الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
تهذيب شرح العقيدة الطحاوية
من مقدمة الشارح، الإمام ابن أبي العز الحنفي
  وكلما بعد العهد ظهرت البدعُ، وكثر التحريف الذي سماه أهلُه تأويلاً ليقبل، وقَلَّ من يهتدي إلى الفرق بين التحريف والتأويل، إذ قد سُمي صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله اللفظ في الجملة تأويلاً! وإن لم يكن ثَمَّ قرينة تـوجـب ذلك، ومـن هـنا حصل الفساد، فإذا سموه تأويلاً قُبل وراج على من لايهتدي إلى الفرق بينهما(1).
فاحتاج المؤمنون بعد ذلك إلى إيضاح الأدلة، ودفع الشُّبـَه الواردة عليها، وكَثُرَ الكلامُ والشغب، وسبب ذلك إصغاؤهم إلى شبه المبطلين، وخوضهم في الكلام المذموم الذي عابه السلف، ونَهَوا عن النظر فيه، والإشتغال به، والإصغاء إليه، امتثالاً لأمر ربهم، حيث قال: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتِنَا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيرِه} الأنعام: 68. فإن معنى الآية يشمَلُهم.
وكلٌّ من التحريف والإنحراف على مراتب، فقد يكون كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون معصيةً، وقد يكون خطأً(2).فالواجب اتباعُ المرسَلين، واتباع ما أنزله اللـهُ عليهم. وقد ختمهم اللـه بمحمد -صلى الله عليه وسلم- ، فجعله آخر الأنبياء، وجعل كتابه مهيمناً(3) على مابين يديه من كتب السماء، وأنزل عليه الكتابَ والحكمة، وجعل دعوتَه عامَّة لجميع الثقلَين: الجنِّ والإِنـس، باقية إلى يوم القيامة، وانقطعت به حجَّـةُ العبـاد علـى اللـه(4)، وقـد بين الله به كل شيءٍ(5)، وأكمل له ولأمته الدين خبراً وأمراً(6)، وجعل طاعته(7) طاعةً له، ومعصيتَه معصيَةً له، وأقسم بنفسه أنهم لايؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم(8)، وأخبر أن المنافقين يريدون أن يتحاكموا إلى غيره(9)، وأنهم إذا دعو إلى الـلـه والرسول -وهو الدعاء إلى كتاب اللـه وسُنَّـةِ رسُوله- صَدُّوا صُدوداً، وأنهم يَزعمون أنهم إنما أرادوا إحساناً وتوفيقاً(10)!
كما يقوله كثير من المتملِّكَةِ والمتأمِّرة(11): إنما نريد الإحسان بالسياسة الحســنـــة(12)، والتوفيق بينهما وبين الشريعة، ونحو ذلك.
وكل من طلَب أن يُحَكِّمَ في شيءٍ من أمر الدين غيرَ ما جاء به الرسول، ويظنُّ أن ذلك حسن، وأن ذلك جمعٌ بين ما جاء به الرسول وبين ما يُخالِفه، فله نصيب من ذلك(13) بل ما جاء به الرسول كافٍ كامل، يدخل فيه كلُّ حقٍّ، وإنما وقع التقصير من كثير من المنتسبين إليه، فلم يعلموا ما جاء به الرسولُ في كثيرٍ من الأمور الكلامية الاعتقادية، ولا في كثير من الأحوال العباديَّةِ، ولافي كثير من الإمارة السياسيِّة، أو نسبُوا إلى شريعة الرسول بظنهم وتقليدهم ماليس منها، وأخرجوا عنها كثيراً مما هو منها.
فبسبب جهل هؤلاء وضلالهم وتفريطهم، وبسبب عدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم، كثر النفاق، ودَرَسَ(14) كثيرٌ من علم الرسالة.
بل يكون البحث التام، والنظر القوي، والإجتهاد الكامل، فيما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ليُعْلَم ويعتقد، ويُعمل به ظاهراً وباطناً، فيكون قد تُلي حقَّ تلاوته(15)، وأن لايُهمَل منه شيئاً.

