الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
الإنتصار لأهل التوحيد والرد على من جادل عن الطواغيت
ـ فوائد وتعليقات تتعلق بآيات الحكم في سورة المائدة
  ـ تابع: الشيخ ناصر: ومن أئمة المفسرين المعروفين والمشهورين ابن جرير الطبري، يقول في تفسيره هذه الآية: {أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون} لأنهم لا يؤمنون بحكم رسوله الله -صلى الله عليه وسلم- قلباً، لأنهم هم في الأصل كفروا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-(1)، إلا إذا حكم لهم ولصالحهم فحينئذ يتبنون هذا الحكم لأنه لصالحهم، لكن إذا لم يكن كذلك فهم يرفضونه قلباً وقالباً(2)!!
ولذلك فهو ـ أي ابن جرير ـ يقرر، وكذلك ابن كثير أنه لا يجوز سحب هذه الآية على المسلم الفاجر الفاسق الذين يدين ويؤمن بما أنزل الله -عز وجل-، ولكنه قد يحكم إما في نفسه أو في غيره بخلاف ما حكم الله -عز وجل- في كتابه أو نبيه -صلى الله عليه وسلم- في سنته، لا يجوز سحب هذه الآية على أولئك المسلمين لأنهم يختلفون عن المشركين بأنهم آمنوا بما أنزل الله لكن إيمانهم بما أنزل الله لم يقترن به العمل!!، بينما أولئك الكفار جحدوا ما أنزل الله قلباً وقالباً(3)!!

 

(1) هذا الكلام لم يصح عن ابن جرير لا لفظاً ولا معناً، وإليك بيان ذلك:
قال ابن جرير في التفسير (4/592): يقول تعالى ذكره، ومن كتم حكم الله الذي أنزله في كتابه وجعله حكماً بين عباده، فأخفاه ويحكم بغيره، كحكم اليهود في الزانيين المحصنين بالتجبية والتحميم، وكتمانهم الرجم، وكقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض الدية، وفي الأشراف القصاص وفي الأدنياء بالدية، وقد سوى الله بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة، {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون}، يقول: هؤلاء الذين لم يحكموا بما أنزل الله في كتابه، ولكن بدلوا وغيروا حكمه، وكتموا الحق الذي أنزله في كتابه، و{هُمُ الْكَافِرُون} يقول: هم الذين ستروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبينه، وغطوه عن الناس، وأظهروا لهم غيره، وقضوا به لسحت أخذوه منهم عليه ا- هـ.
تأمل قوله، حيث لم يتعرض قط إلى قضية القلب، ولا إلى كفرهم في قلوبهم بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وإنما الآية نزلت فيهم لما بدلوا وغيروا حكم الله الذين أنزله عليهم في التوراة بحكم من عند أنفسهم استرضاء لشرفائهم وللناس، وقضوا به لسحت أخذوه منهم عليه، وليس استحلالاً واعتقاداً.
ولما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- أحد علمائهم، وأنشده الله على أن يصدقه الإجابة: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم" قال: لا، ولولا أنك أنشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حده في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع جميعاً على التحميم والجلد مكان الرجم.
فهم إذا لم ينكروا حكم الله في قلوبهم، ويعرفون في قلوبهم أن حكمهم غير حكم الله المنزل عليهم في التوراة، والذي دعاهم إلى هذا التغيير والتبديل في الظاهر ـ حتى أصبح قانوناً ملزماً لهم في حياتهم ـ هو محاولة منهم لاسترضاء الشريف منهم، وتقريب الهوة بينه وبين الوضعي.
