الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
الإنتصار لأهل التوحيد والرد على من جادل عن الطواغيت
ـ في الحاكم بغير ما أنزل الله وحكم الشرع فيه
  ـ سائل: بالنسبة للإجماع الذي نقله ابن كثير في البداية والنهاية أن من حكم بالياسق فهو كافر بإجماع المسلمين(1)، وأيضاً ـ يا شيخنا ـ كما يقول محمد بن عبد الوهاب، الطواغيت خمسة(2): وذكر منهم الحاكم الجائر المغير لأحكام الله، وذكر الحاكم بغير ما أنزل الله(3).
وكما نعرف أن الكفر بالطاغوت الركن الثاني من أركان التوحيد(4)، لأن الله -عز وجل- قال: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}، فالكفر بالطاغوت هو الركن الثاني من أركان الإيمان. فإذا قلنا أن الإجماع قد انعقد على كفر المستبدل لشرع الله -عز وجل-، فينبغي أن أقيم هذه العقيدة، وأقيم دولة الإسلام ـ كما سمعنا منكم ـ في قلبي، فأنا لا ينبغي أن اعتقد بهذا في قلبي(5)! وخاصة أن علماء المسلمين ـ أكثر من عالم ـ نقلوا الإجماع على كفر الحاكم المستبدل، ومنهم: محمود شاكر، وعمر الأشقر، تقريباً ست علماء نقلوا الإجماع في هذه المسألة(6).

 

