى المحظور فلا يُقصر، وإن لم يُفلح فهو غالباً ما يُشغلهم في جزئية من جزئيات الدين إلى حد الإشباع والأطناب، وربما إلى حد الإفراط على حساب الأجزاء أو الشرائع الأخرى. مما يجعلهم يقعون في المحظور المشار إليه ـ عن قصدٍ أو غير قصدٍ ـ وهو العمل ببعض الدين دون بعض، والاهتمام بجوانب منه دون جوانب.
فمثلاً ترى أحدهم يُزيِّن الشيطان له الاهتمام بالشعر ـ وهو أمر مباح وأحياناً يُستحسن ويُندب له ـ إلى حد المبالغة، فيغوص في دراسته ـ قراءة وتحليلاً وحفظاً ـ الزمن الطويل، ولربما يقضي عمره كلّه وهو منشغلٌ بذلك عن التوحيد ومُتطلباته، وعن القرآن الكريم وتدبر آياته، وعن السنّة النبوية المشرفة وغيرها من العلوم الضرورية النافعة التي تعلو الشعر أهميةً ونفعاً، ولربما تراه مملوءاًجوفه شعراً بينما لا يحفظ بضع آيات من القرآن الكريم..!.
ومثل هذا لو أراد أن يعطي الآخرين شيئاً فهو يقئ ما في بطنه من قيح، فالإناء ينضح بما فيه، فيُؤذي نفسه وغيره.
وأذكر مرة أنني دخلت مكتبة، فوجدت رجلاً يتفاصح ويعلو صوته بين النّاس، فبادرني ـ على وجه المفاجأة والتنطع ـ بسؤال: هل تعرف القائل؟ وذكر شعراً..!.
فقلت له: هل تعرف معنى "لا إله إلا الله" التي بها تدخل الجنّة أو النار..؟ فبُهت وسكت ولم يُجب!!.
ومن ذلك كذلك أن يشتغل المرء في مسألة من المسائل الدينية مُضيعاً وقته وعمره فيها، وعلى حساب بقية مسائل الدين الأخرى، حتى أنه يُعرف بها وتُعرف به، وكم من داعية تراه يُدندن حول مسألة معينة أو شعار معين لا يتجاوزه إلى غيره حتى يُحمل إلى قبره، فيُفاجأ حينئذٍ بما قدم لنفسه.
قال ابن القيم رحمه الله: فمن النّاس من يتقيّد بلباسٍ لا يلبس غيره، أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره، أو مشيةٍ لا يمشي غيرها، أو بزيٍ وهيئةٍ لا يخرج عنهما، أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها، وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره، وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه، فهؤلاء كلّهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى، مصدودون عنه، قد قيدتهم العوائد والرسوم، والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة، فأضحوا عنها بمعزل، ومنزلتهم منها أبعد منزل، فترى أحدهم يتعبد بالرياضة والخلوة وتفريغ القلب ويعد العلم قاطعاً له عن الطريق، فإذا ذكر له الموالاة في الله والمعاداة فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدَّ ذلك فضولاً وشراً، وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم وعدوه غَيْراً عليهم، فهؤلاء أبعد النّاس عن الله..اهـ(4) .
ومن نتائج العمل ببعض الدين وترك بعضه الآخر حصول الحالقة؛ العداوة والبغضاء، والتفرق والتنازع والاختلاف فيما بين المسلمين بعضهم مع بعض.
كما قال تعالى: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذُكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة}(5) .
وهذا مثل ضرب للمسلمين، أي إنكم إذا فعلتم فِعل النصارى، فنسيتم حظاً من الدين، وعملتم ببعضه وتركتم البعض الاخر، فإنه سيُصيبكم ما أصابهم من التفرق والتنازع والعداوة والبغضاء، وما أصاب المسلمين ويُصيبهم في هذه الأيام من تفرقٍ وتنازعٍ وضُعفٍ وعداوةٍ فيما بينهم ما هو إلا بسبب أنهم نسوا حظاً من الدين والتوحيد ـ بل حظوظاً ـ فعَملوا ببعضه ونسوا بعضه الآخر!.
وإذا كان هذا جزاء من يُبعض الدين؛ فيعمل ببعضه وينسى بعضه الآخر، فإن مفهوم المخالفة وهو العمل بمجموع الدين ـ من دون تفريط بأي جزئية من جُزئياته ـ يقتضي الوحدة والائتلاف والرحمة والتكافل.
وإنَّ أيَّ مُحاولة تسعى للنهوض بالأمة وتوحيد كلمتها تتجاهل هذه النقطة الهامة يُعتبر سعيها كالركض وراء السراب..
وبعد، فهلاَّ أخذنا الإسلام أخذاً شمولياً من غير إنتقاصٍ ولا افراطٍ أو تفريطٍ، ثم بعد ذلك سألنا الله الوحدة والجماعة والنصر والتوفيق؟؟.

 


(1) سورة الحشر : 7 .
(2) في ظلال القرآن : 2/1034 .
(3) في ظلال القرآن : 5/951 .
(4) مدارج السالكين : 176 .
(5) سورة المائدة : 14 .

   
F ¥ E