الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
الإنتصار لأهل التوحيد والرد على من جادل عن الطواغيت
ـ للتكفير ضوابط شرعية لا تخضع للمنهج والهوى والتقلبات
  ومن أجل التحذير من فعلة هؤلاء الذي يريد أولئك أن يصدروا عليهم أحكام الكفر، نكتفي بأنهم ضالون(1)، وأنهم قد حادوا على أحكام الشريعة في كثير منها أو في قليل، هذا يكفينا أن نقول أن هذا هو الضلال المبين، أما فلان كافر وفلان كافر، ومن قال كذا فقد كفر(2) ..الخ؟!
على هذا نحن نقول بالنسبة لذلك السؤال(3) أن من صدر منه كملة الكفر فهو معروف عند المسلمين أنه يستتاب(4).
فإن تاب فهذا يدل على أنه لم يكن قاصداً لكلمة الكفر(5)!!، وإن أصر على ذلك قتل قتل ردة وكفر ولا يدفن في مقابر المسلمين(6)!
مسألة الكفر الحقيقية مسألة خطيرة جداً(7)، وهنا أذكر الحديث وأنهي الجواب على هذا السؤال، الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: كان في من قبلكم رجل لم يعمل خيراً قط فلما حضرته الوفاة، جمع بنيه حوله، فقال لهم: أي أبٍ كنت لكم؟ قالوا خير أب، قال ـ وهنا الشاهد ـ: ألا إن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً، وهذا هو الكفر، شك في قدرة الله -عز وجل- أن يتمكن من تعذيب هذا المجرم الذي لم يعمل في حياته خيراً قط، ولتكملة هذه الكفرية ماذا أوصى، قال: فإذا أنا مت فحرقوني بالنار ثم خذوا، ثم ذروا الرماد نصفه في البحر ونصفه في الريح، لماذا في زعمه؟ ليضل عن ربه! الشاهد: فلما مات حرقوه بالنار وأخذوا الرماد، نصفه في الريح الهائج ونصفه الثاني في البحر المائج، فقال الله لذراته هذه كوني فلاناً، فكان فلاناً، أي عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك قال: قد غفرت لك.
هنا الآن نأتي إلى قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}.
هذا أشرك وقد يقول بعضكم لا هذا ما أشرك، هذا كفر، فأقول في مثل هذه المناسبة: أن الشرك والكفر في لغة الشرع لفظان مترادفان، فكل من كفر فقد أشرك، ومن أشرك فقد كفر، الشاهد أن هذا الرجل حينما ظهر منه أنه ينكر قدرة الله على جمعه وعلى بعثه ثم على تعذيبه بناء على أنه لم يعمل خيراً قط، لما ظهر منه هذا، هذا كفر، إذاً ما جوابنا عن قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}، وهذا كفره ومع ذلك قد غفره؟!
الجواب: إنه كفر لم يكن مقصوداً في القلب!! لم يكن معقوداً في القلب!! وإنما من خوفه من ربه تبارك وتعالى على ما جنت يداه من المعاصي والآثام أوصى بمثل هذه الوصية الجائرة التي لم تقع مثلها في تاريخ الدنيا كلها. إذاً قد غفر الله له معصيته بل وكفره لأنه لم يكن كفراً معقوداً(8)!!
لأن هذا الرجل حينما قال هذه الكلمة وحينما أوصى بتلك الوصية إنها كفر وإنها ضلال، لكننا نقول ليس كل من وقع في الكفر وقع الكُفر
عليه(9).
هذه حقيقة يجب أن نستحضرها حتى ما نكون من الخوارج الذين يبالغون في تكفير المسلمين بسبب ارتكابهم لبعض الذنوب والمعاصي، وإن كان بحثنا ليس في الذنب والمعصية وإنما هو في الكفر، لكننا نفرق بين الكفر المقصود قلباً وبين الكفر الذي لم يقصد قلباً، وإنما قالباً وفعلاً(10)!! هذا ما أردت التذكير به.

 

(1) المسألة ليست خاضعة للمزاج وللهوى، بحيث نكتفي بما نشاء ونرد ما نشاء، فإذا كان حكمهم في شرع الله الكفر لا يجوز أن نكتفي بما هو دون الكفر، وإنما يجب أن نحمل عليهم حكم الله الذي يستحقونه من غير جنوح إلى إفراط أو تفريط.
