الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
الإنتصار لأهل التوحيد والرد على من جادل عن الطواغيت
ـ استشهادهم بالمعاصي على الكفر
  ـ تابع: الشيخ ناصر: الذي ـ مثلاً ـ يأكل الربا ما حكمه(1)، هل هو كافر مرتد عن دينه؟ فستقول لا أليس كذلك؟
- سامي: نعم.
- الشيخ: أنا لا أقول بقولك هكذا، أنا أقول: قد وقد(2)؛ أي إذا استحل الربا بقلبه كما استحله بعمله(3) فهو كفر ردة، وإلى جهنم وبئس المصير، أما إذا قال: الله يتوب علينا، وبدنا نعيش، ومن هذه الكلمات الفارغة هذه(4) إلخ، مما يشعرنا بأنه هو يؤمن بأنه يعصي الله ورسوله، واتبع هواه، ولا فرق يا حضرة الأخ المسلم بين من يعصي الله في أكله الربا مثلاً وبين من يعصي الله في أن يحكم بغير ما أنزل الله(5)!!
والآن أنهي الكلمة بمثال بسيط جداً، أقول قاضي شرعي يحكم لا أقول يحكم بالشرع، بل أقول كما نقول نحن دائماً: يحكم بالكتاب والسنة، ولكن في حكومة وفي قضية معينة تقاضى عنده اثنان فحكم للظالم بحق المظلوم، هل هذا حكم بما أنزل الله(6)؟
- سامي: أنا أجيب، ولكن باستفسار .. قبل ما أجيبك بتجاوب!!
- الشيخ: طيب، بقولوا عنا بالشام، يلي ما بيجي معاك تعال معو(7)، تفضل.
- سامي: هل هذا القاضي جعل هذا الحكم شريعة؟ نضرب مثال: إنسان سرق وجاء إلى هذا القاضي الذي لا يحكم(8) بما أنزل الله -عز وجل-، ولكن في هذه القضية لهوى أو لقرابة قال: ما بدي أقطع إيدو(9)، بدي أقيم عليه حد ثاني رغم أن شروط السرقة متوفرة فيه، رغم أنه في الحالات الأخرى يقطع اليد، فهذا لا نقولك كفر، ينزل عليه قول ابن عباس: كفر دون كفر، أما إن جعل حد السرقة السجن أو ..، فهذا قد كفر لمجرد حكمه أن جعلها شرعاً يتبع، لأنه جعل نفسه نداً لله.
- الشيخ: أنت بارك الله فيك ما تؤاخذني، أنت تؤيد عبارات قرأتها، وطلبك أن تقطع كلامي لتبين هذا لا يفيدك شيئاً!، أنا سأقول: هذا الإنسان الذي حكم للظالم على المظلوم، هل حكم بشرع الله؟ المفروض أن تقول: لا(10)، ونتابع الموضوع لنهايته، بعد ذلك إن وجدت مناسبة لتقول ما قلت، تقول ذلك.
هذا المسلم والقاضي الذي يحكم بما أنزل الله عادة حكم في قضية ما بغير ما أنزل الله، ما أظن أن مسلماً يحكم بمجرد أن صدر منه هذا الحكم المخالف الشرع، أنه يحكم عليه أنه كفر، ما أظن أحداً يفعل هذا(11).
فأريد أن أقول في قضية أخرى لسبب أو آخر(12)، تكرر ذلك السبب أو تجدد(13)، مش مهم!، وإنما حكم أيضاً بغير ما أنزل الله. كذلك أنا أقول: لا أستطيع أن أقول أنه كفر كفر اعتقاد، وكفر ردة، إلى متى سنكرر .. خمس مرات، عشر مرات، مائة مرة .. إلخ(14).

 

(1) علام الاستشهاد بمعاصٍ وذنوب هي دون الكفر بلا خوف، على الكفر العملي الأكبر المخرج من الملة المختلف عليه؟!
وكانت الأمانة تقتضي أن تستشهد بأعمال مكفرة لذاتها؛ كمظاهرة المشركين على المسلمين، وكالإعراض عن الدين وانتفاء مطلق المتابعة الظاهرة، أو إرادة التحاكم إلى الطاغوت، أو سن التشريعات والقوانين المضاهية لشرع الله تعالى؛ و معاداة الإسلام والمسلمين، أو الاستهزاء الظاهر بالدين، أو عبادة غير الله بالركوع والسجود والدعاء والنذر وغير ذلك من الأعمال الظاهرة التي حصل الاتفاق على كفر صاحبها لذاته، ثم بعد ذلك تبحث عن صارف لها ـ إن وجدت صارفاً ـ يصرفها عن ظاهرها المكفر إلى ما هو دون الكفر الأكبر!