وبهذا الفعل، والتغيير والتبديل استحقوا حكم الله فيهم {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون}، وطواغيت الحكم المعاصرين ـ المختلف على كفرهم!! ـ قد وقعوا في هذا، بل وقعوا فيما هو أشد منه؛ حيث وقع عندهم التغيير والتبديل لمجمل شرائع الله واستعاضوا عنها بشرائع الطاغوت من الغرب أو الشرق ومن عند أنفسهم، وفرضوها على الأمة والشعوب كقوانين ملزمة ونافذة وتدرس في جامعاتهم، وتطبق في محاكمهم على وجه الوجوب والإلزام والتحسين، فأي كفر فوق هذا الكفر، ويا مروق من الدين يعلو هذا المروق؟!
وبعد أن ساق الأحاديث والآثار الواردة في تفسير الآية، قال (4/597): وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيون بها.
فإن قال قائل: فإن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذين حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه، كافرون. وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، هو بالله كافر ا- هـ. انتهى كلامه، وبقي عليك أن تقارن بينه وبين ما نقل الشيخ عنه!!
والجحود يكون أحياناً بالظاهر دون الباطن والقلب، كصفة جحود اليهود لحكم الله المنزل في الكتاب وقد تقدم بيان ذلك، وبالتالي فمن يشابههم بهذا النوع من الجحود فهو كافر مثلهم.
ولا يفرحنَّ الجهميون المرجئون بكلمة "الجحود" الواردة في كلام ابن جرير الطبري، على أن المراد منها اعتقاد القلب وجحود القلب، فهو لا يريد هذا النوع من الجحود بخاصة أنه فسره "بترك الحكم على سبيل ما تركوا" وقد تقدم كلامه في صفة تركهم لحكم الله وتبديلهم له.
ومن جهة فإن "الجحود" لا يعني على الإطلاق جحود القلب، بل يأتي أحياناً ليدل على جحود الظاهر دون الباطن، كما في قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}النمل: 14. فهم جحدوا الآيات في الظاهر ظلماً وعلواً واستكباراً، مع علمهم ويقينهم في أنفسهم وقلوبهم أنها آيات من عند الله تعالى، ومع ذلك فهم كفروا {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين}.
وخلاصة القول: أن الجحود يكون أحياناً مصدره الظاهر والجوارح وسببه العناد والكبر وإرادة العلو والفساد في الأرض، مع بقاء الاعتقاد والتصديق في القلب لما تم الجحود له.
ولا يختلطن على القارئ الفارق بين التصديق والاعتقاد المجرد وبين الإيمان الذي ينفع صاحبه، حيث أن الكفر ينفي مطلق الإيمان في القلب، بينما لا يستلزم دائماً أن ينفي التصديق والاعتقاد القلبي المجرد، مثال ذلك: أبو طالب، فكفره الظاهر نفي عنه مطلق الإيمان في قلبه الذي ينفعه يوم القيامة، بينما لم ينف عنه اعتقاده في أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صادق في نبوته ودعوته.
وكان مما نقل عنه يقول:

ودعوتني وعلمتُ أنك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت ثم أميناً
ولقد علمتُ بأن دين محمد *** من خير أديان البرية ديناً

أما كونهم كفروا ـ أي اليهود ـ لكفرهم بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وتكذيبهم لهم ولحكمه في قلوبهم، فهذا بخلاف ما دلت عليه الأدلة.
قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِين}البقرة: 89.
عن أبي العالية قال: كانت اليهود تستنصر بمحمد -صلى الله عليه وسلم- على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوباً عندنا حتى يعذب المشركين ويقتلهم، فلما بعث الله محمداً وأروا أنه من غيرهم كفروا به حسداً للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ونحوه عن قتادة.
وقال السدي: كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم، وكانوا يجدون محمداً في التوراة؛ ويسألون الله أن يبعثه فيقاتلون معه العرب، فلما جاءهم محمد كفروا به، حين لم يكن من بني إسرائيل.
وقال عطاء: فلما خرج ورأوه ليس منهم، كفروا وقد عرفوا أنه الحق، وأنه النبي[1]. فدلت تفسيرات السلف للآية أن اليهود كانوا يعرفون في قرارة نفوسهم وقلوبهم أن محمداً نبي مرسل وأنه حق، ولكن لما كان من غيرهم كفروا به حسداً وليس جحوداً وإنكارً له في قلوبهم. وكذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُون}البقرة: 146.
