الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
الطاغوت
ـ خاتمة :
  هذه كلمات نودعك بها أيها القارئ، ونستودعها عندك أمانة، فإنا - والله - لك ناصحون، وبك مشفقون، وعليك غيورون، وإنا لنذكرك بكلمات قلناها لك في مقدمة هذا الكتاب وطياته :
فاعلم أن أصل الأصول وغاية الغايات هو إفراد الله تعالى وحده بالعبادة في جميع مجالاتها وتفرعاتها والكفر بالطاغوت…
لا يصح من دونه بناء، ولا يُقبل عمل، وهو أول ما يجب أن تنهض به نحو ربك، وآخر ما تودع عليه الحياة..
لأجله خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وفطر السماوات والأرض، وعليه يُعقد الولاء والبراء، وفي سبيله يُشرع الجهاد والقتال وترخص الدماء..
فيه منجاتك في الدنيا والآخرة، وفيه عزتك وكرامتك وحريتك، فحذاري أن تفرط به فتركن إلى الطواغيت أوهن من بيت العنكبوت، أو تُشغل عنه إلى ما هو دونه قبل أن تستوفيه حقه بحثا وتعلما وفهما والتزاما..
و لا يغرنك اشتغال القوم بالفروع والفقهيات والرقائق وغير ذلك قبل التمكن من هذا الأصل العظيم، فزهدههم بهذا العلم الجليل من تلبيسات إبليس عليهم ليسهل عليه جرهم إلى أعظم الظلم والذنوب وهو الإشراك بالله تعالى.
فكم من عالم اتسع صيته وكثرت شهاداته، وطالت مسبحته تراه واقعا في الشرك - وهو يدري أو لا يدري - ومقرا له، ويدعو إليه، ولا يلفت نظره واهتمامه تزاحم الطواغيت التي تستشرف خصائص الإلهية والربوبية، هذا إذا لم يكن واقعا في عبادتها والركون إليها ..كل ذلك بسبب غفلته عن التوحيد ومتطلباته.
فإن عبادة الطاغوت نتائجه وخيمة على جميع جوانب الحياة، وتكاليفه باهظة، تضحي في سبيله بالنفس والعرض والمال والولد ويريد منك المزيد، إلى جانب الخسران الكبير في الآخرة، حيث جهنم وبئس المصير.
قال تعالى : {و الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}[1] ، فهي ليست ظلمة واحدة بل ظلمات بعضها فوق بعض، ظلمات الشرك، وظلمات العبودية والخضوع للطواغيت، وظلمات النفس وضيق الصدر، وظلمات الحياة الضنك، وفي الآخرة ظلمات جهنم وكرباتها..
قال تعالى : {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل}[2] .
و قال تعالى : {و من يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق}[3] .
هذا جزاء من يشرك بالله تعالى أما من يوحد الله فيعبده ولا يُشرك به شيئان فله البشرى في الحياة الدنيا والآخرة.
قال تعالى : {و الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب}[4] .
و قال تعالى : {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا}[5] .
فكل هذه المنح الربانية مقابل {يعبدونني لا يشركون بي شيئا}، فهل حققنا هذا الشرط في أنفسنا وفي أسرنا وفي حياتنا العامة ثم سألنا الله النصر والاستخلاف والتمكين وأن يبدل خوفنا أمنا..؟
و في هذا تذكير وبيان لدعاة التغيير الذين ينشدون قيام خلافة راشدة في الأرض : إذا لم تحققوا هذا الشرط الهام في أنفسكم وفي جماعاتكم وفي حياة الناس العامة، ولم تجعلوه همكم الأكبر وعلى رأس قائمة الأولويات التي يجب العمل لها..فإن سعيكم لا طائل منه ولا فائدة، وهو كالركض وراء سراب، إلى جانب كونه مخالفا لمنهج الأنبياء في الدعوة إلى الله.