(2) فهذا أمرٌ الظاهر أن الشيخ لا يقره ولا يقول به، ومفاده أن قول الكفر لا يكون كفراً عنده إلا إذا صمَّ له انعقاد القلب على الكفر، فيكون الكفر لانعقاد القلب عليه وليس لمجرد القول، وهذا قول جهم في الإيمان وهو معارض لنصوص الشريعة لإجماع علماء الأمة الذين يقولون: الإيمان اعتقاد وقول وعمل.
قال تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}المائدة: 17. وقال تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}مريم: 73. وقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ}المائدة: 64. فهذا نص أنهم لعنوا وكفروا بما قالوا وليس بما يعتقدون.
وقال تعالى: {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ}، قال ابن حزم: فصح أن الكفر يكون كلاماً ا- هـ.
وغيرها كثير من النصوص سنأتي على ذكرها وذكر أقوال العلماء فيها عند الحديث على شبهة انشراح الصدر التي يتعلق بها جهمية العصر من غير حجة ولا دليل، وبفهم لم يسبقهم إليها لا جهم ومن تابعه من الأغبرين!
(3) وهو الذي يتعلق بحكم شاتم الله والرسول.
(3) هذا ليس على إطلاقه، فإن ابن تيمية وغيره من أهل العلم قد نقلوا الإجماع على وجوب قتل شاتم الرسول -صلى الله عليه وسلم- من غير أن يستتاب، وأنه كما يقتل على الكفر والارتداد فإنه حد من الحدود لا يمكن إسقاطه، إذ حد الأنبياء ليس يشبه الحدود.
قال ابن تيمية رحمه الله في كتابه "الصارم": أن قتل ساب النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن كان قتل كافر، فهو حد من الحدود ليس قتلاً على مجرد الكفر والحراب، لما تقدم من الأحاديث الدالة على أنه جناية زائدة على مجرد الكفر والمحاربة، ومن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه أمروا فيه بالقتل عيناً .. وقد ثبت أن حده القتل بالسنة والإجماع ا- هـ.
وكذلك الزنديق، ومن يتكرر شمته وردته، ويُعرف بتهاونه وقلة مبالاته بالإسلام، فإنه يقتل ولا يستتاب.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً}النساء: 137، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ}آل عمران: 90.
قال ابن تيمية: أخبر سبحانه أن من ازداد كفراً بعد إيمانه لن تقبل توبته، وفرق بين الكفر المزيد كفراً والكفر المجرد في قبول التوبة من الثاني دون الأول، فمن زعم أن كل كفر بعد الإيمان تقبل منه التوبة فقد خالف نص القرآن ا- هـ، الصارم، ص 368.
وفي منار السبيل لابن ضويان (2/409): لا تقبل توبة من تكررت ردته لأن تكرار ردته يدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته بالإسلام ا- هـ.
وقال القاضي عياض: من تكرر منه ذلك ـ أي شتمه لله ـ وعرف استهانته بما أتى به، فهو دليل على سوء طويته، وكذب توبته، وصار كالزنديق الذي لا نأمن باطنه، ولا نقبل رجوعه ا- هـ. الشفا، ص 631.
(5) مفاد هذا الكلام أن قبل الاستتابة لا يحكم على المرء بالكفر والارتداد إذ لا يُعرف قصده وباطنه، وإنما يُعرف قصده وباطنه من خلال الاستتابة فإن تاب دل أن قصده وباطنه سليم وبالتالي لم يكفر بما أظهر من الكفر، وأما إن لم يتب وآثر القتل على التوبة فحينها يعرف قصده وباطنه الفاسد وبالتالي نحكم عليه بالكفر والارتداد بما عرفنا من فساد باطنه لا بما أظهر من الكفر!!
وهذا القول باطل من أوجه:
منها، أن هذا القول محدث لا دليل عليه من الكتاب والسنة، ولم يُسبق إليه ـ الشيخ ـ من سلف معتبر ..!!
ومنها، أن أدلة الكتاب والسنة بخلافه، إذ دلت أن المرتد يستتاب وأن الاستتابة تكون من الردة والكفر وليس فقط من الخطأ المجرد عن الكفر، وأن الاستتابة لا تستلزم أن لا يحكم على المستتاب بالردة قبل الاستتابة.
قال تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ}، إلى قوله: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ}التوبة: 5.
قال ابن تيمية: فإن هذا الخطاب عام في قتال كل مشرك وتخلية سبيله إذا تاب من شركه، وأقام الصلاة وآتى الزكاة سواء كانت مشركاً أصلياً أو مشركاً مرتداً ا- هـ.
وروى عن الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس أن رجلاً من الأنصار ارتد عن الإسلام ولحق المشركين فأنزل الله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} إلى قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم}. فبعث بها قومه إليه، فرجع تائباً، فقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك منه وخلى عنه.
