الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
الإنتصار لأهل التوحيد والرد على من جادل عن الطواغيت
ـ خطأ في الاستدلال على الاحتياط في التكفير:
  ويعجبني بهذه المناسبة أن لبعض الفقهاء قول: إذا اتفق تسع وتسعون عالماً على القول بتكفير شخص بسبب ما بدر منه من مكفر، وواحد في المائة قال هذا ليس كفراً فإنما هو الفسق، قال: لا يكفر هذا حتى يُجمع على تكفيره من المائة(1)!!
هذا هو المحيط والحذر الذي يستفاد من قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من كفر مسلماً فقد صار الكفر على أحدهما" والعبارة الأشهر: "من كفر مسلماً فقد كفر"(2)، فلذلك ينبغي التحفظ والاحتياط من إطلاق الكفر على مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله(3).
وبهذه المناسبة أذكر الحديث الصحيح المعروف: بأن رجلاً من أصحاب الرسول -عليه السلام- لقي مشركاً، وبدأ بالمبارزة والمقاتلة فلما صار المشرك تحت ضربة سيف المسلم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله، فلما بلغ خبره النبي -صلى الله عليه وسلم- غضب غضباً شديداً وأنكر على الرجل المسلم الصحابي الذي قتل ذلك المشرك، حينما سمع منه تلك الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله. قال يا رسول الله ما قاله إلا فراراً من القتل، قال: "هلاَّ شققت عن قلبه؟!"، هنا الشاهد(4) لاحظ هذا المشرك الذي كان يقاتل المسلم على دينه في تلك اللحظة التي شعر بأنه أصبح تحت ضربة سيف الصحابي، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، الظاهر أنه ما قالها إلا تقية(5)، لكن مع ذلك اعتد عليه الصلاة والسلام بهذه الكلمة الطيبة، ونهى ذلك الصحابي عن فعلته التي فعلها.
إذاً التكفير أمر صعب جداً(6)، ثم أنا أرى، وهذا يوصلنا بطبيعة البحث إلى لفت النظر إلى ما عليه كثير من الشباب المتحمس اليوم من أن يضيع وقته في إطلاق كلمة الكفر على كثير إن لم يقولوا على كل حكام المسلمين(7)، إنهم هؤلاء كلهم كفار، شغلوا أنفسهم بإطلاق هذه الكلمة(8).

 

(1) هذا القول ـ بهذه الصيغة ـ لا أصل له، ولم يقل به جاهل ولا عالم فقيه، وإنما الذي أثر عن بعض أهل العلم كما في "الهندية": إذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر، ووجه واحد يمنع، فعلى المفتي أن يميل إلى ذلك الوجه ا- هـ.
ونحوه ما قاله الغزالي في "فيصل التفرقة": ولا ينبغي أن يظن أن التكفير ونفيه ينبغي أن يدرك قطعاً في كل مقام، بل التكفير حكم شرعي، فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية، فتارة يدرك بيقين، وتارة بظن غالب، وتارة بتردد فيه، ومهما حصل تردد فالوقف فيه عن التكفير أولى ا- هـ.
فواضح الفرق بين هذه النقولات ـ من حيث الصيغة والدلالة ـ وبين ما نسبة الشيخ إلى بعض أهل الفقه ولا أصل له!
وربما قد نُقل عن بعضهم أنه قال: إذا كانت المسالة تحتمل الكفر من تسع وتسعين وجهاً.. الخ ولكن أيضاً يوجد فرق كبير بين التسع والتسعين وجهاً، وبين التسع والتسعين عالماً!
(2) سيأتي التعليق على فقه هذا الحديث، حيث لا يجوز حمله على الإطلاق، كما سنبينه في موضعه إن شاء الله.
(3) شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، لها متطلباتها وشروطها ولها نواقضها، ومن دون القيام بمتطلباتها وشروطها واجتناب نواقضها، فإن حركة اللسان وطقطقة المسبحة بمفردها لا تنفع صاحبها كما يصور ذلك جهمية العصر، وذلك أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل.