و في الختام هذه كلمات مختارة من الظلال لسيد قطب - رحمه الله - يبين فيها - بأسلوبه الخاص - التكاليف الضخمة والتبعات الجثام الناجمة عن العبودية للطواغيت، كما ويبين فيها الخير الكبير والحسنات العظيمة الناجمة عن الكفر بالطواغيت وإفراد الله تعالى وحده بالدينونة والعبادة، حيث يقول : إن تكاليف الخروج من العبودية للطاغوت، والدينونة لله وحده - مهما عظمت وشقت - أقل وأهون من تكاليف العبودية للطواغيت، إن تكاليف العبودية للطواغيت فاحشة - مهما لاح فيها من السلامة والأمن والطمأنينة على الحياة والمقام والرزق - إنها تكاليف بطيئة طويلة مديدة، تكاليف في إنسانية الإنسان ذاته، فهذه الإنسانية لا توجد والإنسان عبد للإنسان، وأي عبودية شر من خضوع الإنسان لما يشرعه له الإنسان ؟! وأي عبودية شر من تعلق قلب إنسان بإرادة إنسان آخر به، ورضاه أو غضبه عليه ؟! وأي عبودية شر من أن تتعلق مصائر إنسان بهوى إنسان مثله ورغباته وشهواته ؟! وأي عبودية شر من أن يكون للإنسان خطام أو لجام يقوده منه كيفما شاء إنسان؟!
على أن الأمر لا يقف عند حد هذه المعاني.. إنه يهبط ويهبط حتى يكلف الناس في حكم الطواغيت أموالهم التي لا يحميها شرع ولا يحوطها سياج، كما يكلفهم أولادهم إذ ينشئهم الطاغوت كما شاء على ما شاء من التصورات والأفكار والمفهومات والأخلاق والتقاليد والعادات، فوق ما يتحكم في أرواحهم وفي حياتهم ذاتها، فيذبحهم على مذبح هواه، ويقيم في جماجمهم واشلائهم أعلام المجد لذاته والجاه، ثم يكلفهم أعراضهم في النهاية حيث لا يملك أن يمنع فتاته من الدعارة التي يريدها بها الطواغيت، سواء في صورة الغصب المباشر - كما يقع على نطاق واسع على مدار التاريخ - أو في صورة تنشئتهنَّ على تصورات ومفاهيم تجعلهن نهبا مباحا للشهوات تحت أي شعار، وتمهد لهن الدعارة والفجور تحت أي ستار، والذي يتصور أنه ينجو بماله وعرضه وحياته وحياة أبنائه وبناته في حكم الطواغيت من دون الله إنما يعيش في وهم، أو يفقد الإحساس بالواقع !
إن عبادة الطاغوت عظيمة التكاليف في النفس والعرض والمال، ومهما تكن تكاليف العبودية لله، فهي أربح وأقوم حتى بميزان هذه الحياة فضلا على وزنها في ميزان الله..
إن الدينونة لله تحرر البشر من الدينونة لغيره، وتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وبذلك تحقق للإنسان كرامته الحقيقية وحريته الحقيقية، هذه الحرية وتلك اللتان يستحيل ضمانهما في ظل أي نظام آخر - غير النظام الإسلامي - يدين فيه الناس بعضهم لبعض بالعبودية، في صورة من صورها الكثيرة، سواء عبودية الاعتقاد أو عبودية الشعائر، أو عبودية الشرائع.. فكلها عبودية، وبعضها مثل بعض تخضع الرقاب لغير الله، بإخضاعها للتلقي في أي شأن من شؤون الحياة لغير الله.
و الناس لا يملكون أن يعيشوا غير مدينين، لا بد للناس من دينونة، والذين لا يدينون لله وحده يقعون من فورهم في شر ألوان العبودية لغير الله، في كل جانب من جوانب الحياة.
إنهم يقعون فرائس لأهوائهم وشهواتهم بلا حد ولا ضابط، ومن ثم يفقدون خاصتهم الآدمية ويندرجون في عالم البهيمية.
{و الذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم}.
و لا يخسر الإنسان شيئا كأن يخسر آدميته ويندرج في عالم البهيمية، وهذا هو الذي يقع حتما بمجرد التملص من الدينونة لله وحده، والوقوع في الدينونة للهوى والشهوة.
