ـ
تابع: الشيخ ناصر: متى أستطيع أن
أقول بأن حكمه هذا يدينه بأنه كفر ردة وليس كفر عمل فقط، إذا بدا
منه ما يُنبي عما وقر في قلبه(1)!!، إذا بدا منه شيء
عما وقر في قلبه، وهو أن هذا الحكم لا يصلح الحكم به بالرغم انه
مما أنزل الله، هنا يقال بأن كفره كفر ردة(2)!!.
فلا نعود ـ لعلنا نلتقي ـ أن هذا الذي اتخذ نظاماً قد يكون سبب قول
القائلين: أن هذا كفر ردة، هو أنهم اتخذوا نظامه دليلاً على ما وقر
في نفسه بأن الحكم في الإسلام لا يصلح(3)!!
أنا أقول: إن صح حكمهم أو استنباطهم، فيكون هذا حكماً صحيحاً
مطابقاً للكفر الإعتقادي.
إذاً مناط الحكم والبحث، والتفريق بين كفر وكفر وهو أن ننظر إلى
القلب(4)!! فإن كان القلب مؤمناً والعمل كافراً،
فهنا يتغلب الحكم لمستقر في القلب على الحكم المستقر في العمل(5)!!،
أما إذا كان ما في القلب مطابق للعمل، أي هو لا يقر هذا الحكم الذي
جاء به الشرع، إما إعراباً وإفصاحاً بلسانه، أو تعبيراً بلسان
حاله، يعني التعبير قد يكون بلسان القال أو بلسان الحال، إذا كان
تعبيره عن كفره القلبي بلسان القال انتهى الموضوع(6)،
أما إذا كان بلسان الحال، هنا لسان الحال قد يقبل الجدال(7)،
فماذا تقول الآن بمثل هذا التفصيل(8)!!.
وألخص ما سبق: الكفر العملي الذي قد يكون كفراً اعتقادياً كما قلت
في جوابك، هذا لا بد أن يكون مربوطاً بالكفر الإعتقادي(9)
أما كفر عملي وهو حكمه كالكفر الإعتقادي أي مرتد عن الملة وهو مؤمن
بقلبه(10)، هذا لا وجود له في الإسلام .. الآن تفضل ما
عندك.
- سامي: نحن ما نعتقده أن هناك كفراً عملياً يخرج من الملة بغض
النظر عن الاعتقاد كان مؤمناً أو كان غير مؤمناً(11)،
لنا في ذلك سلف: منهم ابن تيمية شيخ الإسلام في الفتاوى(12).
- الشيخ: بدنا أدلة!(13).
- سامي: {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ
كَلِمَةَ الْكُفْر}التوبة: 74(14).
- الشيخ: اسمح لي يا أخي رجعت إلى قولي، قلت لك آنفاً: الكفر
الإعتقادي الذي مركزه القلب، إما أن يدل عليه لسان القال أو لسان
الحال، فأنت تحتج بالآية: {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْر}
سبحانه الله هذا لي(15)!!
- سامي: الله -عز وجل- ما بين أنهم استحلوا أو لم يستحلوا، الله
-عز وجل- أطلق ..!
- الشيخ: يا أخي الله يهديك، عما قلك بلسان عربي مبين: المؤمن بما
تحكم على إيمانه(16)، أليس بقوله؟
- سامي: نعم(17)!
- الشيخ: طيب، والكافر بما تحكم عليه؟ بقوله، وأنا معك، وأنا
سبقتك، فالكفر الذي وقر في القلب نحن ما نصل إلى القلب، لكن نتخذ
طريقاً للوصول إلى ما في القلب أحد طريقين إما القال وهذا لسان
القال، وإما لسان الحال(18)، تفرق معي بين الأمرين،
فأنت الآن تحتج بالآية، فالآية حجة لي(19)!!
- سامي: هذا بِغَضِّ النظر لو كان مؤمن أو غير مؤمن(20)،
لمجرد شتمه لله فقد كفر.
