ـ
سؤال: وردت بعض الآثار عند بعض
الأئمة، وعن بعض الصحابة كخالد بن الوليد، وبعض الأئمة كالإمام
أحمد بكفر شاتم الله أو الرسول واعتبروه كفر ردة، فهل هذا على
إطلاقه، نرجو الإفادة؟
ـ الشيخ الألباني: ما نرى ذلك على
الإطلاق(1)، فقد يكون السب والشتم ناتجاً عن الجهل(2)،
وعن سوء التربية(3)، وقد يكون عن غفلة(4)!!
وأخيراً قد يكون عن قصد وعن معرفة، وإذا كان بهذا الصورة عن قصد
ومعرفة(5) فهو الردة الذي لا إشكال فيه، أما إذا احتمل
وجهاً من الوجوه الأخرى التي أشرت إليها فالاحتياط في عدم التكفير
أهم إسلامياً من المسارعة إلى التكفير.
(1) بل هو كافر مرتد على الإطلاق، بهذا نطقت أدلة الكتاب
والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان وتابعي تابعيهم من
أئمة العلم والدين، لم يشذ عنهم إلا من كان في الإيمان مرجئ أو
جهمي جلد، وإليك بيان ذلك:
أما أدلة الكتاب، فقوله تعالى: {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم
مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ
أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ
يَنتَهُونَ}التوبة: 12.
قال ابن تيمية في الصارم ص 17: إن سماهم أئمة الكفر لطعنهم في
الدين، فثبت أن كل طاعن في الدين فهو إمام في الكفر ا- هـ.
وقال القرطبي في التفسير (8/82): من أقدم على نكث العهد والطعن في
الدين يكون أصلاً ورأساً في الكفر، فهو من أئمة الكفر على هذا.
واستدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدين،
إذ هو كافر. والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق به، أو يعترض
بالاستخفاف على ما هو من الدين، لما ثبت من الدليل القطعي على صحة
أصوله واستقامة فروعه ا- هـ.
وقال ابن كثير في التفسير (2/352): ومن هاهنا أخذ قتل من سب الرسول
صلوات الله وسلامه عليه، أو من طعن في دين الإسلام أو ذكره بنقص ا-
هـ.
وقال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا
نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ
كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم
بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ
طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}التوبة: 65-66.
وهؤلاء قالوا كلاماً ـ على وجه اللعب من غير اعتقاد ـ دون الشتم
فكفروا بعد إيمانهم، فيكون الشتم الصريح أولى بالكفر وبارتداد
صاحبه عن الدين. قال ابن تيمية في الفتاوى (7/272): هذا نص في أن
الاستهزاء بالله وآياته وبرسوله كفر، فالسب المقصود بطريق الأولى،
وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- جاداً أو هازلاً فقد كفر. فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم
مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب
ا- هـ.
وقال ابن العربي في الأحكام (2/976): لا يخلو أن يكون ما قالوه من
ذلك جداً أو هزلاً، وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر لا
خلاف فيه بين الأمة. فإن التحقيق أخو الحق والعلم، والهزل أخو
الباطل والجهل ا- هـ.
وقال أبو بكر الجصاص في كتابه "أحكام القرآن" 4/348: فيه الدلالة
على أن اللاعب والجاد سواء في إظهار كلمة الكفر على غير وجه
الإكراه .. فأخبر أن هذا القول كفر منهم على أي وجه قالوه من جد أو
هزل، فدل على استواء حكم الجاد والهازل في إظهار كلمة الكفر، ودل
أيضاً على أن الاستهزاء بآيات الله وبشيء من شرائع دينه كفر فاعله
ا- هـ.
وقال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ
كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ}التوبة: 74.
قال القشيري: كلمة الكفر سب النبي -صلى الله عليه وسلم- والطعن في
الإسلام {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} أي بعد الحكم بإسلامهم
ا- هـ، عن تفسير القرطبي (8/206).
وقال الكشميري في كتابه "إكفار الملحدين": والحاصل أن من تكلم
بكلمة الكفر هازلاً أو لاعباً، كفر عند الكل ولا اعتبار باعتقاده
كما صرح به في "الخانية" و "ورد المحتار" ا- هـ.
وقال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا
سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا
فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ
غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ
الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}النساء:
140.