ولكن عندما لا تجد الدليل الشرعي الذي يصرف الكفر عن مرتكبي هذه الأعمال أو شيء منها، نراك تلتجئ إلى أعمال هي ليست كفر لذاتها؛ كالقتل، والربا، والزنى، وغيرها من الأعمال التي تعتبر من الكبائر التي لا تبلغ درجة الكفر المخرج من الملة، لتقول بعد ذلك: انظروا هذا كفر عملي، ومع ذلك لا يكفر صاحبه لأنه كفر عملي لا لأن الشارع صرف الكفر عن مرتكبي الكبائر بدلالة نصوص أخرى وكثيرة!!
وهذا إذن دل فهو يدل على بطلان مذهبكم في "الإيمان" وعلى عجزكم في أن تثبتوا انتفاء الكفر عن أصحاب تلك الأعمال الآنفة الذكر، مما يضطركم إلى أن تلجأوا إلى هذا التضليل والتلبيس والتدليس، ولكن ليس علينا يا شيخ!!
وبالنسبة لقضية "آكل الربا" لا بد من أن نفرق بين من يأكل الربا عن ضعف وحب زائد للمال مع اعترافه أنه مرتكب إثماً وأنه مستحق للوعيد على ذلك، وبين من يجوز الربا وفق قوانين وتشريعات يفرض احترامها والتحكم إليها على جميع أفراد الأمة، ويقاتل دونها، ويعتبر الربا ضرورة عصرية لا يمكن تجاوزها، كما هو شأن طواغيت الحكم المعاصرين المختلف على كفرهم!!
فالأول هو الذي نتوقف عن تكفيره، بينما الآخر فهو كافر مرتد، لا يشك في كفره إلا من كان في "الإيمان" على عقيدة جهم وأتباعه.
(2) هذا الجواب "قد وقد" الأخ يعرفه، بل كل مسلم يعرفه، ولا حاجة إليه، وإن كان السؤال لا يحتمله، فالسؤال جاء كالتالي: ما حكم من يأكل الربا، وليس ما حكم من يستحل الربا؟!
ثم هذا الشرح والتفصيل "قد وقد" قد مُنع الأخ منه، وألزم بأجوبة تتضمن "كلمة وغطاها" أو بإحدى الكلمتين: نعم و لا!!
(3) الاستحلال موضعه القلب ومنبعه من القلب، فمن يستحل الذنوب والمعاصي في ظاهره وعلى لسانه، ويحسنها ويروجها، ويدعو إليها، فهو مستحل لها في قلبه، ولا يصح أن يقال للعاصي الذي ارتبك ذنباً عن ضعف ونزوة ثم أتبع ذلك ندماً وشعوراً بالإثم والتقصير أنه قد استحل ارتكاب الذنب أي في ظاهره!!
فمثل هذا الاستخدام لكلمة "الاستحلال" لم يعرفه سلفنا الصالح، وإنما هو من محدثات جهمية العصر وصنيعهم، ليقرروا أن الاجتراء على معاصي الله ظاهراً مهماً بلغت درجته من الاطمئنان والتحسين والاستحلال أو الدعوة إليها، فهو لا يعتبر كفرً ما لم يقرن بالاستحلال القلبي!!، وبالتالي فإن الحكام الذين يستحلون الحكم بغير ما أنزل الله في الظاهر وعلى جميع الجوارح، ويروجون له، ويحسنونه، ويفرضونه على الأمة فرضاً، وهم بالمقابل يعرضون عن حكم الله تعالى كلياً .. فهذا كله داخل عندهم في الاستحلال الظاهر الذي لا يكفر صاحبه، ولا يعتبر دليلاً على الاستحلال القلبي مناط التكفير عندهم!!
لذلك فمثل هذا الإطلاق والتقسيم للاستحلال ـ استحلال ظاهر واستحلال باطن ـ له ما بعده، وهو حمال أوجه، ولا يُسلم به، وبخاصة إن استخدم من قِبَل من يُتهم بالإرجاء أو أنه على قول جهم في الإيمان.