وعن عبد الله بن عتبة قال: أخذ ابن مسعود قوماً ارتدوا عن الإسلام من أهل العراق، قال: فكتب فيهم إلى عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فكتب إليه أن أعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن قبلوا فخل عنهم، وإن لم يقبلوا فاقتلهم، فقبله بعضهم فتركه، ولم يقبلها بعضهم فقتله، قال ابن تيمية في الصارم: رواه أحمد بسند صحيح.
وعن محمد بن عبد الله بن عبد القاري قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى الأشعري، فسأله عن الناس فأخبره ثم قال: هل مُغْرِبَة خبر؟ قال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، قال عمر: فهلا جبستموه ثلاثاً، وأطعتموه كل يوم رغيفاً، واستتبتموه لعله يتوب ويرجع إلى أمر الله اللهم إني لم أحضر ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني.
قال القاضي عياض: ذهب جمهور أهل العلم إلى ن المرتد يستتاب، وحكى ابن القصار: أنه إجماع من الصحابة على تصويب قول عمر في الاستتابة، ولم ينكره واحد منهم، وهو قول عثمان، وعلي، وابن مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رباح، والنخعي، والثوري، ومالك وأصحابه، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحق، وأصحاب الرأي ا- هـ، الشفا (2/556).
فهذه نصوص كلها دلت على أن المرتد يستتاب وأن الاستتابة لا تمنع من الحكم على المستتاب بالردة والكفر قبل استتابته.
ومنها، أن الغاية من الاستتابة ـ عند الشيخ ـ هو تحري الباطن ومعرفة ما في القلب، وليس الإقلاع عن الكفر الظاهر، لأن الحكم مرتب على ما وقر في القصد والباطن وليس على ما أظهر من الكفر، وهذا مناقض لقاعدة اعتبار الظاهر في الكفر والإيمان التي تقدم الحديث عنها!!
ومنها، أن الاستتابة تكون من شيء، وهذا الذي يستتاب إذا لم يكن كافراً مرتداً فعلام يستتاب ومما يستتاب؟! ولا يختلطن على القارئ الفارق بين قيام الحجة وبين الاستتابة إذ الفارق بينهما واضح إلى حد لا يقبل التلبيس والتضليل.
ومنها، أن هذا القول مفاده الإمساك عن تكفير الأعيان، لأن التكفير يشترط له الاستتابة التي تعرفنا على حقيقة الباطن وما وقر في القلب، وكوننا في مرحلة لا نملك فيها القدرة على استتابة الناس فهذا يستلزم الإمساك عن تكفير أحد منهم ..!!
ومنها، أن هذا القول هو تقعيد وتأصيل لعقيدة جهم في الإيمان الذي حصر الكفر في الاعتقاد القلبي وجحوده، وربما جهم نفسه لم ينتبه إلى هذه اللفتات والإشارات التي يشير إليها الشيخ!!
وإلا فبربك قل لي: أترى جهماً ذاته يرى توبة التائب دليلاً على انتفاء قصد الكفر وإرادته في القلب ..؟!
وقد تقدمت الأدلة أن من المرتدين من تابوا بعد أن قصدوا الكفر وأرادوه في الظاهر والباطن وقبلت توبتهم، أيجوز أن نخالف هذه النصوص ونقول: هؤلاء لمجرد توبتهم أنهم لم يقصدوا الكفر في قلوبهم، وبالتالي لا يجوز أن نحكم عليهم بالكفر والردة قبل توبتهم واستتابتهم؟!!
(6) لأن إصراره وإيثاره للقتل على التوبة دليل على قصد الكفر في القلب، فمدار الكفر عند الشيخ كجهم: هو اعتقاد القلب وحسب ..!!
(7) وكذلك مسألة عدم تكفير الكافر خطيرة جداً، فعلام دائماً تضربون على وتر التخويف من التكفير، ثم تغضون الطرف، بل وتعمون العين ـ رهبة أو رغبة ـ عن خطورة عدم تكفير الكافر..؟!
(8) التعليل أن الرجل قد غفر له لان كفره لم يكن معقوداً أو مقصوداً في القلب، هو من غرائب جهمية العصر وشذوذاتهم التي تفردوا بها دون سائر علماء الأمة، وهو كلام باطل وذلك من أوجه:
منها، أن الرجل كان قاصداً ومريداً لما حصل له، وقد بلغ به الأمر أن استوثق من أولاده وأخذ عليهم عهداً على أن يفعلوا به ما وصاهم به، وإذا لم يكن هذا هو عين القصد فماذا يكون..؟!