قال ابن كثير في التفسير (1/200): يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما يعرف أحدهم ولده من بين أبناء الناس كلهم. ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقيق والإتقان العلمي ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- {وَهُمْ يَعْلَمُون}ا- هـ.
ونحوه قوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُون}النمل: 14. وغيرها كثير من الآيات التي تدل على أن كفار أهل الكتاب وغيرهم كانوا يقرون للنبي -صلى الله عليه وسلم- في قرارة نفوسهم بالنبوة والرسالة، ويعلمون في قلوبهم أنه صادق وأن ما جاء به من عند ربه هو الحق، ولكن صدهم عنه وعن اتباعه الكبر والحسد والعناد.
وفي الحديث الذي يرويه مسلم، أن يهودياً جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أينفعك شيء إن حدثتك؟ فقال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعود وقال: "سَلْ"، فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هم في ظلمة دون الجسر"، فقال اليهودي: فمن أو الناس إجازة؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "فقراء المهاجرين"، قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "زيادة كبد الحوت"، قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: "ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها"، قال اليهودي: صدقت ثم قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أينفعك إن حدثتك؟" قال: أسمع بأذني، ثم قال: جئت أسألك عن الولد، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل ومني المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا مني المرأة أنَّثاً بإذن الله"، قال اليهودي: صدقت وإنك لنبي، ثم انصرف وذهب!
والشاهد من الحديث أن هذا اليهودي قد صدق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأقر له بالنوبة في قلبه وعلى لسانه، ولكن لما انتف عنه المتابعة والانقياد لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينتفع من تصديقه وإقراره للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالنبوة والرسالة.
قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (1/242): الكفر يكون بتكذيب الرسول فيما أخبر به، أو الامتناع عن المتابعة مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم ا- هـ.
وقال ابن القيم في "مفتاح السعادة (1/93-94): وهذا هرقل تيقن أنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يشك فيه وآثر الضلال والكفر استبقاءً لملكه. ولما سأله اليهود عن التسع آيات البينات فأخبرهم بها قبلوا يده، وقالوا نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالوا: إن داود -عليه السلام- دعا أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخشى إن اتبعناك أن تقتلنا يهود، فهؤلاء قد تحققوا نبوته وشهدوا له بها، ومع هذا فآثروا الكفر والضلال ولم يصيروا مسلمين بهذه الشهادة، لأن مجرد الإقرار والإخبار بصحة رسالته لا يوجب الإسلام غلا أن يلتزم طاعته ومتابعته، وإلا فلو قال: أنا أعلم أنه نبي ولكن لا أتبعه ولا أدين بدينه كان من أكفر الكفار كحال هؤلاء المذكورين وغيرهم، وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وأئمة السنة أن الإيمان لا يكفي فيه قول اللسان بمجرده، ولا بمعرفة القلب مع ذلك بل لا بد فيه من عمل القلب وهو به لله ورسوله وانقياده لدينه والتزامه طاعته ومتابعة رسوله، وهذا خلاف من زعم أن الإيمان هو مجرد معرفة القلب وإقراره، وفيما تقدم كفاية في إبطال هذه المقالة.
وهذان القسمان ـ كفر الجحود والعناد وكفر الإعراض ـ أكثر المتكلمين ينكرونها ولا يثبتون من الكفر إلا الأول ـ وهو كفر الجهل ـ ويجعلون الثاني والثالث كفراً لدلالته على الأول لا لأنه في ذاته كفر، فليس عندهم الكفر إلا مجرد الجهل، ومن تأمل القرآن والسنة وسير الأنبياء في أممهم ودعوتهم لهم وما جرى لهم معهم، جم بخطأ أهل الكلام فيما قالوه، وعلم أن عامة كفر الأمم عن تيقن وعلم، ومعرفة بصدق أنبيائهم وصحة دعواهم وما جاءوا به ا- هـ.