ثم هم يقعون فرائس لألوان من العبودية للعبيد، يقعون في شر ألوان العبودية للحكام والرؤساء الذين يصرفونهم وفق شرائع من عند أنفسهم، لا ضابط لها ولا هدف إلا حماية مصالح المشرعين أنفسهم - سواء تمثل هؤلاء المشرعون في فرد حاكم، أو في طبقة حاكمة، أو في جنس حاكم - فالنظرة على المستوى الإنساني الشامل تكشف عن هذه الظاهرة في كل حكم بشري لا يستمد من الله وحده، ولا يتقيد بشريعة الله لا يتعداها.
و لكن العبودية للعبيد لا تقف عند حدود العبودية للحكام والرؤساء والمشرعين، فهذه هي الصورة الصارخة ولكنها ليست هي كل شيء، إن العبودية للعباد تتمثل في صور أخرى خفية، ولكنها قد تكون أقوى وأعمق وأقسى من هذه الصورة، ونضرب مثالا لهذا تلك العبودية لصانعي المودات والأزياء مثلا، أي سلطان لهؤلاء على قطيع كبير جدا من البشر.. كل الذين يسمونهم متحضرين..إن الزي المفروض من آلهة الأزياء سواء في الملابس أو العربات أو المباني أو المناظر أو الحفلات.. ليمثل عبودية صارمة لا سبيل لجاهلي ولا لجاهلية أن يفلت منها، أو يفكر في الخروج عنها، ولو دان الناس في هذه الجاهلية الحضارية لله بعض ما يدينون لصانعي الأزياء لكانوا عبادا متبتلين.. فماذا تكون العبودية إن لم تكن هي هذه ؟ وماذا تكون الحاكمية والربوبية إن لم تكن هي حاكمية وربوبية صانعي الأزياء أيضا ؟!
و ليس هذا إلا مثلا واحدا للعبودية المذلة حين لا يدين الناس لله وحده، وحين يدينون لغيره من العبيد، وليست حاكمية الرؤساء والحكام وحدها هي الصورة الكريهة المذلة لحاكمية البشر للبشر، ولعبودية البشر للبشر !
و هذا يقودنا إلى قيمة توحيد العبادة والدينونة في صيانة أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم، التي تصبح كلها ولا عاصم لها عندما يدين العباد للعباد في صورة من صور الدينونة، سواء في صورة حاكمية التشريع، أو في صورة حاكمية الأعراف والتقاليد، أو في صورة حاكمية الاعتقاد والتصور..
إن الدينونة لغير الله في الاعتقاد والتصور معناها الوقوع في براثن الأوهام والأساطير والخرافات التي لا تنتهي، والتي تمثل الجاهليات الوثنية المختلفة صورا منها وتمثل أوهام العوام المختلفة صورا منها، وتقدم فيها النذور والأضاحي من الأموال وأحيانا من الأولاد تحت وطأة العقيدة الفاسدة والتصور المنحرف، ويعيش الناس معها في رعب من الأرباب الوهمية المختلفة، ومن السدنة والكهنة المتصلين بهذه الأرباب، ومن السحرة المتصلين بالجن والعفاريت، ومن المشايخ والقديسين أصحاب الأسرار، ومن .. ومن .. من الأوهام التي ما يزال الناس منها في رعب وفي خوف وفي تقرب وفي رجاء، حتى تتقطع أعناقهم وتتوزع جهودهم، وتتبدد طاقاتهم في مثل هذا الهراء !
و أخيرا تجيء تكاليف العبودية لحاكمية التشريع البشرية، وما من أضحية يقدمها عابد الله لله إلا ويقدم الذين يدينون لغير الله أضعافها للأرباب الحاكمة من الأموال والأنفس والأعراض ..
و تقام أصنام من الوطن، ومن القوم ومن الجنس، ومن الطبقة، ومن الإنتاج، ومن غيرها من شتى الأصنام والأرباب..
و تدق عليها الطبول، وتنصب لها الريات، ويدعى عباد الأصنام إلى بذل النفوس والأموال لها بغير تردد، وإلا فالتردد هو الخيانة وهو العار، وحتى حين يتعارض العِرض مع متطلبات هذه الأصنام، ومن ورائها أولئك الأرباب من الحكام !
