الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
الإنتصار لأهل التوحيد والرد على من جادل عن الطواغيت
ـ فهمهم الخاطئ للكفر العملي، والرد عليهم
  ـ الشيخ ناصر: إذاً رجع إلى الكفر الإعتقادي بارك الله فيك(1).. الكفر العملي فيما يبدو ـ ولا تؤاخذاني مهما وإن كنت أحاول أن ألطف العبارة ـ لم يتبين لك بعد الفرق بين الكفر الإعتقادي والكفر العملي ليتبين لك ثمرة هذا الاختلاف بين الكفر الإعتقادي والكفر العملي. الكفر العملي عمل يصدر من المسلم هو عمل الكفار، لكن هذا العمل الذي يصدر من المسلم هو مشابه لذاك العمل الذي يصدر من الكافر من جهة، أي من حيث العمل، لكنه يختلف من جهة أخرى عن ذلك العمل الذي يصدر من الكافر مقرون بالكفر الإعتقادي، أما هذا المسلم ـ هنا يظهر الفرق والثمرة بين الكفرين ـ هذا المسلم إن صدر منه كفر عملي وأيضاً مقترن معه كفر اعتقادي ككفر الكافر هو كفر ردة لا إشكال فيه، أما إذا لم يخرج منه ما يدل على أنه قد اقترن بكفر العملي كفر اعتقادي، حينئذ لا يكون كفراً إعتقادياً، لأن الكفر الإعتقادي يختلف عن الكفر العملي من حيث أنه كفر قلبي، أما الكفر العملي ليس كفراً قلبياً وإنما هو كفر عملي(2)!!
خذ مثلاً: الحديث الصحيح المتفق عليه، ألا وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" قتال المسلم لأخيه المسلم كفر، الآن أسألك: مسلم يقاتل مسلماً هل كفر بهذه المقاتلة(3)؟
ـ سامي: لا يكفر، لأنه كفر أصغر ..(4).
ـ الشيخ ناصر: يا أخي ـ بارك الله فيك ـ خير الكلام ما قل ودل(5)، طيب هذا كفر، أنت الآن تسميه كفراً أصغر، أنا أسميه كفراً عملي، فما الفرق بيني وبينك(6)؟
الآن نحن نقول: هذا كفر عملي، لماذا لأنه عمل عمل الكفار(7)، الكفار من طبيعتهم كما هو مشاهد دائماً وأبداً أن بعضهم يقاتل بعضاً، وقد أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هذه الحقيقة التي تساعدنا نحن عليك وعلى تأويلك بأن هذا الكفر كفر أصغر(8)!. يساعدنا أنه كفر كفراً عملياً، قوله -عليه السلام- في حجة الوداع، كما جاء في صحيح البخاري من حديث جرير بن عبد الله البجلي، قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: استنهض لي الناس، فخطبهم عليه الصلاة والسلام، فقال: "لا ترجعوا بعدي كفاراً بضرب بعضكم رقاب بعض"، كلمة يضرب بعضكم رقاب بعض هذا لا شك عمل، وهو تفسير لقوله -عليه السلام- من قبل "لا ترجعوا بعدي كفاراً، كيف؟ يضرب بعضكم رقاب بعض(9).
إذاً هذا كفر عملي، سباب السلم فسوق وقتاله كفر، فهو لا يخرج عن الملة(10)، ولكن إذا اقترن مع قتال المسلم لأخيه المسلم استحلال دمه قلباً وهو يعتقد أنه مسلم، حينئذ يتحول الكفر العملي إلى الكفر الإعتقادي(11).

 

(1) واضح أن الشيخ يحصر الكفر في الكفر الإعتقادي القلبي!! وأن الكفر العملي الذي يسأل عنه هو كل كفر مهما بلغت درجته ونوعيته لا يرتبط بالاعتقاد أو الاستحلال القلبي!! وهذا كله عائد لفساده تصوره واعتقاده في الإيمان والكفر المطابق لاعتقاد جهم وأتباعه.
