الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
الإنتصار لأهل التوحيد والرد على من جادل عن الطواغيت
ـ استغلالهم التخويف من التكفير، للذود عن طواغيت الحكم، وتبرير كفرهم:
  ثم أنا أرى، وهذا يوصلنا بطبيعة البحث إلى لفت النظر إلى ما عليه كثير من الشباب المتحمس اليوم من أن يضيع وقته في إطلاق كلمة الكفر على كثير إن لم يقولوا على كل حكام المسلمين، إنهم هؤلاء كلهم كفار، شغلوا أنفسهم بإطلاق هذه الكلمة.
فنحن نقول: إن هؤلاء الذين يكفرون قد يكون فيهم من يصلي مثلاً وقد يكون فيهم من يصوم ومن يحج .. إلخ فهناك ظواهر تدل على إسلامهم وهناك ظواهر أخرى قد تدل على كفرهم، فما ينبغي نحن أن نسارع إلى تغليب الكفر على الإسلام لخطورة التكفير كما ذكرنا آنفاً(1)، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى ما الذي نستفيده نحن اليوم من تشهير سلاح التكفير على الحكام أو على بعض أتباع الحكام(2)، ما دام أننا لا نستطيع أن نعمل شيئاً مما أباحه الرسول -عليه السلام- في مثل الحديث المعروف لما قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلوا" وفي الحديث الآخر: "ما لم تروا كفراً بواحاً" فإذا رأينا الكفر الصريح ونحن لا نستطيع أن نقاتلهم فما الفائدة من إثارة هذا الموضوع(3) سوى تشغيل أنفسنا أولاً بما ليس هو الأهم بالنسبة إلينا كطلبة علم وفقه(4)، وثانياً بما قد يضرنا في حياتنا الإسلامية(5)، إذاً نحن يجب أن نتورع في استعمال كلمة تكفير(6)!!

 