قال سليمان آل الشيخ رحمه الله تعالى: إن معنى الآية على ظاهرها،
وهو أن الرجل إذا سمع آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فجلس عند
الكافرين والمستهزئين من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام عنهم حتى
يخوضوا في حديث غيره فهو كافر مثلهم، وإن لم يفعل فعلهم لأن ذلك
يتضمن الرضى بالكفر، والرضى بالكفر كفر، وبهذه الآية ونحوها استدل
العلماء على أن الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادعى أنه يكره ذلك بقلبه
لم يقبل منه، لأن الحكم على الظاهر وهو قد أظهر الكفر فيكون كافراً
ا- هـ. عن مجموعة التوحيد، ص 48.
فإذا كان هذا حكم من يجالس المستهزئين بآيات الله من غير أن
يشاركهم الاستهزاء، فما يكون القول في الشاتم بالسب الصريح لدين
الله، لا شك أنه يكون أولى بالكفر والارتداد..
قال الكشميري: قال ابن حجر في "الأعلام" في فصل الكفر المتفق عليه،
مما نقله عن كتب الحنفية: من تلفظ بلفظ الكفر يكفر، فكل من استحسنه
أو رضي به يكفر.
وعن "البحر" رجل كفر بلسانه طائعاً وقلبه على الإيمان يكون كافراً
ولا يكون عند الله مؤمناً، كذا في "فتاوي قاضيخان" و"هندية" و
"جامع الفصولين" ا- هـ. عن إكفار الملحدين، ص 59.
وفي السنة، عن ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد، تشتم النبي -صلى
الله عليه وسلم- وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجر فلا تنزجر.
قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي -صلى الله عليه وسلم-
وتشتمه، فأخذ المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين
رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكر ذلك لرسول الله
-صلى الله عليه وسلم- فجمع الناس فقال: "أنشد الله رجلاً فعل ما
فعل، لي عليه الحق إلاّ قام" فقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل
حتى قعد بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله
أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا
تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة، فلما كانت
البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذ المغول وضعته في بطنها واتكأت
عليها حتى قتلتها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ألا اشهدوا
أن دمها هدر" (صحيح سنن أبي داود"3665").
قال ابن تيمية: وهذا الحديث نص في جواز قتلها لأجل شتم النبي -صلى
الله عليه وسلم-، ودليل على قتل الرجل الذمي، وقتل المسلم والمسلمة
إذا سبَّا بطريق الأولى ا- هـ. عن الصارم، ص 62.
وعن ابن عباس قال: هجت امرأة من خطمة ـ وهي العصماء بن مروان ـ
النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "من لي بها"، فقام رجل من قومها
وهو عمير بن عدي الخطمي، فقال: أنا يا رسول الله، فنهض فقتلها،
فأخبر النبي، فقال: "لا ينتطح فيها عنزان"، قال عمير: فالفت النبي
-صلى الله عليه وسلم- إلى من حوله فقال: "إذا أحببتم أن تنظروا إلى
رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عميرة بن عدي". (ذكره ابن
تيمية في الصارم، ص 95).
ونحوه قوله -صلى الله عليه وسلم- في صحيح البخاري: "من لكعب بن
الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله؟" قال محمد بن مسلمة: أتحب أن
أقتله يا رسول الله؟ قال: "نعم".
وعن أبي بكر، أنه كتب إلى المهاجر بن أبي ربيعة في المرأة التي غنت
بهجاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لولا ما سبقتني فيها لأمرتك
بقتلها لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم
فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر". عن الصارم.
وعن مجاهد، أتى عمر برجل سب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقتله ثم
قال عمر: من سب الله أو سب أحداً من الأنبياء فاقتلوه. عن الصارم.
وعن أبي برزة الأسلمي قال: أغلط رجال لأبي بكر الصديق، فقلت:
أقتله؟ فانتهرني وقال: ليس هذا لأحد بعد رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-. (صحيح سنن النسائي "3795").
قال الإمام إسحاق بن راهوية: أجمع المسلمون على أن من سب الله أو
سب رسوله -صلى الله عليه وسلم-، أو دفع شيئاً مما أنزل الله -عز
وجل- أو قتل نبياً من أنبياء الله -عز وجل-: أنه كافر بذلك وإن كان
مقراً بكل ما أنزل الله.