 


(1) يراد بالتأويل حقيقة مايؤول إليه الكلام وإن وافق ظاهره، وهذا هو المعنى الذي يراد بلفـظ التأويل في الكتاب والسنة. والثاني، يراد بلفـظ التأويـل "التفسـير"وهـو اصطـلاح كثيـر مـن المفسرين. والثالث: أن يُراد بلفظ التأويل، صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدلُّ عليه ظاهره إِلى مايخالف ذلك، لدليلٍ منفصل يحتمل ذلك، وتسمية هذا تأويلاً لم يكن في عرف السَّلَف، وإنما سمى هذا وحده تأويلاً طائفةٌ من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله، والكلام. انظر الفتاوى لابن تيمية: 4/69 . وقوله "وإن لم يكن ثم قرينة" أي دليل صريح من الكتاب والسنة يفيد هذا التأويل والصرف.
(2) بحسب قدر الإنحراف؛ فإن كان الإنحراف في العقائد فقد يكون كفراً، وإن كان في الأعمال يكون فسقاً ومعصيةً، ومنه ما يكون كفراً كالأعمال التي تعتبر من نواقض التوحيد، وأحياناً يكون الخطأ ناتجاً عن اجتهاد معتبر، فصاحبه له أجر، كما دلت على ذلك السُّنَّة.
(3) أي مؤتمناً عليها وحاكماً.
(4) أي تنحسم به -صلى الله عليه وسلم- أعذار العباد التي قد يعتذرون بها يوم القيامة، أما في الحقيقة ليس للعباد حجة على خالقهم سبحانه وتعالى بل {فلله الحجة البالغة} الأنعام: 149.
(5) قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما تركت شيئاً يقربكم إِلى اللـه، إلا وقد أمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعدكم عن اللـه ويقربكم إِلى النار، إلا وقد نهيتكم عنه". أقول: مادام الخير كل الخير يكون في الاقتداء بسُنَّةِ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمن الغباء كل الغباء طلب الهداية من غير سنته -صلى الله عليه وسلم- والتماس الحلول لمشاكل الأمة من غير هديه -صلى الله عليه وسلم-.
(6) الخبر هو ما يتعلق بالعقائد والغيبيات، والأمر هو مايتعلق بالأحكام والشرائع أمراً ونهياً.
(7) أي طاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- سبباً لطاعة اللـه -عز وجل-، ومعصيته -صلى الله عليه وسلم- هي معصية لله تعالى.
(8) إشارة إِلى قوله تعالى: {فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} النساء: 65
(9) فيه أن إرادة التحاكم إِلى غير سنته -صلى الله عليه وسلم-، إمارة صريحة على النفاق الأكبر، والعياذ باللـه.
(10) إشارة إِلى قوله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إِلى ما أنزل اللـه وإِلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً. فكيف إذا أصابتهم مصيبةٌ بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون باللـه إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} النساء: 61-60.
قال ابن تيمية: فبين سبحانه أن من دُعي إِلى التحاكم إِلى كتاب اللـه وإِلى رسُوله فصدَّ عن رسُولِهِ كان منافقاً، الصارم المسلول (ص 38).
(11) أي من الملوك والأمراء.
(12) الحسن ما حسنه اللـه ولو اجتمع أكثر الناس على تقبيحه، والقبيح ما قبحه اللـه ولو اجتمع أكثر النَّاس على تحسينه. جاء رجل إِلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: أنا مدحي زين، وذمي شين، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ذلك اللـه". ورحم اللـه الشافعي إذ يقول: من استحسـن -مـن تلقـاء نفسـه مـن غير دليل من كتاب اللـه وسنة رسوله- فقد شرع.
(13) أي من ذلك النفاق المشار إليه من قبل. قلت: إذا كان هذا شأن من يجمع ويقارب ويستحسن ويوفِّق ويرُقِّع بزعم إرادة الخير والإصلاح، فما يكون القول فيمن ينحي شريعة اللـه كلياً عن الحكم ويستحسن غيرها من شرائع الطاغوت، ثم هو يفرضها على الأمة بالحديد والنار كما هو شأن طواغيت الحكم في هذا الزمان.. لاشك أنه أولى بالنفاق والكفر مهما زعم بلسانه أنه من المسلمين المؤمنين.
(14) أي محي وخفي.
(15) أي أن تلاوة القرآن -الذي جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-- حق التلاوة، تكون بقراءته وتدبره، واعتقاده، والعمل به.

   
F ¥ E