إن كل التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله ليعبد الله وحده في الأرض، وليتحرر البشر من عبادة الطواغيت والأصنام، ولترتفع الحياة الإنسانية إلى الأفق الكريم الذي أراده الله للإنسان..
إن كل هذه التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله ليبذل مثلها وأكثر من يدينون لغير الله، والذين يخشون العذاب والألم والاستشهاد وخسارة الأنفس والأولاد والأموال إذا هم جاهدوا في سبيل الله، عليهم أن يتأملوا ماذا تكلفهم الدينونة لغير الله في الأنفس والأموال والأولاد، وفوقها الأخلاق والأعراض، إن تكاليف الجهاد في سبيل الله في وجه طواغيت الأرض كلها لن تكلفهم ما تكلفهم الدينونة لغير الله، وفوق ذلك كله الذل والدنس والعار ! [6]
و هناك ظاهرة واضحة متكررة.. وهي أنه كلما قام عبد من عبيد الله ليقيم من نفسه طاغوتا يُعبّد الناس لشخصه من دون الله، احتاج هذا الطاغوت كي يُعبد - أي يطاع ويتبع - إلى أن يسخر كل القوى والطاقات، أولا لحماية شخصه، وثانيا لتأليه ذاته، واحتاج إلى حواش وذيول وأجهزة وأبواق تسبح بحمده، وترتل ذكره، وتنفخ في صورته العبدية الهزيلة لتتضخم وتشغل مكان الألوهية العظيمة ! وألا تكف لحظة واحدة عن النفخ في تلك الصورة العبدية الهزيلة، وإطلاق الترانيم حولها، وحشد الجموع - بشتى الوسائل - للتسبيح باسمها، وإقامة طقوس العبادة لها..!
و هو جهد ناصب لا يفرغ أبدا، لأن الصورة العبدية الهزيلة التي ما تني تنكمش وتهزل وتتضاءل كلما سكن من حولها النفخ والطبل والزمر والبخور والتسابيح والتراتيل، وما تني تحتاج كرة أخرى إلى ذلك الجهد الناصب من جديد !
و في هذا الجهد الناصب تصرف طاقات واموال - وأرواح أحيانا وأعراض ! - لو أنفق بعضها في عمارة الأرض والإنتاج المثمر لترقية الحياة البشرية وإغنائها لعاد على البشرية بالخير الوفير، ولكن هذه الطاقات والأموال - والأرواح والأعراض - لا تنفق في هذا السبيل الخير المثمر ما دام الناس لا يدينون لله وحده وإنما يدينون للطواغيت من دونه.
و من هذه اللمحة يتكشف مدى خسارة البشرية في الطاقات والأموال والعمارة والإنتاج من جراء تنكبها عن الدينونة لله وحدهن وعبادة غيره من دونه، وذلك فوق خسارتهم في الأرواح والأعراض، والقيم والأخلاق، وفوق الذل والقهر والدنس والعار ! وليس هذا في نظام أرضي دون نظام، وإن اختلفت الأوضاع واختلفت ألوان التضحيات.
و لقد حدث أن الذين فسقوا عن الدينونة لله وحده، فأتاحوا لنفر منهم أن يحكموهم بغير شريعته، قد وقعوا في النهاية في شقوة العبودية لغيره. العبودية التي تأكل إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم، مهما اختلفت أشكال الأنظمة التي تحكمهم والتي ظنوا في بعضها أنها تكفل لهم الإنسانية والحرية والكرامة.
لقد هربت بأوربا من الله - في أثناء هروبها من الكنسية الطاغية الباغية باسم الدين الزائف - وثارت على الله سبحانه في أثناء ثورتها على تلك الكنيسة التي أهدرت كل القيم الإنسانية في عنفوان سطوتها الغاشمة، ثم ظن الناس أنهم يجدون إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم ومصالحهم كذلك في ظل الأنظمة الفردية (الديمقراطية) وعلقوا كل آمالهم على الحريات والضمانات التي تكلفها لهم الدساتير الوضعية، والأوضاع النيابية البرلمانية، والحريات الصحفية، والضمانات القضائية والتشريعية، وحكم الأغلبية المنتخبة إلى آخر هذه الهالات التي أحيطت بها تلك الأنظمة.. ثم ماذا كانت العاقبة ؟ كانت العاقبة هي طغيان الرأسمالية ذلك الطغيان الذي أحال كل تلك الضمانات، وكل تلك التشكيلات إلى مجرد لافتات، أو إلى مجرد خيالات ! ووقعت عبودية ذليلة للأقلية الطاغية التي تملك رأس المال البرلمانية، والدساتير الوضعية، والحريات الصحفية، ظنها الناس هناك كفيلة بضمان إنسانيتهم وكرماتهم والله سبحانه!!