وقال الخطابي: لا أعلم أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله ـ وهو الإمام أحمد ـ يقول: كل من شتم
النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو يتنقصه ـ مسلماً كان أو كافراً ـ
فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يُستتاب.
وكذلك قال أبو الصفراء: سألت أبا عبد الله عن رجل من أهل الذمة شتم
النبي -صلى الله عليه وسلم- ماذا عليه؟ قال: إذا قامت البينة عليه
يُقتل من شتم النبي -صلى الله عليه وسلم- مسلماً كان أو كافراً،
وفي رواية: قيل له فيه أحاديث؟ قال: نعم أحاديث منها حديث الأعمى
الذي قتل المرأة، قال: سمعتها تشتم النبي -صلى الله عليه وسلم-
وحديث حصين أن ابن عمر قال: من شتم النبي -صلى الله عليه وسلم-
قُتل.
وكان عمر بن عبد العزيز يقول: يُقتل، ذلك أن من شتم النبي -صلى
الله عليه وسلم- فهو مرتد عن الإسلام ولا يشتم مسلم النبي -صلى
الله عليه وسلم-, قال عبد الله: سألت أبي عمن شتم النبي -صلى الله
عليه وسلم-، يستتاب قال: قد وجب عليه القتل ولا يستتاب، لأن خالد
بن الوليد قتل رجلاً شتم النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يستتبه.
وقال: سئل أبي عن رجل قال: يا ابن كذا وكذا أنت ومن خلفك. قال أبي
ـ أحمد بن حنبل ـ هذا مرتد عن الإسلام، قلت لأبي: تضرب عنقه؟ قال:
نعم، نضرب عنقه.
وقد سُئل عن يهودي مرَّ بمؤذن فقال له: كذبت، فقال: يُقتل لأنه
شتم[1].
قال ابن تيمية في الصارم: وتحرير القول فيه أن الساب إن كان مسلماً
فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.
وقال: إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهراً وباطناً، سواء كان الساب
يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده،
هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل.
فإن كان مسلماً وجب قتله بالإجماع، لأنه بذلك كافر مرتد وأسوأ من
الكافر، فإن الكافر يعظم الرب، ويعتقد" أن ما هو عليه من الدين
الباطل ليس باستهزاء الله ولا مسبة له. ا- هـ.
قال الكشميري في "إكفار الملحدين، 64": أجمع عوام أهل العلم على أن
من سب النبي -صلى الله عليه وسلم- يقتل، وحكى الطبري مثل ـ أي مثل
القول بأنه ردة ـ عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه -صلى الله عليه
وسلم- أو برئ منه أو كذبه.
قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي -صلى الله عليه
وسلم- المستنقص له كافر، ومن شك في كفره وعذابه كفر ا- هـ.
وفي "الشفا" للقاضي عياض: لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين
كافر حلال الدم.
وكذلك من أضاف إلى نبينا -صلى الله عليه وسلم- تعمد الكذب فيما
بلغه وأخبر به، أوشك في صدقه، أو سبه، أو قال إنه لم يبلغ، أو
استخف به، أو استخف به، أو بأحد من الأنبياء، أو أزرى عليهم، أو
آذاهم أو قتل نبياً أو حاربه، فهو كافر بالإجماع ا- هـ.
وفي "المحلى" 12/438، لابن حزم، بعد أن ساق الأدلة على كفر الساب،
قال: فصح بما ذكرنا أن كل من سب الله تعالى، و استهزأ به، أو سب
ملكاً من الملائكة أو استهزأ به، أو سب نبياً من الأنبياء أو
استهزأ به، أو سب آية من آيات الله تعالى أو استهزأ بها، والشرائع
كلها والقرآن من آيات الله تعالى، فهو بذلك كافر مرتد له حكم
المرتد، وبهذا نقول.
وفي موضع آخر قال: فصح بهذا أن كل من آذى رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- فهو كافر مرتد يقتل ولا بد، وبالله تعالى التوفيق ا- هـ.
وبعد، فهذه أدلة الكتاب والسنة وأقوال أئمة العلم التي أجمعت على
كفر شاتم الله والرسول كفراً مطلقاً، وهو كافٍ لرد قول الشيخ (ما
نرى ذلك على الإطلاق!!) الذي تفرد به دون سائر علماء الأمة السلف
منهم والخلف!