- الشيخ: طيب، هل يقتل؟
- سامي: نعم يقتل.
- الشيخ: لا يستتاب؟
- سامي: على خلاف بين العلماء.
- الشيخ: ما هو الراجح؟
- سامي: الراجح أنه لا يقتل(21).
- الشيخ: طيب الذي أعلن الردة عن دينه، يستتاب؟
- سامي: يستتاب(22).
- الشيخ: الذي أعلن الردة عن دينه؟ "من بدل دينه فاقتلوه" يستتاب؟!
- سامي: نعم يستتاب.
(1) تأمل كيف أن الشيخ يحصر الكفر في القلب، وأن كفر العمل
الظاهر مهما كان بواحاً فإنه لا يراه كفراً مخرجاً عن لملة، وهو
نفس قول جهم ومن تابعه من غلاة المرجئة الذين حصروا الكفر في القلب
والاعتقاد، وهو من جهة يتضمن رداً لقواعد الشريعة التي تنص على
اعتبار الظاهر في الكفر والإيمان وعلى علاقة الظاهر بالباطن وأثر
كل واحد منهما على الآخر، وقد تقدمت الإشارة إلى هذه القواعد، وفي
أكثر من موضع ما يغني عن الإعادة هنا.
(2) نسجل على هذا الكلام الملاحظتين التاليتين:
أولاً: أن طواغيت الحكم المعاصرين الذين تكثرون الجدال عنهم، قد
بدر منهم هذا القول وما هو أشد منه وأصرح في الكفر، كوصفهم للشريعة
الربانية بأنها رجعية ومتخلفة لا تحقق متطلبات العصر، وأن الدين
أفيون الشعوب، وليس له دخل وعلاقة في شؤون السياسة والحكم، ووصفهم
للدعاة إلى الله على أنهم دعاة ظلام، يريدون أن يعودوا بالأمة إلى
عهد الظلام والتخلف، إلى عهد قطع يد السارق ورجم الزاني المحصن
وغير ذلك من عبارات الكفر البواح التي نسمعها منهم، ونلاحظها عبر
وسائلهم الإعلامية المختلفة، وهي لا تخفى إلا على كل من أعمى بصره
وبصيرته عنهم بحجة عدم الاشتغال بفقه الواقع، الذي يعتبر في نظر
القوم من البدع والمحدثات[1]!!
والسؤال: علام تمسكون عن تكفيرهم، وتكثرون الجدال عنهم، وتتوسعون
في التأويل لهم، وقد أتوا بشرطكم ـ وزادوا عليه أضعافاً مضاعفة ـ
للتكفير؟!!
ثانياً: تقييد كفر الحكام
كفر ردة واعتقاد بصيغة معينة، وهي أن يقولوا أن حكم الله لا
يصلح، هو تقييد لا يصلح وهو من التقول على دين الله بغير علم.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ:
كفر الحاكم بغير ما أنزل الله كفر اعتقاد ناقل عن
الملة، هو أنواع:
أحدها: أن يجحد[2] الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله
ورسوله، وهو معنى ما روي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير أن ذلك هو
جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل
العلم، فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم أن من جحد أصلاً من
أصول الدين أو فرعاً مجمعاً عليه، أو أنكر حرفاً مما جاء به الرسول
-صلى الله عليه وسلم- قطعياً فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة.
الثاني: أن لا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كون حكم الله ورسوله
حقاً، لكن أعتقد أن حكم غير الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحسن من
حكمه، وأتم وأشمل[3]، لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند
التنازع، إما مطلقاً أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت
عن تطور الزمان وتغير الأحوال، وهذا أيضاً لا ريب أنه كفر.
الثالث: أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلاً لحم
الله ورسوله، فضلاً عن أن يعتقد كونه أحسن منه، لكن اعتقد جواز
الحكم[4] بما يخالف حكم الله ورسوله، فهذا كالذي قبله.
الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه
وكشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية إعداداً وإمداداً
وإرصاداً وتأصيلا وتفريعاً، وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً
ومراجع ومستندات. فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات ومرجعها
كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فلهذه المحاكم
مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون
الفرنسي، والقانون الأميركي، والقانون البريطاني، وغيرها من
القوانين.
فهذه المحاكم في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة، مفتوحة
الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حاكمهم بينهم بما
يخالف حكم السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به، وتقرهم
عليه، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة
بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة.
السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي
ونحوهم، من حكايات آبائهم وأجدادهم، وعادتهم التي يسمونها "سلومهم"
ويتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به ويحضون على التحاكم إليه عند
النزاع، بقاء على أحكام الجاهلية، وإعراضاً ورغبة عن حكم الله
ورسوله طواغيت الحكم (رسالة تحكيم القوانين).
قلت: ومن يتأمل واقع طواغيت الحكم المعاصرين ـ المختلف على كفرهم!!
ـ يجد أنم يتصفون بجميع الأنواع الستة المكفرة التي ذكرها الشيح في
رسالته القيمة، وهم يزيدون عليها نوعاً آخر مكفراً ناقلاً لصاحبه
عن الملة، وهو استهانتهم وتهكمهم واستهزائهم بشرع الله، وما
يفعلونه في مجالسهم النيابية الطاغوتية من تصويت على شرع الله،
وتقديمهم لحكم الأكثرية على حكم الله إلا ضرب من ضروب التهكم
والاستهانة والاستهزاء بشرع الله وحكمه.
ونوعاً آخر، وهو محاربتهم واضطهادهم لمن يطالبهم بالحكم بما أنزل
الله، إمعاناً في رفضهم وردهم لحكم الله ورسوله.
ونوعاً آخر، وهو كرهم الظاهر لشرع لله والعمل به. وهو كفر مخرج عن
الملة لذاته ولو جاء مجرداً عن الاعتقاد أو الجحود، كما قال تعالى:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ
. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ
أَعْمَالَهُمْ}محمد: 8-9. فعلل كفرهم وحبوط أعمالهم لكرههم ما أنزل
الله. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم
مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ
لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ
كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ
الأَمْرِ}محمد: 25-26. فهؤلاء كفروا وارتدوا لأنهم قالوا للذين
كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر، فيكون الذين كرهوا ما نزل
الله أولى بالكفر والارتداد، وكفرهم أغلط وأشد.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: من أعظم نواقض الإسلام عشرة، منها:
من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولو عمل به،
كفر إجماعاً، والدليل قوله تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله
فأحبط أعمالهم) ا- هـ.
إذ لو كان هؤلاء الحكام محبين لشرع الله ـ وهو شرط لصحة الإيمان ـ
لانقادوا له وعملوا به بأي وجه من الوجوه، ولكن لما انتفى الانقياد
والعمل كان دليلاً على انتفاء الحب الدال على ضده وهو الكره والبغض
كما قال: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللّه}آل عمران: 31.
فهذه خصال الكفر كلها متوفرة فيهم، ويلاحظها عليهم القاصي والداني،
ومع ذلك فجهمية العصر لا يرون كفرهم، ولا يزلون يتأولون لهم لأنهم
حتى الآن ـ كما زعموا ـ لم يتمكنوا من الدخول إلى قلوبهم ليعرفوا
هل كفروا في قلوبهم أم لا!
ومن خلال ما تقدم يعلم بطلان تقييد الشيخ لكفر الحاكم كفر اعتقاد
وردِّة وهو بأن يصرح أن حكم الله لا يصلح، فقط ومن دون النظر إلى
الأنواع الأخرى المكفرة.