ولما سأل الأخنس أبا جهل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال أبو جهل: ويحك والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط، وإني لأعلم إنه لنبي، ولكن متى كنا لعبد مناف تبعاً؟!
ومنه تعلم أن تعق جهمية العصر وغلاة المرجئة ـ أصحاب الهوس القلبي ـ بأن كفر أهل الكتاب جاء من جهة كفرهم وتكذيبهم لحكم النبي -صلى الله عليه وسلم- في قلوبهم، بينما الذين كفروا بالنبي وبحكمه وبما جاء به من عند ربه قالباً لم يكفروا ولا يجوز تكفيرهم!! هو تعلق باطل لا يصح بأي وجه من الوجوه.
(2) ليس هذا هو سبب نزول الآية {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون}، كما يدعي الشيخ الذي يقحم "القلب" في كل تفسير وتعليل للكفر!!
فقد جاء في صحيح مسلم وغيره، عن البراء بن عازب قال: مُرَّ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيهودي محمم، فدعاهم فقال: "هكذا تجدون حد الزاني" فقالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم قال: "نشدتك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ..؟ فقال: اللهم لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركناه وإذا أخذنا الرجل الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضعي، فاجتمعنا على التحميم والجلد، وتركنا الرجم[2]. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه" فأمر به فرجم.
فأنزل الله -عز وجل-:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر}، إلى
قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون} في اليهود، إلى قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون}، قال: هي في الكفار كلها، يعني هذه الآية.
فأين هذا من قول الشيخ في أن هذه الآية نزلت في تحاكم اليهود إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فإذا حكم لهم ولصالحهم يتبنونه، وإذا لم يكن كذلك يرفضونه قلباً وقالباً؟!!
ولكن هذا المعنى وارد في تفسير قوله تعالى: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا}، قال ابن كثير (3/60): قالوا فيما بينهم تعالوا حتى نتحاكم إليه فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه ا- هـ.
ولم يتعرض قط إلى ذكر القلب أو أنهم كفروا بحكم رسول الله في قلوبهم، بل ما ذكره ابن كثير عنهم فيه دلالة على أنهم كانوا يقرون في قرارة أنفسهم وقلوبهم أنه نبي وأن حكمه حكم نبي، وإلا كيف تراهم يجعلون حكمه حجة بينهم وبين الناس على أنه حكم نبي مرسل وهم لا يعتقدون صحة حكمه ونبوته؟!
وهذا يتأكد لك في قول ابن كثير الآتي (2/60): قال تعالى منكراً عليهم في آرائهم الفاسدة، ومقاصدهم الزائغة، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبداً، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره وما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم ا- هـ.
فتأمل، فهم رغم اعتقادهم صحة حكم الكتاب المطابق لحكم النبي -صلى الله عليه وسلم-، واعتقادهم فساد وبطلان الحكم الذين عدلوا إليه واعتمدوه كبديل عن حكم الله، هذا الاعتقاد السليم منهم لم يشفع لهم ولم يمنع من كفرهم وتكفيرهم لما وقعوا في التبديل، والترك، والإعراض المجرد عن الاعتقاد.
(3) هذا كلام باطل، لا يصح من وجوه:
أولها: هذا الكلام ـ بصيغته ومعناه ـ لا يصح عن ابن جرير ولا عن ابن كثير، وهو من التقول عليهما بغير علم، وقد تقدم ذكر كلام ابن جرير، وإليك الآن كلام ابن كثير بتمامه، وهو يكتفي بذكر الآثار الواردة في تفسير الكفر الوارد في الآية، من دون أن يدلي بدلوه أو يقول كلمة واحدة في المسألة:
قال: قال ابن جرير بسنده عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: من السحت، فقالا: وفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر ثم تلا {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون}.
وقال السدي: يقول ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمداً، أو جار وهو يعلم فهو من الكافرين.