(1) هذا صحيح عندما يقابل الإسلام الصريح كفر يمكن تأويله وصرفه عن ظاهره، وحمله على الكفر الأصغر، لأن من كان إسلامه بيقين لا يخرج منه إلا بكفر يقين والمسألة قد تناولناها بشيء من التفصيل في كتابنا قواعد في التكفير.
وأما إذا قابل السلام الصريح كفر صريح لا يحتل تأويلاً ولا صرفاً كما هو حال طواغيت الحكم الذين تجتمع فيهم خصال الكفر والنفاق والخيانة والخداع فهنا لا مجال ولا مناص إلا الحكم على صاحبه بالكفر والارتداد عن الدين، نزولاً عند حكم الله وإرادته سبحانه لاستحالة اجتماع الكفر والإيمان في قلب امرئ واحد، ولأن الشرك يحبط العمل كلياً ويبطله، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}الأنعام: 88. وقال: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة ِ}آل عمران: 22.
وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب واحد".
(2) تكفير الطواغيت وغيرهم من الكافرين وهو موقف إيماني عقدي لا يمكن تجاوزه، وهو من لوازم عقيدة البراء الواجب على المسلمين نحو الكافرين، وهو من جهة أخرى قد تعبدنا الله به لا مناص منه بغض النظر عن الاستفادة الدنيوية المرجوة منه.
قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}الممتحنة: 4. هذه هي ملة إبراهيم التي أمرنا بإتباعها، والتي لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه كما قال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}البقرة: 13.
ثم إن عدم تكفير طواغيت الكفر وغيرهم من الكافرين يترتب عليه المحاذير التالية:
منها، تعطيل حكم الله فيهم، والله تعالى يقول: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون}المائدة: 44. إذا لا بد من أن نحكم بما أنزل الله فيهم، ونشير إليهم بالحكم الذي أشار الله إليهم فيه، ولا فإن آيات سورة المائدة الثلاث تطالنا، ونقع فيما وقعت فيه يهود من كتمانهم لحكم الله استرضاء لشرفائهم وحكامهم.
ومنها، أن عدم تكفيرهم يعتبر من كتمان العلم الذي أمرنا ببيانه، وبخاصة عندما تتأكد الضرورة للبيان وإظهار الحق، وكاتم العلم في هذه الحالة ـ رهبة أو رغبة ـ يطاله قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}البقرة: 174-175.
ومنها، أن عدم تكفيرهم يترتب عليه إضلال الناس عن حقيقة الطواغيت وكفرهم وجرمهم، وبخاصة إن أظهرناهم كمسلمين وأكسيناهم ثوب الإسلام والإيمان!!
ولا شك أن في ذلك يتحقق من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
ومنها، أن اعتبار تكفير طواغيت الحكم وغيرهم من الكافين هو من ضروب العبث إذ لا فائدة فيه ـ كما صرح بذلك محمد شقرة وأقره عليه الشيخ! ـ هذا يلزمهم أن يقولوا ـ والعياذ بالله ـ أن تكفير النبي -صلى الله عليه وسلم- للطواغيت المعاصرين له وغيرهم م الكافرين بأعيانهم وتسميته لهم بالكافرين كما في سورة "الكافرون" هو أيضاً من العبث!! إذ كانت ظروف المرحلة المكية وظروف شعاب أبي طالب ليست أفضل من حيث القوة والظهور من المرحلة الحالية التي نعيشها، ومع ذلك لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يتوقف عن تكفيرهم وتعييب دينهم وسب آلهتهم.
بل إن من الأنبياء من لم يتبعه من أمته إلا الرجل الواحد، ومع ذلك لم يكن ضعفه هذا يمنعه من التبليغ وبيان حكم الله في الكافرين وما ينتظرهم من العقاب والعذاب، أيجوز أن يقال في صنيع الأنبياء هذا هو من العبث ..؟!!
ومنها، أن عدم تكفيرهم يجعل طواغيت الحكم يزدادون في طغيانهم وغيهم وظلمهم ويتصرفون مع شعوبهم على أن لهم عليه حق الطاعة والانقياد، حيث أن السادة العلماء مشايخ الإرجاء لم يكفروهم وقد حكموا لهم بالإسلام..!!
وإليك أخيراً هذه الكلمات لشيخ التوحيد محمد بن عبد الوهاب عسى الله أن ينفعك بها، حيث يقول: فالله الله يا أخوتي تمسكوا بأصل دينكم، وأوله وآخره وأسه ورأسه شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها، وأحبوها وأحبوا أهلها واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت وعادوهم وابغضوهم، وابغضوهم من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم أو قال: ما علي منهم أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى فقد كلفه الله بهم وافترض عليه الكفر بهم والبراءة منهم ولو كانوا إخوانهم وأولادهم، فالله الله تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم لا تشتركون به شيئاً ا- هـ، عن مجموعة التوحيد، ص 111.
(3) الخروج عليهم بالسيف غير تكفيرهم وإن كان الآخر سبباً للأول، فإذا تحقق العجز عن الخروج فإنه من الميسور تكفيرهم وبيان حكم الله فيهم وتحذير الأمة منهم، والميسور لا يسقط بالمعسور. وقد تقدم أن "التكفير" و مطلب شرعي وموقف عقدي وإيماني لا يمكن تجاوزه.
ثم نسأل الشيخ: ما هو دليلكم الشرعي على ربط التكفير بإمكانية الخروج بحيث إذا انتفت القدرة على الخروج كان من لوازمه انتفاء التفكير، ومن هم سلفكم من علماء الأمة في ذلك؟!!
ثم ها نحن عاجزون عن تطبيق حد الزنى وحد السرقة على الزاني والسارق، فهل ترى ذلك لازماً لنا في أن نبين للناس حكم الله في الزاني والسارق، ونحذر الناس من الزنى والسرقة؟! لا أظن عاقلاً عارفاً لبديهيات الدين يجيب، بنعم! فالتوحيد ومتطلباته أحقُّ وأولى بالبيان، وعدم الكتمان.
(4) أي علم وفقه أهم من التوحيد ومن شهادة أن لا إله إلا الله التي من لوازمها وشروطها ومعناها نفي جميع الآلهة التي تعبد من دون الله ولو في جانب أو مجال من مجالات العبادة الكثيرة، والكفر بها ومعاداتها وبغضها وتكفيرها[1].
ومن غرائب القوم أنهم يشغلون أنفسهم وغيرهم في الفقهيات والرقائق مع علمهم أن الساحة مليئة بالآلهة التي تعبد من دون اله، والناس إلى عباداتهم سراعاً، ومن دون أن يقولوا فيهم كملة واحدة، بينما في الخلافيات والفقهيات والفرعيات تراهم يؤلفون كتباً ومجلدات!!
اشتغلوا بالفرعيات، وتركوا أصل الأصول الذي لا يقبل من دونه عمل ولا يصح بناء، وحاربوا المعاصي الصغرى وغفلوا عن الشرك الأكبر الذي يحبط ويبطل جميع العمل!!
(5) ما الضرر الذي تخشاه يا شيخ! الضرب، السجن، القتل، أصناف الأذى الأخرى، ألم يتعرض إلى ذلك كله خيرة خلق الله في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض ونصر دينه؟!
ثم أين أنت من النصوص الشرعية الكثيرة التي تبين أن المؤمن مبتلى، وهو يبتلى على قدر دينه، وأن أشد الناس بلاءً هم الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ..؟!
ثم أين أنت من سيد الشهداء، حمزة، ورجل قام يصدع بالحق في وجوه الطغاة الآثمين، فقتلوه ..؟!
أم أنك تطمع أن ينصر هذا الدين من غير بذلك وعطاء، وتضحية ونصب وقتل وقتال؟!
صدق الله العظيم: {وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ}محمد: 4.
ورحم الله ابن القيم إذ يقول: يا مخنث العزم أين أنت والطريق: طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، واضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بعض سنين، ونشر بالمنشار زكريا وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرب أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد -صلى الله عليه وسلم- ـ تزهى أنت باللهو واللعب؟!! ا- هـ، الفوائد، ص 42.
وإني لأعلم يا شيخ أنك تقول والقاعدين من حولك انظروا هذا واحد من المتهورين الذين نحذر الأمة من أن يسلكوا مسلكهم..!
ولا يسعنا هنا سوى أن نقول لكم باختصار: إذا كان الأنبياء ومن سار على طريقهم من العلماء العاملين متهورين، وطريقهم الشاق يعني عندكم التهور، فنحن أول المتهورين، ونعشق التهور، ونستشرف له ..!!
(6) تتورع في مواضع تستلزم الورع والتوقف، أما في مواضع الكفر البواح فالتورع عن التكفير هو ورع بارد لا محل له في شرع الله، وهو من تلبيسات إبليس على القوم. ولقد وجدنا من ورعهم البارد أنهم يتوقفون عن تكفير اليهود والنصارى، وقالوا: حتى تقوم عليهم الحجة..!!
 


[1] لا يجري ذلك على من يعبد من دون الله كالأنبياء والصالحين وغيرهم ممن لا يرضى بذلك.

   
F ¥ E