ثم لنا تعليق آخر على شرط الشيخ المتقدم لكفر الحاكم فنقول: ما
قولك ـ يا شيخ ـ في حاكم يصرح بهذه المقولة ـ التي اعتبرتها شرطاً
لكفر الحاكم كفر ردة ـ على وجه اللعب أو العبث، أو العناد لأهل
الحق، وهو في قلبه يعتقد بخلافها؟
فإن قلتم: هو كافر، فقد كفرتم بغير موجب إلا إذا اعتبرتهم الظاهر
علة للتكفير وإن جاء مجرداً عن الاعتقاد.
وإن قلتم: فهو غير كافر لسلامة اعتقاده، قلنا: كيف لكم السبيل إلى
اعتقاده وقلبه، وأنتم لم تعتبروا ظاهره دليلاً عليه؟!!
(3) تأمل للمرة الثانية يحصر الشيخ العلة لكفر الحاكم في أن يصرح
أن حكم الإسلام لا يصلح، فإن لم يبدر منه ذلك، فهو في سعة من أمره،
وساحة التأويل تسعه مهما أظهر من الكفر البواح الظاهر!!، وقد تقدمت
أقوال العلماء في صفة كفر الحكم بغير ما أنزل الله كفراً أكبر ما
يغني عن الإعادة هنا، والتي تدل على خلاف ما ذهب إليه الشيخ.
(4) كيف تنظر إلى القلب، وأنت ـ شرعاً ـ لم تؤمر بشق القلوب والنظر
فيها، كما في الحديث الذي يرويه مسلم: "إني لم أؤمر أن أنقب عن
قلوب الناس ولا أشق بطونهم".
وكذلك الأثر الذي يرويه البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب -رضي
الله عنه-، حيث يقول: إن ناساً يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله
-صلى الله عليه وسلم-، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما
ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيراً، أمناه وقربناه وليس لنا من
سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه
ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة.
قال ابن تيمية في (الصارم: 34) وذلك لأن الإيمان والنفاق أصله في
القلب، وإنما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه، فإذا
ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه ا- هـ.
ومن جهة أخرى فإن معرفة ما في القلوب هي من خصائص علام الغيوب،
وليس من خصوصياتك ولا خصوصيات غيرك من البشر، ورحم الله امرأ عرف
حده فوقف عنده.
(5) كيف يجوز لك أن تعتبر القلب مؤمناً والعمل الظاهر كافراً،
ونصوص الشريعة دلت على علاقة الظاهر بالباطن وعلى أثر كل منهما على
الآخر في الكفر والإيمان، فإن كان القلب مؤمناً منقاداً محباً
لخالقه، ظهرت آثار ذلك على الجوارح لا محالة، ومن المحال أن يظهر
ضده وخلافه؟!
قال ابن تيمية رحمه الله: فإذا كان فيه ـ أي القلب ـ معرفة وإرادة
سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده
القلب، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح:
"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت
فسد لها سائر الجسد إلا وهي القلب".
فإذا كان القلب صالحاً بما فيه من الإيمان علماً وعملاً قلبياً،
لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق، كما
قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر،
والظاهر تابع للباطن لازم له متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد
فسد؛ ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلي العابث؛ لو خشع قلب
هذا لخشعت جوارحه.
وقال: وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له لزم ضرورة أن يتحرك
البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة، فما يظهر
من البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه، ودليله
ومعلومه، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضاً
تأثير فيما في القلب، فكل منهما يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل
والبدن والفرع له أيضاً، والفرع يستمد من أصله والأصل يثبت ويقوى
بفرعه؛ كما في الشجرة التي يضرب بها المثل لكلمة الإيمان، قال
تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً
طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي
السَّمَاء . تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}،
وهي كلمة التوحيد، والشجرة كلما قوي أصلها وروي قويت فروعها،
وفروعها أيضاً إذا اغتذت بالمطر والريح أثر ذلك في أصلها.