(2) هذا الكلام باطل من وجوه:
أولاً: أنه كلام محدث وغريب على الدين، وليس للشيخ فيه سلف إلا جهم وأتباعه الذين حصروا الكفر في الاستحلال أو التكذيب القلبي!
ثانياً: فإننا نقول: الكفار يقاتلون الأنبياء ويشتمونهم ويعادونهم بالفعل وعن اعتقاد، والمسلم الذي يشابه الكفار في قتال الأنبياء وشتمهم وعداوتهم بالفعل دون الاعتقاد، لا يكون هذا عندكم كافراً، لكونه شابه الكفار بالفعل دون الإعتقاد ..؟!!
ثم إن الكفار يسجدون للأصنام وللقبور، ويتقربون إليها بالنذر والذبح وغير ذلك من مجالات العبادة الظاهرة، ويعلقون الصليب، ويقولون إن الله ثالث ثلاثة وغير ذلك من أنواع الكفر، ويأتون كل ذلك بالفعل وعن اعتقاد، والمسلم الذي يشابههم في جميع ما تقدم بالفعل دون الاعتقاد، لا يكون هذا عندكم كافراً لكونه شابه الكفار بالفعل دون الاعتقاد ..؟!
فإن أجبتم بالنفي؛ أي أنه ليس كافراً لكونه يأتي بأفعال الكفار مجردة عن الاعتقاد ـ وهذا الذي يدل عليه المنطوق والمفهوم من كلامك المتقدم ـ فلا تلومن قائلاً يقول عنك: أنك جهمي جلد في الإيمان ومسائل التكفير، ولعل الصواب أن يقال: أنك سبقت جهماً سبقاً بعيداً في مسائل الإيمان والوعد والوعيد بحكم ما أوتيت من علم ودراية بالسنة والحديث النبوي الشريف ـ تسخره للانتصار لقول جهم في الإيمان ـ لم يؤته جهم ولا غيره من أتباعه من قبلك!!
وإن أجبتم بأنه يكون كافراً بإتيانه لهذه الأفعال، ولو جاءت مجردة عن الاعتقاد، تكونون قد هدمتم جميع ما تقدم من قولكم الدال على حصر الكفر في العمل القلبي دون العمل البدني..!
وبالتالي لا نكون قد حايدنا الصواب لو قلنا لك يا شيخ: أنت الذي لم تدرك ولم تفهم الفارق بين الكفر العملي والكفر الإعتقادي على مراد الشارع وفهم السلف الصالح، وإنما فهمته وفسرته على مراد جهم ومن تابعه من غلة المرجئة لا غير.
ثالثاً: الفارق بين الكفر الإعتقادي والكفر العملي هو نفس الفارق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر، أو بين الكفر الأكبر البواح وكفر النعمة أو الكفر دون كفر. فالأول يخرج صاحبه من الملة ويجري عليه أحكام الكفر والردة[1] سواء مورس في الباطن والاعتقاد دون الظاهر، أو في الظاهر دون الباطن، أو في الباطن والظاهر معاً، ومثاله مظاهرة المشركين على المسلمين، والاستهزاء بالدين، والسحر، والحكم بغير ما أنزل الله استبدالاً وإعراضاً ومشاقة لله ولرسوله، وغيرها من الأمور التي تقدم ذكر بعضها، والتي تكفر صاحبها ولو مورست بأي وجه من الأوجه الآنفة الذكر.
بينما الثاني ـ وهو الكفر الأصغر ـ لا يخرج صاحبه من الملة إلا إذا مورس على وجه الاستحلال[2] ومثاله كل عمل أطلق عليه الشارع مسمى الكفر ووجدت القرينة الشرعية الدالة على صرفه عن ظاهره المكفر، ولولا ذلك لتحتم علينا القول بظاهره ولا مناص من ذلك.