ومنها، أن العلماء قد نصوا أن الرجل عذر لجهله بما يستحقه الله سبحانه من الصفات، وليس بسبب عدم قصده الكفر!
قال ابن تيمية في الفتاوى (11/49-411): فغاية ما في هذا أنه كان رجلاً لم يكن عالماً بجميع ما يستحقه الله من الصفات، وبتفصيل أنه القادر، وكثير من المؤمنين قد يجهل مثل ذلك فلا يكون كافراً ا- هـ.
وغيرهم كثير من العلماء الذين نصوا على أن عذر الرجل كان الجهل وليس عدم قصد الكفر، بل إن ابن القيم قد أشار إلى جحود الرجل لصفات الله، ومع ذلك فالذي منع تكفيره هو الجهل الذي لا يمكن دفعه.
ومنها، أن انتفاء اعتقاد الكفر في القلب، لا يعتبر مانعاً من موانع التكفير إلا عند جهم ومن تابعه على اعتقاد، الذي حصر الإيمان في الاعتقاد القلبي فكان لازماً له أن يحصر الكفر في الاعتقاد القلبي!!
ومنها، أن رغم إصرار هذا الرجل على ما فعل، وتصريحه بلسانه عما يعتقد في الله من جحود لصفاته، فإن ذلك كله لا يعتبر دليلاً ـ عند الشيخ ـ على قصد الكفر في القلب ..!!
مما دل أن قصد الكفر في القلب لا يكون ـ عند الشيخ ومن تابعه من جهمية العصر ـ إلا بعد أن يصرح صاحبه بعظمة لسانه صراحة وجهاراً أنه قاصد للكفر في قلبه، وأنه يعتقده ويستحله، وإلا فإن ساحة التأويل تسعة مهما ظهر منه من كفر وإعراض عناد ..!
وهذا يلزم جهمية العصر أن يمسكوا عن تكفير إبليس اللعين وكثير من الطغاة الذين شهدوا لهم القرآن بالكفر، لانتفاء عنهم ما اشترطوه لتكفير العمين ..!!
ومنها، أن هذا التعليل من الشيخ هو في حقيقته انتصار وتقعيد لقول جهم في الإيمان، علم الشيخ بذلك أم لم يعلم .. نسأل الله تعالى الثبات وحسن الختام.
(9) هذه القاعدة صحيحة دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، وقد تناولناها في كتابنا قواعد في التكفير، ولكن هذه القاعدة وغيرها من القواعد والإطلاقات قد فسرت تفسيراً خاطئاً، وحُمِّلت ما لا تحتملن واستغلت أسوأ استغلال من قبل جهمية العصر، حيث جعلوها مانعاً من تكفير أي معين ومهما كان كفره بواحاً، واستشهدوا بها ـ بغير دليل ـ على إحقاق قواعدهم وشذوذاتهم ..!!
لذا فإننا نجد أنفسنا مضطرين إلى بيان الضابط الشرعي لهذه القاعدة، ليحسن استعمالها وإنزالها في منزلها الصحيح من غير جنوح إلى إفراط أو تفريط، فأقول: هذه القاعدة أطلقت لاحتمال وجود موانع تمنع من لحوق الوعيد أو التكفير بالمعين، وجميع هذه الموانع ـ كما بينها أهل العلم ـ مشتركة في صفة تحقيق العجز عند صاحبها عن إدراك مراد الشارع فيما قد وقع فهي من المخالفة أو الكفر، وبالتالي فإن أي مانع يثار من هنا أو هناك لا تتوف فيه تحقيق صفة العجز عند صاحبه عن معرفة الحق وإدراك الخطاب الشرعي فيما قد وقع فيه، لا يعتبر مانعاً يمنع من لحوق التكفير بالمعين، لأن مدار العذر كله ـ كما بينا من قبل ـ هو وجود العجز الذي لا يمكن دفعه، والذي يرفع عن صاحبه التكليف والمساءلة. ومنه يعمل بداهة بطلان وفساد قول جهمية العصر أن عدم استحلال الكفر واعتقاده في القلب يعتبر مانعاً من موانع تكفير المعين..!!
وعليه فإننا نقول: إن هذه القاعدة تستخدم في المواضع والحالات التي يرجع فيها الظن وجود موانع تمنع من لحوق الوعيد أو التكفير بالمعين، أما في حال انعدام موانع التكفير المعتبرة شرعاً لا يجوز استخدام هذه القاعدة، واستخدامها في هذه الحالة يعتبر من التلبيس والإرجاء المحض.