ولما كانت الأقوال والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال
والأعمال الباطنة، كان يستدل بها عليها، كما في قوله تعالى: {لَا
تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا
آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ
عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ
وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْه}. فأخبر أن من كان مؤمناً بالله
واليوم الآخر لا يوجدون موادين لأعداء الله ورسوله، بل نفس الإيمان
ينافي مودتهم ا- هـ (الفتاوى: 7/187 و 541).
وبعد: فإذا علم أن الشيخ يقول بقول جهم في الإيمان ويؤصل له، بطل
العجب من قوله بإيمان القلب مع كفر الجوارح الظاهرة، وانتفاء مطلق
الانقياد الظاهر لأحكام الشريعة.
(6) واضح أن الشيخ يشترط للتعبير بلسان القال عن الكفر أن يكون
دالاً على الكفر القلبي، وبالتالي فإن أي تصريح بالكفر بلسان القال
لا يعتبر دليلاً على الكفر الإعتقادي القلبي إلا إذا تضمن هذا
التصريح تعبيراً صريحاً عن اعتقد الكفر بالقلب، وما سوى ذلك فساحة
التأويل تسعه مهما كان لسان القال صريحاً بالكفر، ولا أدل على ذلك
من اعتباره الشاتم لله ولرسوله بالسب الصريح ليس كفراً إلا إذا قال
أنا أقصد الشتم من قلبي! وقد تقدم كلامه في ذلك والرد عليه.
(7) لسان الحال يقبل الجدال عند الشيخ ومن تابعه من جهمية العصر
وغلاة المرجئة، لان لسان الحال في الغالب لا يستطيع أن يوفي بشرط
الشيخ، وهو أن يكون دالاً دلالة صريحة على اعتقاد الكفر في القلب،
لذلك فهو يقبل عندهم الجدال والصرف والتأويل مهما كان ظاهره يدل
على الكفر البواح!!.
فالعلة عندهم للتكفير تكمن في القلب لا غير، وبالتالي فأي كفر ظاهر
مهما كان بواحاً لا يدل دلالة صريحة على كفر القلب فهو ليس بكفر
عندهم!!
(8) رأيُنا بهذا التفصيل أنه تقعيد وتأصيل لعقدية "جهم" في الإيمان
ومن تابعه من غلاة المرجئة، الذين حصروا الإيمان في الاعتقاد
القلبي من غير عمل، فلزمهم أن يحصروا الكفر في الاعتقاد القلبي
وتكذيبه!
وطلبنا منك يا شيخ أن تتقي الله في نفسك وفيمن يسمعون منك ـ وما
أكثرهم ـ فيأخذون عنك ـ من غير تبصر ولا دراية!! ـ ما هب ودب، وما
أخطأت فيه وما أصبت، ومن دون أن يردوه إلى نقل أو عقل صحيح!
(9) قد تقدم أن من الكفر ما يكون مجرداً من الاعتقاد، ولو جاء
مقروناً بالاعتقاد، فهو يعتبر كفر لذاته؛ كالاستهزاء، ومجالسة
المستهزئين بالدين، والشتم والطعن والإعراض، وإرادة التحاكم إلى
الطاغوت، وترك الصلاة، وكالسجود للصنم وغير ذلك من الأعمال التي
تقدم الحدي عنها بأدلتها ما يغني عن الإعادة هنا.
(10) يوجد فرق ـ يا شيخ !! ـ بين الاعتقاد القلبي المنافي للتكذيب،
وبين الإيمان الذي ينفع صاحبه يوم القيامة، كما ويوجد فرق بين أثر
الكفر الظاهر على الاعتقاد والتصديق وبين أثره على الإيمان الذي
يدخل صاحبه الجنة.
ولا يوجد خلاف أن الكفر الظاهر البواح المخرج من الملة ينفي عن
صاحبه مطلق الإيمان الذي ينفع صاحبه يوم القيامة، كما قال تعالى:
{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ
الْخَاسِرِينَ}الزمر: 65. وقال: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ
عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}الأنعام: 88. ولكن هل هذا الكفر
الظاهر المخرج عن الملة يستلزم أن يكون معقوداً في القلب، أو أنه
ينفي التصديق من القلب والجواب: أنه لا يستلزم، وعلى هذا حصل
الخلاف والجدال.