مثال ذلك: المنتحر القاتل لنفسه، فقد جاءت بعض النصوص تفيد كفره وخلوده في النار، كما في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيح: "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالجاً مخلداً، ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً".
فظاهر الحديث أن المنتحر القاتل لنفسه كافر، لأن الخلود في نار جهنم أبداً هو للكفار الذين يموتون على الكفر والشرك، وليس للعصارة من أهل التوحيد. ولكن لما جاءت نصوص أخرى تفيد ن المنتحر القاتل لنفسه ليس كافراً وأن الرحمة والمغفرة تشمله، علمنا بالضرورة أنه ليس بكافر الكفر الأكبر، وحملنا النصوص التي تفيد كفره على الكفر دون كفر، أو الكفر الأصغر أو كفر النعمة الذي لا يخرج صاحبه من الملة.
كما في صحيح مسلم، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما هاجر إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم- فقال: مالي أراك مغطياً يديك؟ قال: قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت. فقصها الطفيل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم وليديه فاغفر".
فكونه غفر الله له بحسنة هجرته إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا له بالمغفرة، علمنا بالضرورة أنه مات مسلماً رغم قتله لنفسه، لان الكافر الذي يموت على الكفر مهما تعاظمت حسناته لا يغفر الله له، ولا يجوز أن يدعى له بالمغرفة والرحمة.
كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}النساء: 48.
وقال: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم}التوبة: 113.
فإن قيل: إن الرجل فعل بنفسه ما فعل قبل تحريم الانتحار، أو أن النص لم يبلغه وكان جاهلاً بالتحريم، لذا فإن الله قد غفر له.
فالجواب: أن النص لا يفيد ذلك، ولو كان الأمر كذلك لما ظلت يداه معطوبتان، ولما قيل له: لن نصلح منك ما أفسدت، فدل أنه كان عالماً بالتحريم وقد بلغه الخطاب الشرعي في ذلك، لأن بقاء العذاب ـ ولو جزئياً ـ دليل على بلوغ الخطاب، كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا}الإسراء: 15.
فإن قيل: كيف يُفسر خلوده في النار وهو عقاب للكافرين؟
فالجواب: أنه يحمل على التغليط والزجر، والعذاب الأليم الطويل كما نص على ذلك أهل العلم.
ونحو هذا المثال قس عليه جميع الذنوب التي أطلق عليها الشارع مسمى الكفر، ثم تنظر إن وجدت قرينة شرعية في نص آخر تفيد صرف الكفر عن هذه الذنوب وعن مرتكبيها، فاعلم أنه يجب أن يحمل على الكفر الأصغر أو الكفر العملي الذي لا يخرج صاحبه من الملة، وإن عدمت القرينة الشرعية التي تصرف هذا الكفر عن ظاهره، فحينها لا مناص من التكفير به، وحمله على ظاهره الكفري المخرج عن الملة. وبهذا الضابط تستطيع أن تميز بين الكفر الأكبر والكفر العملي الأصغر، ومن دونه نكون قد تقولنا على الله وشرعه بغير علم ولا دليل، وفتحنا باباً للتأويل تمر منه تأويلات الزنادقة من غير حسيب ولا نكير.
خلاصة القول: أن الكفر العملي الأصغر لا يجوز القول به إلا بدليل شرعي صحيح يفيد أنه كفر أصغر، سواء كان مصدره الباطن كالرياء ـ الشرك الخفي الأصغر ـ أو عملاً ظاهراً على الجوارح، وكل قول في المسألة لا يراعي هذا الضابط فهو من التقول على الله بغير علم.
رابعاً: إن حصر الكفر بالاعتقاد مفاده إبطال مطلق العمل أن يكون علة في التكفير، وهذا قول مؤداه إلى الإمساك عن تكفير إبليس وكثير من الطغاة والكفرة الذين شهد لهم القرآن بالكفر!!