ثم على افتراض أن لقول الشيخ وجه معتبر في الشرع، فإن الفقه يقتضي
القول بخلافه، وبخاصة أن الناس ـ في هذا الزمان ـ قد هان عليهم
ربهم، فلا يتورعون من شتمه لأحقر الأسباب، وأحياناً بلا سبب لغرض
التندر والتفكه والتسلية ..!!
أيحسن في مثل هذه الحالة أن نهون عليهم قضية الشتم، ونقول لهم: لا
تراعوا، فأنتم مسلمون ومن أهل الجنة إن شتمت الله والرسول؟!
ولا أظن أن الشيخ ومن معه من جهمية العصر، يخفى عليهم دلالة الحديث
الصحيح الذي أجاز فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- للشيخ الكبير أن
يباشر وهو صائم، ومنع من ذلك الشاب القوي.
وكذلك قول ابن عباس لمن سأله: أللقاتل توبة؟ فقال له: لا، ليس له
توبة؟ لما رأى في عينيه رغبة في القتل..وأمر آخر لا بد من الإشارة
إليه، وهو أن طواغيت الحكم ـ الذين خفي كفرهم على جهمية العصر!! ـ
يعلمون من جندهم وعسكرهم وغيرهم من الناس أنهم يشتمون الله والرسول
والدين لأتفه الأسباب من دون أن يأخذوا على أيديهم أو ينزلوا فيهم
أدنى عقوبة، بينما من يشتم الملك أو الرئيس أو المقامات العليا
الحاكمة فإنه يتعرض ـ وفق قوانين وشرائع مسنونة ومعدة ـ لأقصى
العقوبات من سجن لعدة سنوات، وضرب، وحرمان من جميع حقوقه المدنية،
وغير ذلك، فأي كفر بعد هذا الكفر؟!
صدق الله العظيم: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ
أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ
أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ}البقرة: 165.
(2) قد تقدم أن الجهل الذي
يعذر صاحبه هو الجهل الذي يكون عن عجز لا يمكن دفعه، فأين يكمن عجز
الشاتم لله ولرسوله، وهو يتحقق عنده العلم بما يجب لله من
التوفير والتعظيم والإجلال منذ اللحظة الأولى من دخول الإسلام
بنطقه لشهادة التوحيد؟!
ثم هات لي جاهلاً واحداً في العالم ـ دخل الإسلام بشهادتي التوحيد
ـ ثم يقول لك لا أعرف أنه لا يجوز شتم الله والدين؟
بل أن أحدهم لو سمع أحداً يشتم الله والدين، فسرعان ما يقول له لا
تكفر، حتى أصبح في أذهان عوام الناس أن الشتم والكفر كلمتان
مترادفتان لمعنى واحد.
وعليه فإن شاتم الله والدين لا يعذر بالجهل ولا بشيء من موانع
التكفير سوى الإكراه المحقق، لقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِه}،
ولحديث عمار المعروف.
(3) هذا كلام باطل لا يصح بأي وجه من الأوجه، وهو مردود حيث لا
يوجد دليل ولا قول لعالم معتبر يفيد أن سوء التربية تعتبر مانعاً
من موانع التكفير، وعلى قول الشيخ هذا فإن الكفار كلهم معذورون
لأنهم سيئي التربية، ولم يربوا في بيوتهم!!
ثم إن الأدلة الشرعية قد أشارت إلى سوء تربية الكفار، ومع ذلك فلم
يعذروا بسبب سوء التربية ما دامت نذارة الرسول قد بلغتهم، فقد صح
عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "كل مولود يولد على الفطرة
ـ أي ملة التوحيد ـ فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه". ولا
أحد قال بأن اليهود والنصارى والمجوس معذورون بكفرهم لسوء تربيتهم
هذه ..!
(4) قد تقدمت أقوال العلماء أن الغفلة عن الاعتقاد لا يكون عذراً
يبرر شتم الشاتم .. وإنما هذه أعذار يفترضها جهمية العصر، لأنها
عندهم قرائن دالة على عدم انعقاد الكفر في القلب، فالكفر عندهم هو
الكفر الذي ينعقد عليه القلب وحسب، وهذا لازم لهم أن يحصرون
الإيمان في الاعتقاد القلبي وإن لم يتبعه عمل يظهر على الجوارح
..!!