وقد تقدم أن اليهود وغيرهم من المشركين قد كفروا بنبوة محمد -صلى
الله عليه وسلم- في الظاهر، مع تصديقهم له في الباطن، وإقرارهم له
في أنفسهم أنه نبي مرسل، وأن ما جاء به من عند ربه هو الحق، ولكن
الذي منعهم من الاستسلام الظاهر للشريعة هو الحسد والغيرة والكبر.
وبالتالي فإن الخلط بين أثر الكفر الظاهر على الإيمان وبين أثره
على الاعتقاد والتصديق، هو من التلبيس والتضليل، وتمييع للحقائق،
ولكن هي لا تمر ولا تخفى على من يعرف بدهيات التوحيد من المؤمنين.
(11) لا يصح أن يقول: كان مؤمناً أو كان غير مؤمن، والصواب أن
يقول: سواء كان يعتقد هذا الكفر في قلبه أو كان لا يعتقد، لأنه لا
يجوز افتراض الكفر البواح الظاهر مع وجود الإيمان النافع في
الباطن؛ للعلاقة المتبادلة بين الظاهر والباطن، وأثر كل منهما على
الآخر.
(12) يقاطع الأخ ويمنع من إتمام كلامه ..!!
(13) وكأن ابن تيمية ـ رحمه الله ـ يقرر في مسائل الإيمان والتوحيد
من دون الأدلة!! وكان الإنصاف والأدب مع أئمة العلم والسنة ـ كشيخ
الإسلام ابن تيمية ـ يقتضيان أن يسمع ماذا يقول ابن تيمية، وما هو
دليله على ما يقول، فإن كان حقاً أخذناه وقبلناه، وإن كان غير ذلك
رددناه.
وبخاصة أن ابن تيمية يعتبر علم من أعلام السنة الذين لهم الفضل
والأثر الكبيرين على الأمة وجميع المسلمين، وهو من القلة الذين
تأثر بهم الشيخ ناصر وبمنهجهم وفكرهم!
ثم علام نرى القوم يستشهدون بابن تيمية، ويعظمون أقواله في مواضع
هم يريدونها، وفي مواضع أخرى ـ كالإيمان والتوحيد، والجهاد والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ـ يكفرون علمه، ويعمون العين عنه،
ويقللون من شأنه وشأن قائله كما هو الحال في مسألتنا مع الشيخ؟!!
ومن غرائبهم في ذلك أنهم في كتابهم السلفي الأثري ـ كما زعموا ـ
"إحكام التقرير في مسائل التكفير" تراهم يكثرون الاستشهاد بأبي
حامد الغزالي، وابن رشد، والفخر الرازي وغيرهم ممن عليهم مقال، على
مسائل الإيمان والكفر لما رأوا في أقوالهم انتصاراً لمذهبهم في
الإيمان، بينما في المقابل يعمون العين عن مقالات ابن تيمية وغيره
من أعلام السنة والتوحيد ممن لهم مفصل ومحكم في المسألة، إلا في
مواضع قليلة وعلى استحياء اقتطفوا لهم عبارات وبطريقة تخدم
تقريراتهم وضلالاتهم!!
(14) يقاطع الأخ، ويمنع من تكملة الآية..!!
(15) بل الآية هي عليك وليست لك، فأنت قيدت لسان القال في أن يدل
على الكفر القلبي، وفي حال لم يدل على الكفر القلبي، لا يعتبر لسان
القال كفراً أو دليلاً على الكفر مهما جاء الكفر فيه صريحاً!