ومن إسراف القوم في الإرجاء لقد وجدناهم يمسكون عن تكفير من يكفر على شرط جهم بن صفوان ومن تابعه على قوله في الإيمان والكفر!!
فانظر مثلاً ماذا يقولون في كتابهم السلفي الأثري كما زعموا "إحكام التقرير في مسائل التكفير": فمن قامت عنده حجة على مسلم أنه مستحل لما حرم الله من قطعي من قطعيات الشريعة، فالأقوى والأتقى أن لا يجزم بتكفير القول الصادر عنه أو الفعل وما شابه، ولا يجزم بكفر الشخص عينه، فضلاً أن يدعو الناس إلى تكفيره، وغير ذلك من الهوج المتلبس باسم الشريعة!! ا- هـ.
فتأمل حتى المعتقد المستحل في قلبه لما حرم الله من قطعي من قطعيات الشريعة المعلومة من الدين بالضرورة، والذي يكفر على أصول "جهم" هم لا يكفرونه، ولا يرون تكفيره بعينه، ولعلنا نكون ظالمين لجهم عندما ننسبهم إليه دون العكس، حيث قد فاقوه درجات في التأصيل والشطط والانحراف!!
خامساً: إذا كان المسلم والكافر كلاهما أتيا بالكفر البواح عملاً وظاهراً، فإننا نسأل الشيخ ومن لف لفه من مرجئة وجهمية العصر: بما عرفتم أن الأول مارس الكفر عملاً من غير اعتقاد فأمسكتم عن تكفيره، والآخر مارس الكفر عن اعتقاد فكفرتموه لاعتقاده الكفر، وأنتم قد أغلقتم طريق اعتبار الظاهر كدليل على فساد وكفر الباطن؟!
فإن قلتم: لا ما أغلقناه! قلنا لكم: هذا الذي سميتموه مسلماً قد أتى في الظاهر وعلى جميع جوارحه بالكفر البواح، فلماذا لم تعتبروا كفره الظاهر دليلاً على كفره في الباطن؟!
بقي لكم جواب آخر لا ثالث له وهو أن تقولوا صراحة ومن غير مواربة: طريقنا إلى معرفة كفره في الباطن هو ق البطون وتتبع حقيقة ما في القلوب التي لا يعمل حالها إلا علام الغيوب؟!!
وهذا أمر لا طاقة لكم به وهو فوق مقدور البشر، لذا نراكم تمسكون عن تكفير طواغيت اجتمعت فيهم جميع خصال الكفر ونواقض الإيمان لأنه رغم كفرهم البواح لم تتمكنوا حتى الآن من شق بطونهم ومعرفة ما في قلوبهم، ولن تتمكنوا ..!!
وفي هذا يقول الوزير اليماني في كتابه "إيثار الحق على الخلق" منكراً على من يشترط الاعتقاد في كفر من يقول الكفر أو يفعله، ومبيناً أن من لم يعتبر الظاهر دليلاً على الكفر لا يمكنه أن يكفر أحداً إلا بنص شرعي من الله يخصه باسمه وهذا مستحيل لانقطاعه: "وعلى هذا لا يكون شيء من الأفعال والأقوال إلا مع الاعتقاد، حتى قتل الأنبياء!!، والاعتقاد من السرائر المحجوبة، فلا يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص!!" ا- هـ.
(3) هذا الحديث حمال أوجه ينبغي فيه التفصيل وبخاصة إذا استشهد به من يتهم به في عقيدته بالإرجاء وأنه على قول جهم في الإيمان، فنقول: من ساب المسلم وقاتله لدينه وإسلامه فهو كافر، والحديث يحمل على ظاهره من غير تأويل.
قال ابن حزم في الملل (3/327): فهو على عمومه، لأن قوله -عليه السلام- هاهنا عموم للجنس ولا خلاف في أن من نابذ جميع المسلمين وقاتلهم لإسلامهم فهو كافر. ا- هـ.