ثم هرب فريق من الناس هناك من الأنظمة الفرية التي يطغى رأس المال والطبقة إلى الأنظمة الجماعية ! فماذا فعلوا ؟ لقد استبدلوا بالدينونة لطبقة الرأسماليين الدينونة لطبقة الصعاليك ! أو استبدلوا بالدينونة لأصحاب رؤوس الأموال والشركات الدينونة للدولة التي تملك المال إلى جانب السلطان ! فبصبح أخطر من طبقة الرأسماليين !
و في كل حالة، وفي كل وضع، وفي كل نظام دان البشر فيه للبشر، دفعوا من أموالهم ومن أرواحهم الضريبة الفادحة، دفعوها للأرباب المتنوعة في كل حال.
إنه لا بد من عبودية، فإن لم تكن لله وحده تكن لغير الله والعبودية لله وحده تطلق الناس أحرارا كراما شرفاء أعلياء والعبودية لغير الله تأكل إنسانية الناس وكرامتهم وحرياتهم وفضائلهم، ثم تأكل أموالهم ومصالحهم المادية في النهاية.
من أجل ذلك كله تنال قضية الألوهية والعبودية كل تلك العناية في رسالات الله سبحانه وفي كتبه.. فهي قضية لا تتعلق بعبدة الأصنام والأوثان في الجاهليات الساذجة البعيدة، ولكنها تتعلق بالإنسان كله، في كل زمان وفي كل مكان، وتتعلق بالجاهليات كلها، جاهليات ما قبل التاريخي، وجاهليات التاريخ، وجاهليات القرن العشرين، وكل جاهلية تقوم على أساس من عبادة العباد للعباد.
و الخلاصة التي ينتهي إليها القول في هذه القضية : أن قضية الدينونة والاتباع والحاكمية هي قضية عقيدة أو إيمان وإسلام، وليست قضية فقه أو سياسة أو نظام، إنها قضية عقيدة تقوم أو لا تقوم، وقضية إيمان يوجد أو لا يوجدن وقضية إسلام يتحقق أو لا يتحقق.
و كذلك فإن قضية العبادة ليست قضية شعائر، وإنما هي قضية دينونة واتباغ ونظام وشريعة وفقه وأحكام وأوضاع في واقع الحياة…
و إنها من أجل أنها كذلك استحقت كل هذه العناية في المنهج الرباني المتمثل نفي هذا الدين، واستحقت كل هذه الرسل والرسالات، واستحقت كل هذه العذابات والآلام والتضحيات[7] -أهـ.
و في ذلك ذكرى لمن أراد أن يذكر، أو ألقى السمع وهو شهيد.
أسأل الله تعالى القبول، والعفو، والثبات وحسن الختام، وأن ينفعني وجميع العباد بهذا الكتاب، إنه تعالى سميع قريب مجيب.

و صلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
4 رمضان / 1416هـ .
عبد المنعم مصطفى حليمة
أبو بصير
www.abubaseer.com

 


[1] سورة البقرة، الآية : 257.
[2] سورة المائدة، الآية : 60.
[3] سورة الحج، الآية : 31.
[4] سورة الزمر، الآيتان : 16، 17.
[5] سورة النور، الآية : 55.
[6] في ذلك عبرة وعظة للذين لا يزالون يصورون الخروج على طواغيت الكفر بأنه أشد فتنة وأكثر كلفة من السكوت عليهم والرضى بهم، وكأني بهم قد فاتتهم حجم التضحيات والتكاليف التي يشير إليها سيد رحمه الله !!
[7] في ظلال القرآن : 3/1319 و4/1939-1934.

   
F ¥ E