(4) قوله بدنا نعيش وغير ذلك من الكلمات الفارغة التي يستشهد بها الشيخ! لا تبرر له الخطأ، ولا تمنع عنه لحوق الوعيد به في الدنيا والآخرة، ولو وقع في الكفر بسببها فهي لا تمنع من تكفيره بعينه، إذ لا تعتبر من موانع التكفير المعتبرة شرعاً.
قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين}النحل: 107. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل، أو البغض للدين، أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظاً من حظوظ الدنيا فآثره على الدين ا- هـ (مجموعة التوحيد: 89).
(5) أرأيت كيف يقيس الكفر على المعصية، والمعصية على الكفر، وكيف يحمل الاستحلال الظاهر العملي للرّبا على الاستحلال الظاهر العملي للحكم بغير ما أنزل الله، فمعصية الربا ـ عند الشيخ ـ كمعصية الحكم بغير ما أنزل الله، ومن يستحل الربا بعمله وعلى جميع جوارحه لا يكفر، وبالتالي من يستحل الحكم بغير ما أنزل الله بعمله وعلى جميع جوارحه لا يكفر!!
أرأيت كيف يكون التلبيس، والتدليس، والتضليل، وكيف يكون القياس الباطل، وتحميل العبارات ما لا تحتمل؟!!
ثم أرأيت كيف استغلت كلمة "استحلال الربا العملي" للتبرير لطواغيت الكفر والحكم استحلالهم الظاهر والعملي للحكم بغير ما أنزل الله، لصرف الكفر عنهم؟!
لذا فلن تلومنا ـ أيها القارئ ـ لو حذرناك من القوم، ومن اصطلاحاتهم المتعلقة بالإيمان والكفر، والوعد والوعيد.
ومن الفوارق بين معصية الحكم بغير ما أنزل الله ومعصية أكل الربا، أن الحكم بغير ما أنزل الله الأصل فيه ـ كما تقدم ـ الكفر، وصرفه إلى ما دون الكفر يكون استثناء ووفق ضوابط وقيود. بينما معصية أكل الربا الأصل فيها أنها معصية غير مكفرة، وحملها على الكفر يكون استثناء لطارئ الاستحلال مجرداً عن أكل الربا وجودواً وعدماً.
ثم أن المرابي أو الزاني أو السارق عن نزوة وشهوة مع اعترافه بالذنب وشعوره بالتقصير والإثم والحرج، وإقراره أنه مستحق للعقوبة على ذلك، لا يقال عنه قد حكم بغير ما أنزل الله كالذين يبت في قضية من القضايا أو يحكم بين طرفين ثم هو بعد التمحيص والتدقيق والمراجعات يصر على أن يحكم بغير ما أنزل الله معاندة ومشاقة الله ولرسوله، يجعل من حكمه قانوناً ملزماً للأمة، فليس الأول كالآخر من حيث صفة الحاكم وصفة الحكم، ومن حيث الوعيد الذي يستحقه كل منهما.
(6) نجيب على هذا السؤال بما يلي:
أولاً: أن طواغيت الحكم المعاصرين المختلف على كفرهم!! ليسوا هم بصفة هذا لحاكم الطيب لذي يحكم بالكتاب والسنة، وبالتالي لا يجوز أن يضرب مثلاً لهم ويعطوا حكمه.
ثانياً: هذا الذي حكم للظالم بحق المظلوم، هل صدر الحكم عنه عن اجتهاده فأخطأ، أو تأويل مستساغ، أو عن نزوة وشهوة، أو عناد وإعراض، وكبر وكره، وجحود واستهانة؟ حيث لا بد من تبيين صفة حكمه في السؤال، لأن لكل صفة وحالة لها حكمها المختلف عن الآخر؛ فالحكام بغير ما أنزل الله ينتقل من الحاكم المأجور لخطئه فيما اجتهد فيه، ما في الحديث المتفق عليه: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر"، إلى الحاكم العاصي الآثم، وعليه يحمل قول أهل العلم "كفر دون كفر". إلى الحاكم الكافر المرتد، وكل بحسب صفة حكمه والسبب الذي دفعه للحكم بغير ما أنزل الله.
(7) هذا المثال، يعني: أن الذي لا يأتي معك على الحق ائت معه على الباطل، وهو يستخدم بهذا المعنى في الشام. والشاهد كيف يطيب للشيخ الاستشهاد بأمثال ظاهرها وباطنها باطل وخطأ؟!
(8) هكذا ورد الكلام في الشريط بصيغة النفي ولعل الصواب "يحكم" من دون أداة النفي"لا" وإلا فإن المعنى لا يستقيم.