وقال الشيخ ابن باز: الاستهزاء بالإسلام أو بشيء منه كفر أكبر، ومن يستهزئ بأهل الدين والمحافظين على الصلوات من أجل دينهم ومحافظتهم عليه يعتبر مستهزئاً بالدين فلا تجوز مجالسته ولا مصاحبته بل يجب الإنكار عليه والتحذير منه، ومن صحبته وهكذا من يخوض في مسائل الدين بالسخرية والاستهزاء يعتبر كافراً[3] ا- هـ.
فإذا كان الاستهزاء بالمسلم لدينه كفراً أكبر فمن باب أولى أن يكون قتاله لدينه كفراً أكبر.
أما إذا كانت قتاله لأمور دنيوية أو شخصية فهنا القتال يحمل على كفر النعمة أو الكفر دون الكفر، أو الكفر الأصغر الذي لا يخرج صاحبه من الملة، بدلالة نصوص كثيرة تفيد هذا الصرف والتأويل.
(4) يقاطع الأخ ويمنع من إتمام كلامه .. وجوابه "لا يكفر" ينبغي أن يحمل على التفصيل المتقدم.
(5) انظر كيف أن الشيخ قد تضايق من تسمية الذنب الوارد في الحديث بالكفر الأصغر، لان هذه التسمية لا يمكن استغلالها وصرفها على غير مرادها، بخلاف الكفر العملي الذي يفهم منه أن كل كفر عملي ـ سواء كان أصغر أم أكبر ـ لا يخرج صاحبه من الملة، وهذا الذي يريده الشيخ، فالشيخ يرى أن قتال المسلم ليس كفراً لأنه كفر عملي، وليس لأن الشارع لم يعتبره كفراً لذاته، وقد صرف عنه الكفر الأكبر بدلالة نصوص أخرى. وبالتالي فهو يريد أن يستدل بالحديث على كل كفر عملي مجرد عن الاعتقاد والاستحلال أنه غير مكفر ولا يخرج صاحبه من الملة، وهذا ما لا يحتمله النص بأي وجه من الوجوه.
لذا درءاً لهذا الاستغلال السيء أرى أن تضاف عبارة "الكفر العملي" كلمة الأصغر" في حال أريد الإشارة بها إلى الذنوب والمعاصي التي لا تعتبر كفراً مجرداً لذاتها، حيث تصبح "الكفر العملي الأصغر" لكي تميز عن الكفر العملي الأكبر المخرج عن الملة.
(6) الفرق واضح، وهو أنك ـ يا شيخ ـ تجعل العلة المانعة من التكفير أنه كفر عملي بدني ظاهر، وليس لأن الشارع لم يعتبر هذه الذنوب كفراً لذاتها!!
(7) تأمل كيف اعتبر الصارف عن الكفر هو أن قتال المسلم عمل يشبه عمل الكفار!! وليس لأن الشارع صرف عنه الكفر بدلالة نصوص أخرى كما في قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}الحجرات: 9.
فسماهما مؤمنين رغم اقتتالها وقتل بعضهم بعضاً، وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أريت ما تلقى أمتي من بعدي وسفك بعضهم دماء بعض، فأحزنني وشق ذلك علي، وسبق كما سبق ذلك في الأمم قبلها، فسألت الله تعالى أن يوليني شفاعتهم فيهم يوم القيامة ففعل"[4].
فكونهم تنالهم شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- ـ على ما سبق منهم من قتل وقتال لبعضهم البعض ـ دل أنهم مسلمون عصاة، ولو كانوا قد كفروا بفعلهم ما استحقوا شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولما جازت لهم الشفاعة أصلا. وهناك أدلة أخرى كثيرة تصرف ظاهر الكفر عن مرتكب كبيرة القتل، والتي لأجلها صرفنا الكفر عن القاتل أو المقاتل المسلم، وأولناه إلى الكفر دون كفر، أو الكفر العملي الأصغر وغير ذلك.