(10) مفهوم كلام الشيخ:أن الذي يكفر قالباً وظاهراً وبالفعل لا يكون كافراً، وكفره الظاهر البواح لا يمنع من أن يكون باطنه لا يزال على الإيمان، وهو يميز عمن يقصد الكفر ويعتقده في قلبه، إذ هو الكافر فقط!!
وهذا كلام فاسد باطل من أوجه:
منها، معارضته للقاعدة الشرعية الصحيحة التي تنص على اعتبار الظاهر في الكفر والإيمان، واجتناب شق البطون وتتبع معرفة ما في القلوب، وقد تقدم الحديث عنها.
ومنها، إنه يتضمن رد للنصوص الشرعية التي دلت على علاقة الظاهر بالباطن وأثر كل منهما على الآخر، وأن فساد الظاهر من فساد الباطن والقلب، وعلى قدر فساد القلب يكون الظاهر فاسداً، والعكس أيضاً، كما في الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة ـ وفي رواية إذا أذنب ذنباً ـ نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُون}. صحيح سنن الترمذي: (2654).
وغيرها كثير من النصوص التي تدل على العلاقة العكسية بين الظاهر والباطن، قال ابن تيمية في الفتاوى (14/120-121): وهنا أصول تنازع الناس فيها، ومنها أن القلب هل يقوم به تصديق أو تكذيب ولا يظهر قط منه شيء على اللسان والجوارح، وإنما يظهر نقيضه من غير خوف؟ فالذي عليه السلف والأئمة وجمهور الناس أنه لا بد من ظهور موجب ذلك على الجوارح، فمن قال:أنه يصدق الرسول ويحبه ويعظمه بقلبه ولم يتكلم قط بالإسلام ولا فعل شيئاً من واجباته بلا خوفن فهذا لا يكون مؤمناً في الباطن، وإنما هو كافر.
وزعم جهم ومن وافقه أن يكون مؤمناً في الباطن وأن مجرد معرفة القلب وتصديقه يكون إيماناً يوجب الثواب يوم القيام بلا قول ولا عمل ظاهر، وهذا باطل شرعاً وعقلاً، وقد كفر السلف كوكيع وأحمد وغيرهما من يقول بهذا القول، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"، فبين أن صلاح القلب مستلزم لصلاح الجسد، فإذا كان الجسد غير صالح دل على أن القلب غير صالح، والقلب المؤمن صالح، فعلم أن من يتكلم بالإيمان ولا يعمل به لا يكون قلبه مؤمناً. وذلك أن الجسد تابع للقلب فلا يستقر شيء في القلب إلا ظهر موجبه ومقتضاه على البدن ولو بوجه من الوجوه ا- هـ.
تأمل كيف عد القول الذي تقدم للشيخ ناصر هو نفس قول جهم ومن وافقه في الاعتقاد في الإيمان. ثم تأمل كذلك كيف نقل قول السلف في تكفير من يقول بهذا القول!
ومنها، أن قول الشيخ هذا هو تأصيل وتقعيد لقول جهم في الإيمان، القائل أن الإيمان محصور في الاعتقاد القلبي والمعرفة القلبية دون سائر جوارح الجسد.
روى أبو بكر الخلال بسنده أن حمدان بن علي الوراق حدثهم قال: سألت أحمد وذكر عنده المرجئة، فقلت له: إنهم يقولون إذا عرف الرجل ربه بقلبه فهو مؤمن فقال: المرجئة لا تقول هذا بل الجهمية[1] تقول بهذا، المرجئة تقول حتى يتكلم بلسانه وإن لم تعمل جوارحه، والجهمية تقول: إذا عرف ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه، وهذا كفر!، إبليس قد عرف ربه فقال: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} ا- هـ، المسائل والرسائل في العقيدة: (1/73).
ومنها، أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الكافر ما دام يزعم التصديق في قلبه، وبخاصة أن الشيخ لم يجعل الكفر البواح الظاهر قالباً وفعلاً دليلاً على كفر الباطن..! وعليه فإنه لا يمكننا من تكفير أحد بعينه!!
 


[1] الجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان من أهل خراسان، قتله سلم بن أحوز أمير خراسان لمذهبه الباطل، قال الذهبي عنه في ميزان الاعتدال 1/426: الضال المبتدع رأس الجهمية، هلك في زمان صغار التابعين وما علمته روى شيئاً، لكنه زرع شراً عظيماً. ا- هـ.

   
F ¥ E