(9) من الملاحظ أن الحديث والحوار تتخلله بعض العبارات والكلمات العامية ومن دون مراعاة لقواعد النحو، ونحن رأينا إثباتها كما وردت في الشريط من غير أدنى تصرف.
(10) هكذا من يحاور الشيخ، فهو دائماً ملزم بإحدى الكلمتين: نعم أو لا!!
(11) هذا الكلام لا يصح على إطلاقه؛ حيث لا بد من بيان السبب الذي دعاه إلى الحكم بغير ما أنزل الله، ثم ما هي القضية وصفتها التي حكم فيها بغير ما أنزل الله، وهل لها علاقة بالتوحيد أم لا؟
وعلى ضوء هذا التفصيل المهم جداً يُعطى الحكم الشرعي الذي يستحقه ويناسبه، بحسب صفة مخالفته، وصفة المخالفة التي حكم فيها بغير ما أنزل الله.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن الوهاب رحمهم الله تعالى: تحقيق معنى الآية أن الحكم بغير ما أنزل الله إن كان في الأصل من التوحيد وترك الشرك، أو كان في الفروع ولم يقر اللسان وينقد القلب فهو كفر حقيقي لا إيمان معه كما تقدم عن عكرمة، فأما من اعترف بقلبه وأقر بلسانه بحكم الله ولكنه عمل بضده ظاهراً في الفروع خاصة فليس بكفر ينقل عن الملة، قال طاووس: ليس الحكم في الفروع بغير ما أنزل الله مع الإقرار بحكمه والمحبة له ينقل عن الملة ا- هـ (كتاب توحيد الأخلاق: 141).
فتأمل كيف ميز الحكم بغير ما أنزل الله في الأصول وما له علاقة بالتوحيد، عن الفروع التي هي دون ذلك، حيث أن الأول يكفر، بينما الآخر لا يكفر بشرط إقرار اللسان، وانقياد القلب، وحبه ورضاه لحكم الله الذي وقع في مخالفته، ومن دون ذلك فهو يكفر كالأول.
(12) أي سبب، وما صفته ودوافعه؟! فبيان ذلك ـ كما تقدم ـ شرط لتحديد الحكم الشرعي المناسب الذي يستحقه من وقع في مخالفة حكم الله. فعلام تذكر هذه الأسباب مبهمة غامضة ومجملة من غير تفصيل وبيان؟!
(13) أيُّ سبب الذي تكرر وتجدد وأنت لم تذكر سبباً واحداً لحكمه بغير ما أنزل الله؟!
(14) قوله: مائة مرة .. الخ!!، يعني أن الأمر مفتوح على مصراعيه، ولو تجاوزت المخالفات آلاف المرات، فهذا حكمه حكم من يقع في المخالفة لمرة واحدة!!
وهذا تقرير باطل نسجل عليه الملاحظات التالية:
أولا: أنه كلام متناقض مع ما تقدم من وصفه لهذا الحاكم بأنه يحكم بالكتاب والسنة في عموم حياة الناس، فكيف يفترض فيه انه يتخلف عن الحكم بما انزل الله مائة مرة .. ألف مرة، والى ما لا نهاية .. الخ، وهو من جهة يحكم بالكتاب والسنة ؟!!!
ثانياً: أن الذي يعصي الله مرة يختلف عن الذي يعصي الله مائة مرة، وألف مرة .. الخ، من حيث صفاء القلب وانقياده لأحكام الشريعة، ومن حيث قوة الإيمان وازدياده، فالمرء كلما كثرت معاصيه وذنوبه ـ وبخاصة أن كانت من النوع الذي يكون ألصق بالكفر والكبائر منه إلى الصغائر ـ كلما ضعف إيمانه وعلا قلبه الران حتى يصبح لا يعرف معروفا ولا ينكر منكراً، كما في الحديث الذي يرويه مسلم:"تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير على قلبين: ابيض بمثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر اسود مرباداً ـ أي كلون الرماد من الربدة ـ كالكوز مجخياً ـ أي مائلاً منكوساً ـ لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه".
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة ـ وفي رواية: إذا أذنب ذنباً ـ نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُون}".
فإن بلغت معاصيه درجة الكفر عنه مطلق الإيمان، لكن يبقى الباب مفتوحاً لتراكم الران حتى ينتقل بصاحبه من مرحلة الكفر المجرد إلى مرحلة الكفر المغلط، والردة المغلطة، وهي أشد وأغلظ من الردة المجردة والكفر المجرد.