وكون الأمم السابقة سبقتنا إلى هذا الفعل، لا يفهم منه كفر هذه الأمم بسبب فعلهم هذا، أو أن الاقتتال هو فقط من خلق الكفار، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إني صليت صلاة رغبة ورهبة سألت الله -عز وجل- لأمتي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ورد علي واحدة، سألته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يهلكهم غرقاً فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردها علي"[5].
فلا بد من أن تنال الأمة قسطها من ذلك.
وقد تقدم أن تقييد الكفر العملي الأصغر بضابط مشابهة الكفار في أفعالهم، تقييد لا يصح ولم يقل به ـ قبل الشيخ ـ عالم معتبر لأنه ليس كل مشابهة لأفعال الكفار هو كفر عملي أصغر لا يخرج صاحبه من الملة.
(8) هذا التأويل ليس هو من صنيع الأخ بل دلت عليه نصوص الشريعة وقد أطلقه سلف الأمة على الذنوب التي هي دون الكفر الأكبر. ولكن سبب تضايق الشيخ من استخدام هذا المصطلح كما تقدم هو أنه لا يسعفه فيما قد شذ به عن الأمة في تفسيره للكفر العملي الأصغر!
(9) هذا الحديث "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"، هو حمال أوجه يحتمل الوجهين ولا يسلم للشيخ أن الكفر الوارد في الحديث يحمل على الكفر العملي الأصغر مطلقاً، بل إن ظاهر الحديث يفيد خلاف ذلك.
قال ابن حزم في الفصل (3/237): الحديث على ظاهره، وإنما في هذا اللفظ النهي عن أن يرتدوا بعده إلى الكفر فيقتتلوا في ذلك ا- هـ. فحمل الكفر الوارد على الارتداد والكفر الأكبر.
قلت: وليس في الحديث أدنى دلالة على أن الكفر العملي أخذ صفته وحكمه لمشابهته لفعل الكفار .. فالتكلف والتخبط، وتحميل العبارات مالا تحتمل واضح وصريح في كلام الشيخ!
(10) ليس على إطلاقه، وقد تقدم التفصيل في المسألة.
(11) إذا اعتقد واستحل هو كافر من دون أن يقترن مع الاعتقاد قتال للمسلم، والذي منعنا من تكفير المقاتل للمسلم ـ مع مراعاة التفصيل المتقدم ـ وتكفير الآخر المعتقد والمستحل هي نصوص الشريعة، وليس لأنه انتقال من الكفر العملي إلى الكفر الإعتقادي!!
 


[1] باستثناء من كان كفره في الباطن دون الظاهر كالمنافق، فهذا تُجرى عليه في الدنيا أحكام الإسلام ويعامل معاملة المسلمين وإن كان في الآخرة من الكافرين وفي الدرك الأسفل من النار.
[2] يشترط الاستحلال هنا لأن هذا النوع من الكفر أو الذنب ليس كفراً مجرداً لذاته، وإنما هو معصية يخضع صاحبها للمشيئة. وهو المراد من قول أهل العلم: "لا نكفر أحداً بذنب ما لم يستحله" أرادوا الذنب الذي هو دون الكفر مخالفة للخوارج الذين كفروا بكل ذنب، ولكن جهمية العصر استغلوا هذه العبارة أسوأ استغلال وحملوها على مطلق الذنب بما في ذلك الشرك الأكبر، وقالوا: لا نكفر المشرك بالشرك الأكبر إلا إذا استحله!!
[3] عن كتاب الاستهزاء بالدين وأهله، الدكتور محمد سعيد القحطاني.
[4] رواه ابن أبي عاصم في السنة وصححه الشيخ في التخريج.
[5] أخرجه ابن ماجه وغيره، السلسلة الصحيحة: "1724".

   
F ¥ E