إلا إذا كان المتشهد عاجزاً عن القيام بشيء من متطلبات الشهادة العلمية، فهنا العجز يرفع التكليف والمؤاخذة لأن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، والنطق بالشهادة ـ في هذه الحالة ـ واعتقادها وحبها ينفع صاحبه، كما حصل لمن أسلم فقتل في حينه من دون أن يتسنى له أن يقوم بشيء من الأعمال، فقال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- "عمل قليلاً وأجراً كثيراً"، وسنأتي على بيان متطلبات شهادة التوحيد وشروطها بشيء من التفصيل في موضعه إن شاء الله.
(4) ونحن نقول:هذا الشاهد هو عليك يا شيخ! وفيه رد على مذهبك الباطل الذي يطالب بشق القلوب ومعرفة حقيقتها عند الحكم على أصحابها بالكفر على اعتبار ظاهرهم الكفري!
وهذا الحديث فيه تقرير لمبدأ اعتبار الظاهر في الكفر والإيمان سواء، فالمرء إذا أظهر إيماناً من غير مناقض له قبل إيمانه على اعتبار ظاهره، وكذلك إذا أظهر كفراً بواحاً اعتبر ظاهره وعاملنا معاملتنا للكافرين المرتدين.
قال النووي في شرح صحيح مسلم (2/107): وقوله -صلى الله عليه وسلم- "أفلا شققت عن قلبه"، فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر ا- هـ.
وفي صحيح البخاري، عن عمر بن الخطاب قال: إن ناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإن الوحي قد انقطع، وإما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدقه ون قال إن سريرته حسنة.
وقال -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم: "إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم"، وأنتم ـ يا شيخ ـ اعتبرتم الظاهر كدليل على الإيمان دون الكفر، وفي حال أشير للمرء بالكفر على اعتبار ظاهره، سرعان ما تستشهدون على مخالفكم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "هلا شققت عن قلبه؟!". وتريدون بذلك هل عرفت حقيقة ما وقر في قلبه وأنه استقر على الكفر أم لا؟! وكأنكم تطالبون المخالف لكم أن يتتبع حقيقة الباطن ويعرف ما وقر فيه، ثم هو يبني حكمه على ضوء ذلك !! وهذا بخلاف المراد من الحديث، حيث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما قال تلك المقولة للصحابي أراد أن يثبت له عجزه عن معرفة ما في القلوب إذ هو ليس من اختصاص البشر، وبما أن معرفة ما في القلوب فوق طاقات البشر كان عليه أن يكتفي بالظاهر ولا يتجاوزه.
(5) وما أدراك وقد أظهر شهادة التوحيد، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يشر إليه بما أشرت إليه أنت؟! أم أنك تريد ضرب قاعدة اعتبار الظاهر، على اعتبار أن هذا كان ظاهره التقية (أي النفاق) ومع ذلك لم يكفر!!!
(6) نعم هو صعب جداً على مشايخ الأرجاء وجهمية العصر، ثم هذا الإطلاق المألوف والمتكرر من جهمية العصر ـ مفاده أن التكفير لا ينبغي أن يقدم عليه أي أحد، وإنما فقط العلماء المجتهدون المتمرسون ومن كان له سبق كبير في طلب العلم .. ونرد عليه من أوجه:
منها، أن التكفير حكم شرعي يخضع لنصوص الكتاب والسنة كأي حكم آخر، فما عرف منه بيقين أنه كفر، ون صاحبه كافر بيقين كمن يعبد مع الله آلهة أخرى، أو يزعم لنفسه خصائص الإلهية ويجعل من نفسه نداً لله تعالى في أخص خصائصه لا يجوز مطلقاً في هذه الحالة أن عدم تكفير الكافر أو الشك في كفره كفر مخرج لصاحبه من الملة لتضمنه الجحود والرد لحكم الله تعالى.
ومنها، أن نصوص الكتاب والسنة مليئة بالآيات والأحاديث التي توجب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، وهي نصوص معني بها جميع أفراد الأمة، والشاهد كيف يمكن تحقيق ذلك إذا كان من الصعب جداً معرفة الكفر وحدوده والكافر وصفاته ..؟!