(1) قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون}:
ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجل بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم "الياسق" وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظرة وهواه فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير. ا- هـ.
قلت: الدساتير والقوانين الوضعية السائدة في أمصار المسلمين اليوم لهي أشد كفراً وخطراً من ياسق التتار الذي أشار إلى كفره وكفر أتباعه أهل العلم من قبل. ثم تأمل قول ابن كثير "فمن فعل ذلك فهو كافر"ن حيث لم يقل فمن يعتقد ذلك فهو كافر، مما دلَّ أن مجرد فعل هذا الشيء من التبديل لشرع الله بشرائع الجاهلية هو كفر وخروج من الإسلام، بخلاف ما عليه جهمية العصر الذين يحصرون الكفر دائماً في الاعتقاد والقلب حسب!
(2) الطاغوت: هو كل من جعل نفسه نداً لله تعالى في شيء من خصائصه، وعُبد من دون الله ولو في وجه أو مجال من مجالات العبادة. والذي أثر ونقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أنه قال: الطواغيت كثيرة، ورؤوسهم خمسة، وَعدَّ منهم الحاكم بغير ما أنزل الله.
(3) فإن قيل: الطاغوت هو الذي يعبد من دون الله تعالى. فأين تكمن عبادة الحاكم بغير ما أنزل الله؟
والجواب: أن عبادته تكمن من جهة طاعته والانقياد إليه فيما قد حكم به بغير سلطان من الله، كما قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} وقال: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُون} وذلك بالاعتراف لهم بخاصية الحكم على الأشياء من دون الله تعالى. واعلم أن الشرك إذا أطلق في نصوص الشريعة يكون لنوع عبادة تصرف للمخلوق من دون الله، فحيثما يوجد الشرك توجد عبادة المخلوق لا محالة.
وهو كذلك يعبد من جهة الاعتراف له بخاصية الحكم لذاته، وهي خاصية تعتبر من أخص خصائص الله تعالى التي تفرد بها دون سائر خلقه، كما قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ}يوسف: 40. وقال: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}الكهف: 26.
(4) بل هو الركن الأول من أركان التوحيد، بدلالة أمرين: أولهما أن النصوص الشرعية قدمت الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله تعالى، كما في قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}البقرة: 256. وكما في شهادة التوحيد (لا إله إلا الله) فجانب النفي المتضمن الكفر بالطاغوت مقدم على جانب الإثبات المتضمن الإيمان بالله تعالى.
أما الثاني وهو الأهم: أن تقديم الإيمان وغيره من الأعمال الصالحة على الكفر بالطاغوت لا ينفع صاحبه في شيء، فإن المؤمن بالله والمؤمن بالطاغوت مثله كمن يأتي بالشيء وضده في آن واحد، وبالتالي فإن صاحبه لا ينتفع من إيمانه ولا بشيء من الأعمال الصالحة إلا بعد الكفر بالطاغوت، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون}الأنعام: 88. وقال: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّة}المائدة: 72. ولا تحرم الجنة على مؤمن عنده من الإيمان والعمل ما ينفعه.
فدل أنه لا بد من أن يتقدم الإيمان بالله الكفر بالطاغوت واجتناب جميع أنواع الشرك كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ}الزمر: 17. فتأمل كيف قدم اجتناب الطاغوت على الإنابة إلى الله تعالى، وذلك للحكمة الآنفة الذكر والله تعالى أعلم.
(5) كلام غامض ومقتضب وغير مناسب، ظاهر فيه إشكال ..؟!
(6) نذكر من هؤلاء العلماء وما قالوه في المسألة:
1- ابن تيمية في الفتاوى: في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوت}المائدة: 60.
قال: في هذه الآيات أنواع من العبر من الدلالة على ضلال من يحاكم إلى غير الكتاب والسنة، وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع الاعتبار.
وقال: فثبت بالكتاب والسنة إجماع الأمة، أنه يقاتل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين .. فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخل في طاعة الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله، ومن علم في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض فساداً..
ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ[1] ابتاع غير دين الإسلام، أو إتباع شريعة غير شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-، فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب..
وقال: فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزله الله فهو كافر، فإن ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله، كسواليف البادية، ويرون أن هذا الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر. ا- هـ.
2- أحمد شاكر في عمدة التفسير:
قال معلقاً على كلام ابن كثير السابق في الياسق: أفيجوز مع هذا في شرع الله أن يحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربة الوثنية الملحدة، بل تشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة يغيرونه ويبدلونه كما يشاءون، لا يبالي واضعه وافق شرعة الإسلام أم خالفها..؟!
إن في الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح لإخفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام ـ كأننا من كان ـ في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها.
أفيجوز مع هذا لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين، أعني التشريع الجديد؟! أويجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل الياسق العصري، وأن يعمل به ويعرض عن شريعته البينة؟! ا- هـ.
3- محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ في رسالته تحكيم القوانين: بعد أن عد بعض الأنواع لكفر الحاكم بغير ما أنزل الله كفراً أكبر مخرجاً عن الملة، عد النوع الخامس فقال: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً، ومراجع ومستندات، فكما للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فلهذه المحاكم مراجع، هي: القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأميركي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك.
فهذه المحاكم في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون وتلزمهم به، وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقصة ا- هـ.
4- الشنقيطي:
قال في أضواء البيان: أما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض، فتحيكم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السماوات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها -سبحانه وتعالى- عن أن يكون معه مشرع آخر علواً كبيراً {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّه}.
ويفهم من هذه الآيات كقوله: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرع اله أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء مبيناً في آيات أخر..
ومن أصرح الأدلة في هذا أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب، وذلك في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا}.
وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله -صلى الله عليه وسلم-: أنه لا يشك في كفرهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم ا- هـ.
5- عبد العزيز بن باز في رسالته وجوب تحكيم شرع الله:
قال: ولا إيمان لمن اعتقد أن أحكام الناس وآراءهم خير من حكم الله ورسوله، أو تماثلها وتشابهها، أو تركها وأحل محلها الأحكام الوضعية والأنظمة البشرية، وإن كان معتقداً أن أحكام الله خير وأكمل وأعدل ا- هـ.
6- محمد حامد الفقي في حاشية فتح المجيد:
قال في تعليقه على "ياسق" التتار: ومثل هذا وشر منه، من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمى به، ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام والحج ونحوها. ا- هـ.
وغيرهم كثير من أهل العلم الذين نصوا على كفر الحاكم المستبدل لشرع الله بشرائع مصادرها أهواء البشر، ولولا خشية الإطالة لذكرنا أقوالهم جميعها، ولكن فيما تقدم إشارة كافية لمن أراد الحق وتجرد عن هواه، أو ألقى السمع وهو شهيد.
 


[1] ومن المعلوم أن طواغيت الحكم في العصر الحاضر لم يقفوا عند حد التسويغ لغير شرع الله، بل تجاوزه إلى حد تحسينه وفرضه على الأمة ومحاربة كل من يتنكب عن التحاكم إليه ويطالبهم بالحكم بما أنزل الله.. ومع ذلك فجهمية العصر لا يكفرونهم على اعتبار أنهم لم يأتوا بما يدل على انعقاد الكفر في القلب ..!!

   
F ¥ E