وعن ابن عباس قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرَّ به فهو ظالم فاسق، رواه ابن جرير ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب.
وعن ابن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله {وَمَن لَّمْ يَحْكُم} الآية، قال هي به كفر، قال ابن طاووس: وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وقال الثوري عن ابن جريح عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.
وعن طاووس قال: ليس بكفر ينقل عن الملة. وعنه عن ابن عباس، قال: ليس بالكفر الذين تذهبون إليه. انتهى كلامه. التفسير (2/63-64).
التعليق:
1- أين كلام ابن كثير وتقريراته وحديثه عن القلوب والقوالب، وعما يجوز وما لا يجوز الذي نسبه إليه الشيخ، وهو لم يتكلم بكلمة واحدة في المسألة؟!
2- من يتابع ما قاله ابن كثير في "ياسق التتار" وفيمن يحتكمون إليه، وما نقلناه عنه آنفاً فيما يخص صفة كفر اليهود، وما قاله في تفسير كثير من الآيات، منها على سبيل المثال قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}النساء: 65.
لأدرك أن ابن كثير هو على نقيض ما حاول لشيخ أن يثبته عنه ويلصقه به، ولأدرك أنه يكفر من يكفر بالله ورسوله قالباً وظاهراً دون الباطن والقلب، وكذلك من يجحد حكم الله قالباً وبالظاهر، أو من ينتفي عنه مطلق الإتباع الظاهر على الجوارح لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، والإنصاف يقتضي أن تؤخذ جميع أقوال العالم في المسألة ويوفق بينهما ـ إن ظهر فيها التعارض ـ ثم يبين حكمه وقوله فيها، أما "التقميش" والعوم في الماء العكر فهو بخلاف ما يقتضيه الإنصاف والدقة العملية.
3- ذكر ابن كثير من الآثار ما هو مشكل على الشيخ ومذهبه، وهو قول ابن مسعود، وقول السدي، عندما قال: من ترك حكم الله عمداً أو جار وهو يعمل فهو من الكافرين. وسكت ابن كثير على إطلاقه هذا من غير تعليق أو تفصيل.
4- ينبغي أن يحمل الجحود المكفر الوارد ذكره في آثار السلف على أي نوع من أنواعه سواء كان جحوداً في الباطن والظاهر معاً، أو في الباطن دون الظاهر كالمنافقين، أو في الظاهر دون الباطن كجحود اليهود لحكم الله تعالى ولنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، مع اعترافهم في قلوبهم وقرارة أنفسهم أنه نبي مرسل وأنه على حق. فمن أتى بأي نوع من أنواع الجحود هذه فهو كافر.
5- تأمل إطلاقات السلف على نوعية الحكم الذي لا يخرج صاحبه من الملة حيث وصفوه بأنه كفر دون كفر، ظلم دون ظلم، أوليس بكفر ينقل عن الملة، ولم يطلقوا عليه صفة الكفر العملي؛ لأن هذا الإطلاق حمال أوجه، ويمكن استغلاله وحمله على غير مراده.
6- صفة الحاكم الذي يكفر كفراً أصغر، أو كفراً دون كفر لا ينقل عن الملة، هو كما يقول ابن القيم: فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصياناً، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر ا- هـ. بدائع التفسير "2/12".
فتأمل، أهكذا هم طواغيت الحكم المعاصرين الذين كثر الجدال عنهم، حتى يحمل عليهم مقولة: كفر دون كفر، أو كفر أصغر؟!
ثم انظر كيف وصفه بالحكم بغير ما أنزل الله في واقعة واحدة معينة، لأنه لم يخطر على باله ولا على بال غيره من أهل العلم حاكماً ينحي شرع الله كلياً عن الحكم ويستبدل به شرعاً آخر من صنعه أو من صنع غيره من الطواغيت، ويحسنه، ويلزم به الأمة، ويقاتل ودون كل من رفضه أو خرج عليه، ثم يحمل عليه مقولة: الكفر الأصغر، أو كفر دون كفر، كما هو صنيع جهمية ومرجئة العصر!