(5) يقصد الشيخ قصد ومعرفة
القلب المتضمن للاعتقاد والاستحلال، بدليل أن الشاتم عن سوء
تربية فهو قاصد وعارف لما صدر منه ومع ذلك فهو مستثنى عند الشيخ
لاحتمال أن يكون شتمه من غير اعتقاد واستحلال..!!
وهذا القول مغاير لقول أهل
السنة القائلين: بأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، وبالتالي فالكفر
يكون عندهم بالاعتقاد والقول والعمل. بينما جهم ـ ومن تابعة من
جهمية العصر ـ فقد حصر الإيمان في الاعتقاد القلبي ورتب على ذلك
حصر الكفر في الجحود القلبي فقط ..!
قال ابن تيمية: إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهراً وباطناً، سواء
كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن
اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان
قول وعمل[2]. ويجب أن يعلم أن القول بأن كفر الساب في نفس الأمر
إنما هو لاستحلاله السب زلة منكرة وهفوة عظيمة.
وفي رده على الذين يشترطون الاعتقاد والاستحلال لكفر الساب، قال:
الحكاية المذكورة عن الفقهاء، أنه إن كان مستحلاً كفر وإلا فلا،
ليس لها أصل .. وهذا وجه.
الوجه الثاني: أن الكفر إذا كان هو الاستحلال فإنما معناه اعتقاد
أن السب حلال، فإنه لما اعتقد أن ما حرمه الله تعالى كفر، ولا ريب
أن من اعتقد في المحرمات المعلوم تحريمها أنها حلال كفر، ولكن لا
فرق في ذلك بين سب النبي وبين قذف المؤمنين والكذب عليهم والغيبة
لهم إلى غير ذلك من الأقوال التي علم أن الله حرمها، فإن من فعل
شيئا من ذلك مستحلاً كفر، مع أنه لا يجوز أن يقال: من قذف مسلماً
أو اغتابه كفر، ويعني بذلك إذا استحله!
الوجه الثالث: أن اعتقاد حل السب كفر، سواء اقترن به وجود السب أو
لم يقترن، فإذاً لا أثر للسب في التكفير وجوداً وعدماً، وإنما
المؤثر هو الاعتقاد، وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء.
الوجه الرابع: أنه إذا كان المكفر هو اعتقاد الحل فليس في السب ما
يدخل على أن الساب مستحل، فيجب أن لا يكفر لاسيما إذا قال: أن
أعتقد أن هذا حرام، وإنما أقول غيظاً وسفهاً، أو عبثاً ولعباً، كما
قال المنافقون: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَب} فإذا قيل
يكونون كفاراً فهو تكفير بغير موجب إذا لم يجعل نفس السب كفراً.
قال -سبحانه وتعالى-: {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ
إِيمَانِكُمْ} ولم يقل قد كذبتم في قولكم إنما كنا نخوض ونلعب فلم
يكذبهم في هذا العذر كما كذبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي
يوجب براءتهم من الكفر لو كانوا صادقين، بل بين أنهم كفروا بعد
إيمانهم بهذا الخوض واللعب.
وإذا تبين أن مذهب سلف الأمة ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة
في نفسها كفر استحلها صاحبها أو لم يستحلها، فالدليل على ذلك جميع
ما قدمناه في المسألة الأولى من الدليل على كفر الساب، وما ذكرناه
من الأحاديث والآثار هي أدلة بينة في أن نفس أذى الله ورسوله كفر،
مع قطع النظر عن اعتقاد التحريم وجوداً وعدماً.
ولا فرق بين من يعتقد أن الله ربه، وأن الله أمره بهذا الأمر ثم
يقول: إنه لا يطيعه، لأن أمره ليس بصواب ولا سداد، وبين من يعتقد
أن محمداً رسول الله وأنه صادق واجب الإتباع في خبره وأمره، ثم
يسبه أو يعيب أمره أو شيئاً من أحواله أو تنقصه انتقاصاً لا يجوز
أن يستحقه الرسول، وذلك أن الإيمان قول وعمل[3].
ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه حيث ظنوا أن الإيمان
مجرد تصديق القلب وعلمه، لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا
أنه قد يكون الإنسان مؤمناً كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب
الله ورسوله ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله ويوالي أعداء
الله ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار
غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها
معاصٍ لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن
عند الله مؤمن قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار، لان
هذه الأقوال إمارة على الكفر ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار
والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به وبخلاف ما شهد
به الشهود، فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد
من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة قالوا: فهذا دليل على
انتفاء التصديق والعلم من قلبه، فالكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل،
والإيمان شيء واحد وهو العلم، أو تكذيب القلب وتصديقه!!