والآية ليس فيها أدنى إشارة إلى القلب أو إلى اعتقاد الكفر في
القلب، لا من قريب ولا من بعيد، ولم يقل الله تعالى: ولقد اعتقوا
كلمة الكفر، وإنما قال: {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْر}
وبذلك كفروا بعد إسلامهم. ومهما قيل في سبب نزول الآية، فكلمة
الكفر لا تعدو أن تكون سباً للنبي -صلى الله عليه وسلم- وطعناً في
الدين.
قال القشيري: كلمة الكفر سب النبي -صلى الله عليه وسلم- والطعن في
الإسلام: {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} أي بعد الحكم
بإسلامهم ا- هـ (تفسر القرطبي: 8/206).
وأنت يا شيخ لا تعتبر سب النبي -صلى الله عليه وسلم- كفراً لذاته
إلا إذا جاءت قرينة لفظية بلسان القال تدل على اعتقاد السب والكفر
في القلب، وهذا ما تجده في الآية فبطلت أن تكون حجة لك، ولم يبق
سوى أنها حجة عليك.
(16) والأصح: أن يقال إسلامه بدلاً من إيمانه، لأن المنافق قد يأتي
بالقول الذي يدخل الإسلام الذي يعصم دمه، ولكن لا يدخله الإيمان
الذي ينجيه يوم القيامة أو ينفعه، هو في الآخرة في الدرك الأسفل من
النار، ومثل هذا لا يقال له مؤمن.
لأن الحكم على المرء بالإيمان يستلزم له بالجنة، بينما الحكم له
بالإسلام لا يستلزم دائماً الحكم له بالجنة لاحتمال النفاق، كما
قال تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا
وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا}الحجرات: 14.
(17) والصواب أن يقال: بقوله وعمله كالصلاة، فمن أتى بالصلاة وعرف
بها يشهد له بالإسلام من دون أن يطالب بالقول، كما في الحديث الذي
يرويه البخاري في صحيحه: "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل
ذبيحتنا، فذاك المسلم له ذمة الله وذمة رسوله".
وقد نقل الإمام إسحاق بن راهويه الإجماع على أن الصلاة تجزئ عن
الإقرار باللسان، ولم يحكموا له في الصوم والزكاة بمثل ذلك. (تفسير
القرطبي: 8/2047).
(18) تأمل فإن لسان القال ولسان الحال لا اعتبار لهما في التكفير
مهما كان الكفر فيهما بواحاً، ما لم يدلا على ما وقر في القلب من
الكفر دلالة صريحة، فإن جرداً هذه الدلالة، فإنهما تعتبران من
الكفر العملي غير المخرج عن الملة، مهما كان الكفر فيها ظاهراً
وبواحاً!!
وهم بهذا الشرط الذي جعلوه قيداً وعلة للتكفير لا يستطيعون أن
يكفروا إبليس اللعين، ولا أحداً غيره من الكافرين إلا إذا صح لهم
بعظمة لسانه أنه يعتقد الكفر ويستحله في قلبه!!
(19) قد تقدم أن الآية شاهد على الشيخ وليس له كما يزعم، لأنها لم
تستوف الشرط الذي اشترطه للتكفير، وهو أن يكون الكفر بلسان القال
دليلاً صريحاً على الكفر القلبي، وهذا ما لم يجده في هذه الآية ولا
في غيرها من الآيات.
(20) والصواب أن يقال ـ كما تقدم ـ لو كان معتقداً أو غير معتقد ..
(21) ليس بهذا الاقتضاب، والتفصيل يقتضي بيان
أن شاتم الرسول -صلى
الله عليه وسلم- يقتل حداً وكفراً ولا يستتاب، وكذلك من يتكرر شتمه
لله -عز وجل-، وكان الشتم بالنسبة له عادة، ولا يتورع من الشتم
لأتفه الأسباب، فهذا أيضاً الراجح فيه أن يقتل ولا يستتاب، وقد
تقدم ذكر الأدلة وأقوال أهل العلم في المسألة.