7- الأصل إذا أطلقت الآيات الثلاث الواردة في سورة المائدة، أن تحمل على الكفر الأكبر، والظلم الأكبر، والفسق الأكبر، لأنها قيلت في أهل الكتاب وفيمن يجحد حكم الله تعالى ..
8- عند حمل الآيات على المسلمين ينظر لحالهم: إن كانوا ممن يرفضون حكم الله ويعرضون عنه، أو يحاربون دعاة الحكم إلى الله، أو يشرعون التشريع الذي يضاهي شرع الله، أو يلزمون الأمة بشرائع وقوانين من غير شرع الله، أو يقاتلون دونها من يعاديها ويحاربها، أو يقعون في التبديل لشرع الله بشرائع الطاغوت، وكل شريعة غير شريعة الله فهي طاغوت، فهؤلاء يحمل عليهم ـ وجوباً ـ الكفر الأكبر، والظلم الأكبر، والفسق الأكبر، وإن لم يصرحوا بلسانهم أنهم يجحدون حكم الله، لأن لسان الحل أقوى من لسان المقال وهو شاهد عليهم بالكفر، كما قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْر}التوبة: 17. وإن لم يصرحوا بلسانهم، فإن عمل المرء وظاهره يكون أحياناً أكبر شاهد عليه.
أما إن كانوا ممن يحكمون بما أنزل الله في عموم حياة الناس وحياتهم، وتظهر منهم القرائن اللفظية والفعلية الدالة على حبهم لحكم الله ورضاهم به، وأنهم يسعون جهد طاقتهم لتطبيقه، ثم هم في مسألة أو بعض المسائل لا يحكمون فيها بما أنزل الله ـ على غير وجه الجحود أو الإعراض والعناد أو الكره أو الاستهانة بشرع الله ـ عن هوى أو ضعف، أو نزوة من غير تحسين، ومع اعترافهم وشعورهم بالإثم والتقصير فيما اقترفوه .. فهؤلاء يحمل عليهم قول أهل العلم: كفر دون كفر لا ينقل عن الملة.
9- إذا كان ابن عباس وغيره من أهل العلم يقولون: إن المراد من آيات سورة المائدة هم كفار أهل الكتاب ومن يجحد حكم الله تعالى، إذً من يقصدون بقولهم: "كفر دون كفر لا ينقل عن الملة؟"
ولإدراك مرادهم من هذه المقولة لا بد من الإحاطة بزمانها، وبيئتها ومحيطها، والأسباب التي دعتهم لقولها. حيث أن هذه المقولة قيلت في عهد الأمويين الذين كانت تظهر منهم بعض المواقف المخالفة لشرع الله، وعلى الوجه المتقدم ذكره في صفة الحاكم الذي لا يكفر الكفر الأكبر، وقد أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى شيء من هذا بقوله: "أول من يغير سنتي رجل من بني أمية" وأراد -صلى الله عليه وسلم- تغيير سنته في اختيار الخليفة إلى نظام وراثي، ومع ذلك لا أحد يشك في إسلام معاوية وأولاده، ولا أحد قال بكفرهم.
وكان ابن عباس وغيره من أهل العلم يُسألون عنهم، وله ينطبق عليهم قوله تعالى: {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون}؟ فيجيبون: بأنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، إنه كفر دون كفر لا ينقل عن الملة. لذا من الخطأ الظاهر حمل كلام ابن عباس وغيره من أهل العلم "كفر دون كفر" على طواغيت اجتمعت فيهم جميع نواقض الإيمان وخصال الكفر والنفاق .. كما هو صنيع جهمية ومرجئة العصر!!