وهذا القول مع أنه أفسد قول قيل في "الإيمان" فقد ذهب إليه كثير من
أهل الكلام المرجئة، وقد
كفر السلف كوكيع بن الجراح، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد وغيرهم من
يقول بهذا القول.
فهؤلاء غلطوا في أصلين: أحدهما ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم
فقط ليس معه عمل وحال، وحركة وإرادة، ومحبة وخشية في القلب، وهذا
من أعظم غلط المرجئة مطلقاً.
والثاني، ظننهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار،
فإنما ذلك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق[4] وهذا أمر
خالفوا به الحس والعقل والشرع، وما أجمع عليه طوائف بني آدم
السليمي الفطرة وجماهير النظار. ا- هـ ولشيخ الإسلام كلام آخر نفيس
في المسألة قد أثبتناه في كتابنا "تنبيه الغافلين" فليراجعه من
يشاء.
وقال ابن حزم في المحلى: وأما سب الله تعالى، فما على ظهر الأرض
مسلم يخالف في أنه كفر مجرد، إلا أن الجهمية والأشعرية[5] وهما
طائفتان لا يعتد بهما، يصرحون بأن سب الله تعالى وإعلان الكفر ليس
كفراً، قال بعضهم: ولكنه دليل على أن يعتقد الكفر لا أنه كافر
بيقين بسبه الله تعالى، وأصلهم في هذا أصل سوء خارج عن إجماع أهل
الإسلام، وهو أنهم يقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وإن
أعلن بالكفر وعبادة الأوثان بغير تقية ولا حكاية ..!
ثم قال: وهذا كفر مجرد لأنه خلاف لإجماع الأمة، ولحكم الله تعالى
ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وجميع الصحابة ومن بعدهم. ا- هـ.
فتأمل كيف ربط اشتراط الاعتقاد والاستحلال لكفر الساب بعقيدة
الجهمية غلاة المرجئة، الذين يقولون الإيمان هو التصديق وبالتالي
فضده عندهم يكون بالجحود والتكذيب فقط!
وبالتالي لا نكون قد حايدنا الصواب عندما نشير إلى بعض من يتذرع
بعقيدة السلف في الإيمان، الذين يشترطون لكفر الكافر ـ أياً كان
نوع كفره ـ انعقاد الكفر في القلب واستحلاله، أنهم جهميون وعلى
عقيدة جهم في الإيمان.
[1] هذه الآثار ذكرها شيخ الإسلام في كتابه
العظيم "الصارم المسلول" على شاتم الرسول" وقد أحصى فيه أدلة
الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح الدالة على كفر وردة شاتم الله
والرسول كفراً مجرداً لذات الشتم وإن لم يوافقه اعتقاد واستحلال في
القلب، فمن أراد أن يستزيد فليراجعه. ومما يعجب له أن الشيخ وثلة
الأرجاء المتأثرين به عندما يتعرضون لذكر المسألة يتجاهلون هذا
المصنف العظيم علماً أنه قد أوفى المسألة بحثاً واستدلالاً من
الكتاب والسنة!!
[2] انظر كيف ربط بين هذه الفتوى وبين تعريف الإيمان بأنه قول وعمل
وكأنه يريد أن يقول: أن من لوازم هذا التعريف للإيمان القول بهذه
الفتوى، أما من يأتي بتعريف السلف للإيمان من دون أن يقول بهذا
القول فإنه يقول بالشيء وضده في آن معاً، وهو أقرب إلى قول جهم في
الإيمان.
[3] تأمل كيف اعتبر من لوازم القول بأن الإيمان قول وعمل، القول
بكفر الساب أو المستخف المزدري بالقول أو بالفعل، وإن كان معتقداً
بوحدانية الله -عز وجل- وبنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- وبوجوب
إتباعه.
[4] وهو نفس قول الشيخ ومن تابعه من جهمية العصر، الذين يتذرعون
بعقيدة السلف في الإيمان!
[5] يريد المرجئة الذين حصروا الإيمان في الاعتقاد والقول دون
العمل. |