ومنها، أن نستسهل أن نسمي الزنى والواقع فيه زانٍ، والسرقة سرقة وفاعلها سارق وغير ذلك، بينما الأعظم من كل ذلك والأهم إذا وقع المرء في الكفر البواح ـ من غير مانع ـ ترانا نتهيب من تكفيره ونستعصم على أفراد الأمة أن يكفروه ..؟!
بل ترانا نوجب على جميع أفراد الأمة أن يعرفوا أن الضرطة تنقض الوضوء وأن صاحبها غير متوضئ، بينما مشايخ الإرجاء يستعظمون عليهم معرفة نواقض الإيمان، وأن الواقع فيها لا يكون مؤمناً..؟!
ولقد وجدنا من ورع جهمية العصر ـ كما هو مقرر في كتابهم إحكام التقرير ـ أنهم يمسكون عن تكفير الكافر الجاحد والمكذب لشرع الله، والمستحل لما حرم الله .. الذي قامت عليه الحجة الشرعية القاطعة، وانتفت عنه جميع موانع التكفير المعتبرة وغير المعتبرة!! ويكتفون بأن يحكموا على فعله أو قوله بأنه كفر من دون أن يحملوا عليه حكم الكفر، احتياطاً وورعاً كما قالوا!!
ومن مأثوراتهم في ذلك قولهم: "فإذا انتفت هذه الاحتمالات كلها ـ وهي جميع موانع التكفير المعتبرة وغير المعتبرة!! ـ عندك فلا يلزم أن تنتفي عند غيرك من المسلمين، فيكفيك أن تحكم على القول أو الفعل أنه كفر احتياطياً وورعاً" فتأمل !!.
ومنها، أن جاهل الشيء كفاقده، ومن السهل عليه أن يقع فيه، فمن كان يجهل الكفر وحدوده يقع فيه وهو أكبر محظور في الشرع، لذا فإن الله تعالى قد فصل الآيات وبين فهيا سبيل المجرمين، وجميع ضروب الشرك والكفر، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ}الأنعام: 55. لكي نجتنبها ونحذرها ونحذر منها ومن أهلها، لا لكي نصعب على الأمة معرفة ذلك ونصوره أنه فوق الطاقة والمستويات!!
ومنها، أن هذا الصعب جداً الذي يشير إليه الشيخ يتنافى مع البيان والتفصيل والوضوح واليسر الذي امتازت به شريعتنا، كما قال تعالى: {الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ}الحجر: 1. وقال: {حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِين}الدخان: 2. وقال {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}القمر: 17. أكثر علوم الدين تيسيراً وبياناً هو التوحيد وبيان ضده حسماً لأعذار المعتذرين، وهذا من تمام حجة الله البالغة على خلقه.
ومنها، أن من لوازم الإيمان وشروطه صحته الكفر بالطاغوت، وهو المراد من النفي الوارد في شهادة التوحيد كما قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ}البقرة: 256. ومن لوزام الكفر بالطاغوت تكفيره واجتنابه، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ}النحل: 36. فكيف يكون مع وجوبه على جميع أفراد الأمة ومع اعتباره من لوازم الإيمان هو صعب جداً لا ينبغي أن يقدم عليه إلا الفحول من علماء الأمة؟!
(7) انظر كيف تقحم قضية "حكام المسلمين" إقحاماً من غير أن يسألوا عنها، ليتكلفوا بعد ذلك الجدال والذود عنهم .. إنها ضريبة الركون إلى الطواغيت لا بد لهم من أن يقدموها طيبة بها أنفسهم!!
(8) ليست القضية من لغو الحديث حتى تعتبر مشغلة للنفس من غير طائل .. وإنما هي قضية تتعلق بالإيمان وبالنزول عند نصوص الشريعة وحمل أحكامها وإنزالها على من يستحقها من المعينين، وبالتالي فهي قضية لا مناص للمسلم التفلت منها، فكما يجب عليه أن يسمي المؤمن مؤمناً ويواليه على ذلك يجب عليه أيضاً أن يسمي الكافر كافراً ويعاديه على ذلك، وهي بذلك قضية تتعلق بالكفر والإيمان.

   
F ¥ E