يقول الشيخ محمد قطب في كتابه "واقعنا المعاصر": مظلوم ابن عباس فقد قال ما قال وهو يسأل عن الأمويين أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله، فما القول فيهم؟ وما من أحدٍ على الإطلاق قال عن الأمويين إنهم كفار، فقد كانوا يحكمون الشريعة في عموم حياة الناس، ولكنهم لا يحيدون عنها في بعض الأمور المتعلقة بسلطانهم إما تأويلاً وإما شهوة، ولكنهم لا يجعلون مخالفتهم تشريعاً مضاهياً لشرع الله، فقال فيهم ابن عباس: إن كفر دون كفر. فهل كان يمكن لابن عباس أن يقول هذا فيمن ينحي الشريعة الإسلامية أصلاً، ويضع بدلاً منها قوانين وضعية.؟! ا- هـ.
ثانياً: قول الشيخ "لا يجوز سحب هذه الآية على المسلم الفاجر الذي .. الخ" لا يصح على إطلاقه، ولا بد من تقييده بالقيود المذكورة في التفصيل المتقدم بين الحاكم الذي يكفر الكفر الأكبر، والحاكم الذي يكفر الكفر الأصغر.
ثالثاً: إيمان لا يقترن به عمل مطلقاً، صاحبه لا يكون مسلماً، وهو كاذب في دعواه الإسلام عند الله وعند عباده، هذا الذي عليه أهل السنة القائلين بأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل.
قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّه}آل عمران: 31.
قال ابن كثير في التفسير (1/366): هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدي فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله. ا- هـ.
وعن أبي اسحق الفزاري، عن الأوزاعي قال: لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة ا- هـ[3].
وقال الشافعي -رضي الله عنه-: كان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم، ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزي واحد من الثلاث إلا بالآخر[4].
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن لرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما، فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق، هو شر من الكافر الخالص، لقوله تعالى: }إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّار}[5].
وقال ابن تيمية في الفتاوى (7/142): قال تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين}، فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل. ففي القرآن والسنة من نفي الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضع كثيرة كما نفى فيها الإيمان عن المنافق.
وأما العالم بقلبه مع المعاداة والمخالفة الظاهرة فهذا لم يسم قط مؤمناً، وعند الجهمية إذا كان العلم في قلبه فهو مؤمن كامل الإيمان!! ا- هـ.
وقد تقدم كلام ابن القيم في "مفتاح السعادة": وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين، وأئمة السنة أن الإيمان لا يكفي فيه قول اللسان بمجرده، ولا معرفة القلب مع ذلك، بل لا بد فيه من عمل القلب وهو حبه لله ورسوله وانقياده لدينه والتزامه طاعته ومتابعة رسوله، وهذا خلاف من زعم أن الإيمان هو مجرد معرفة القلب وإقراره ا- هـ، كما يقول بذلك جهمية العصر!
رابعاً: قوله أن الكفار كفروا لجحدهم ما أنزل الله قلباً وقالباً! مفهومه أنهم لو جحدوا ما أنزل الله قالباً ـ كم سيصرح بها لاحقاً ـ دون القلب لم يكفروا! وهذا قول باطل لم يسبق الشيخ إليه إلا جهم ومن تابعه من غلاة المرجئة، وفيما تقدم من ذكر للأدلة وأقوال السلف الدالة على بطلان هذه المقولة الجائرة الكافرة، القدر الكافي لمن ألقى السمع وتجرد من هواه وهو شهيد.
 


[1] انظر هذه الآثار في تفسير الطبري.
[2] فتأمل، فهم تركوا حكم الله ليس جحوداً وتكذيباً له في قلوبهم كما يزعم لشيخ بل فعلوا ما فعلوا للتوفيق بين الشريف والضعيف، مع اعترافهم أن هذا ليس هو حكم الله الموجود في كتابهم، ومع ذلك فقد كفروا لمجرد التبديل.
[3] الفتاوى لابن تيمية: 7/296.
[4] الفتاوى: 7/209.
[5] مجموعة التوحيد: 83.

   
F ¥ E