(22) على تفصيل، فالمرتد يستتاب إلا إذا كانت ردته مغلظة، وهو الذي
يتبع ردته شتماً للنبي -صلى الله عليه وسلم- وحرباً للإسلام
والمسلمين ونحو ذلك، فالسنة فيه أن يقتل ولا يستتاب كما فعل النبي
-صلى الله عليه وسلم- مع النفر من عكل، وكذلك موقفه من ابن خطل حيث
أمر بقتله وهو متعلق بأستار الكعبة ينشد التوبة والأمان، وذلك لما
كان منه من الأذى الزائد على مجرد الكفر والردة.
قال ابن تيمية في الفتاوى (20/103): ويفرق في المرتد بين الردة
المجردة فيقتل إلا أن يتوب، وبين الردة المغلطة فيقتل بلا استتابة
ا- هـ.
ونحوه الزنديق ـ وهو المنافق الذي يظهر نفاقه وكفره، كشأن طواغيت
الحكم المعاصرين حيث يظهرون إسلامهم من وجه ومن أوجه أخرى يظهرون
الكفر البواح ـ فالراجح فيه أيضاً أن يقتل ولا يستتاب، لأن
الاستتابة تكون من شيء والزنديق عادة لا يعترف بما يظهر منه من
الكفر البواح لكي يتوب أو يستتاب منه.
قال ابن القيم: ومما يدل على أن توبة الزنديق بعد القدرة لا تعصم
دمه، قوله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى
الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ
اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا}التوبة: 52. قال
السلف في الآية: أو بأيدينا أي بالقتل، إن أظهرتم ما في قلوبكم.
وهو كما قالوا؛ لأن العذاب على ما يبطنونه من الكفر بأيدي المؤمنين
لا يكون إلا بالقتل، فلو قبلت توبتهم بعد ما ظهرت زندقتهم لم يكن
المؤمنون أن يتربصوا بالزنادقة أن يصيبهم الله بأيديهم، لأنهم كلما
أرادوا أن يعذبوهم على ذلك أظهروا الإسلام فلم يصابوا بأيديهم قط
ا- هـ (أعلام الموقعين: 2/144).
[1] يقول محمد شقرة في كتابه "هي السلفية!!": إن
فقه الواقع الذي يدندن حوله بعض الدعاة، ما هو إلا نافلة من نوافل
الفقه إن قلنا بمشروعيتها العلمية، إن جاز التعبير، بل إنه أقرب
إلى أن يكون من الترف المعرفي الذي شغف به طوائف من مثقفي العصر ا-
هـ. وانظر رسالة فقه الواقع للشيخ ناصر.
[2] قد تقدم أن الجحود قد يكون بالظاهر دون الباطن، كما قال تعالى
عن الكفار: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ
ظُلْمًا وَعُلُوًّا}النمل: 14. وهذا أيضاً لا خلاف على كفره،
وبالتالي فإن تعلق جهمية العصر بأن الجحود المكفر يراد منه جحود
الباطن والقلب فقط، هو تعلق باطل ولا يصح.
[3] هذا النوع من الكفر ـ وهو تحسين الحكم بغير ما أنزل الله
وتفضيله ورفعه على حكم الله ـ قد وقع فيه طواغيت الحكم وقوعاً
ظاهراً لا يخفى على أحد، وتحسينهم للنظام الديمقراطي وتفضيلهم له
على سائر الأنظمة، الذي يقرر حكم الشعب، وحكم الأكثرية التي لا
يجوز أن يعلوها ويفضلها ـ في نظر الطواغيت ـ حكم آخر، ولو كان حكم
الله، لهو أمر مشاهد على مدار الساعة، ومعروف لدى القاصي والداني،
والجاهل والعالم.
[4] ومن يتأمل قوانين الأنظمة الوضعية ودساتيرها التي ترعاها
طواغيت الحكم، يجدها مليئة بالتقريرات والعبارات التالية: يجوز ولا
يجوز، ويجب ولا يجب .. وكل ذلك بغير سلطان من الله تعالى. |