فتكرار الكفر مئات المرات!! يختلف عمن يكفر مرة واحدة ـ وإن كان كلاهما يشتركان في صفة خروجهما من دائرة الإسلام ـ من حيث قبول التوبة والجزاء والوعيد لكل منهما.
ثالثاً: إن الاسترسال في المعاصي والاستهانة بها قد تؤدي إلى ما هو أعظم منها، كما يقول أهل العلم: فالاستهانة بالصغائر والإكثار منها قد تؤدي بصاحبها إلى الوقوع في الكبائر، والإكثار من الكبائر والاستهانة بها قد تؤدي إلى لكفر والعياذ بالله.
فتأمل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مدمن خمر كعابد وثن" وقوله: "لا يدخل الجنة مدمن خمر"[1]، ومثل هذا الوعيد الشديد لا يكون بحق من يشرب الخمر مرة أو مرتين؛ لأن الإدمان على الشيء غالباً ما يتبعه استحسان لهذا الشيء ويحصل له من الانقياد ما لا يحصل لغيره، ولربما يصل الحال بصاحبه إلى أن يوالي ويعادي عليه، ويقاتل في سبيله المخدرات، وتكون المخدرات بالنسبة لهم محور اهتماماتهم وحياتهم، ولا شك في أن المرء إذا وصل به الإدمان إلى هذه المرحلة فإن الحديث يحمل عليه على ظاهره المكفر والمخرج له عن الملة.
وكذلك الزاني عندما يزني أول مرة، تراه يقع في الندم والحرج الشديدين لوقوعه في الذنب، فإن عاد وزنى ثانية يقل عنده الحرج، وهكذا في الثالثة والرابعة حتى ينعدم عنده مطلق الحرج والندم، وينتقل الحرج عنده ـ مع التكرار ـ إلى سرور واستحسان لما يصنع، ولربما يصل به الفجور إلى أن يباهي الآخرين بفجوره وبما يصنع، ويعتبر ذلك من حقوقه الشخصية التي لا دخل لأحد فيها، فيقع بذلك في الكفر البواح!
ونحوه الذي لا يحكم بما أنزل الله مرة أو مرتين في مسألة أو مسألتين، من حيث تحقيق الاستهانة بحكم الله، وحصول الاستحسان للحكم بغير ما أنزل الله، والجرأة على المخالفة والمشاقة، وضعف الانقياد لحكم الله تعالى، فهما لا يستويان من جميع هذه الأوجه والخصال، وبالتالي فإن المسرف في المخالفة لحكم الله تعالى يكون أقرب إلى الكفر من الآخر إن لم يكن قد وقع فيه.
رابعاً: إن الذي لا يحكم بما أنزل الله في الظاهر، أو يغلب عليه الحكم بغير ما أنزل الله، فهو لا يكون في باطنه منقادا محبا لحكم الله تعالى، فإن فساد الظاهر دليل على فساد الباطن، ولو صلح الباطن للزمه صلاح الظاهر لا محالة.
كما في الحديث الصحيح: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".
فلا يجوز أن نفترض ظاهراً فاسداً على الإطلاق يقارنه باطن مؤمن منقاد لحكم الله ورسوله، قال ابن تيمية في الفتاوى (14/120): فمن قال: أنه يصدق الرسول ويحبه ويعظمه بقلبه ولم يتكلم قط بالإسلام ولا فعل شيئاً من واجباته بلا خوف، فهذا لا يكون مؤمناً في الباطن وإنما هو كافر، وزعم جهم ومن وافقه أنه يكون مؤمناً في الباطن وأن مجرد معرفة القلب وتصديقه يكون إيماناً يوجب الثواب يوم القيامة بلا قول ولا عمل ظاهر، وهذا باطل شرعاً وعقلً، وقد كفر السلف كوكيع وأحمد وغيرهما من يقول بهذا بما أنزل الله.
وعليه فإن هذا الذي يتكرر منه الحكم بغير ما أنزل الله آلاف المرات، ولا ينقاد في ظاهره للحكم بما أنزل الله في عموم حياته وحياة الناس، لكنه في مسألة أو مسألتين يتخلف فيهما عن الحكم بما أنزل الله فإن دائرة التأويل وتحسين الظن تسعة.
 


[1] انظر صحيح سنن ابن ماجة: "2720" و "2721".

   
F ¥ E