الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
تهذيب شرح العقيدة الطحاوية
من مقدمة الشارح، الإمام ابن أبي العز الحنفي
  وإن كان العبد عاجزاً عن معرفة بعض ذلك، أو العمل به، فلاينهى عما عجز عنه مما جاء به الرسول(1)، بل حسبه أن يسقط عنه اللومُ لعجزهِ(2)، لكن عليه أن يَفرح بقيام غيره به، ويرضى بذلك، ويودَّ أن يكون قائماً به، وأن لايؤمنَ ببعضه، بل يؤمن بالكتاب كله، وأن يُصان عن أن يُدخل فيه ما ليس منه(3)، من روايةٍ أو رأيٍ، أو يتبع ماليس من عند اللـه اعتقاداً أو عملاً، كما قال تعالى: {ولاتلبسوا الحق بالباطل، وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} البقرة: 42.
وهذه كانت طريقة السابقين الأولين، وهي طريقة التابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة، ومن هؤلاء أئمة الدين المشهود لهم عند الأمة الوسط(4) بالإمامة.
فعن أبي يوسف رحمه اللـه تعالى، أنه قال لبشرٍ المريسي: العلمُ بالكلام هو الجهلُ، والجهلُ بالكلام هو العلم، وإذا صار الرجل رأساً في الكلام، قيل: زنديق، أو رُمي بالزندقة(5). أراد بالجهل به اعتقادَ عدم صحته، فإن ذلك علمٌ نافع، أو أراد به الإعـــراض عنه، وترك الإلتفات إلى اعتباره، فإن ذلك يصونُ عِلمَ الرجل وعقلَه، فيكون علماً بهذا الاعتبار.
وعنه أيضاً أنه قال: من طلب العلم بالكلام، تزندق(6)، ومن طلب المالَ بالكيمياء(7) أفلسَ، ومن طلب غريب الحديث كَذَبَ.

 


(1) أي غايته أن يَظهر الإسلام، ويعم الخير بين الناس، سواء تحقق ذلك عن طريقه أو عن طريق غيره، ولاينبغي أن يصده الهوى أو التحزب أو العجز عن نصرة ذلك الحق لكونه جاء عن طريق غيره، كما هو حال كثير من الأحزاب اليوم. ولكن قد يقال: من كان عنده علم صحيح لكنه لايعمل به، هل يتكلم به وينشره بين الناس، أم أنه يلتزم الصمت حتى لايقع تحت طائلة النصوص التي تتوعد من يقول مالايفعل؟ الصحيح: أنه يتكلم وينشر العلم الصحيح وإن كان لايعمل به، فلئن إجتمع عليه وزر أن يقول مالايفعل، خير له من أن يجتمع عليه وزران: أن يقول مالايفعل، ووزر كتمان العلم، وبخاصة إن كان الناس بحاجة إِلى هذا العلم الذي قد لا يوجد إلا عنده، واللـه أعلم.
(2) لأن العجز الذي لايمكن دفعه يسقط عن صاحبه التكليف، كما قال تعالى: {لايكلف اللـه نفساً إلا وسعها}. البقرة: 286.
وفي الصحيحين: "وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" والقاعدة تقول: (الميسور لا يسقط بالمعسور). وهذا أمر متفق عليه بين الأمة.
(3) لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" وقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد" متفق عليه.
(4) الأمة الوسط، هم العدول ليقوموا بالشهادة على بقية الأمم يوم القيامة، بأن الأنبياء قد بلغوا الدين لشعوبهم وأقوامهم، لأن العدالة شرط لصحة الشهادة. وقد ذهب البعض إِلى تأويل قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً}، التوسط في أمر الدين، والتوسـط بـين الأمريـن وغير ذلك، وهو تأويل مرجوح لمخالفته لتفسير النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما في الحديث عن أبي سعيد، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " يجيء النبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك وأقل، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومُه، فيقال: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا! فيقال: من شهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتدعى أمة محمد. فيقال: هل بلّغ هذا؟ فيقولون: نعم. فيقول: وماعلمكم بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبينا بذلك أن الرسل قد بلغوا، فصدقناه، قال فذلك قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} السلسلة الصحيحة: 2448. وقوله: "فذلك قوله تعالى" تقديره: فذلك تأويل قوله تعالى. ولايصح أن يقدم على تأويل النبي -صلى الله عليه وسلم- تأويل.
(5) الزنديق هو من يظهر شعائر الإسلام، وبنفس الوقت يعتقد عقائد الكفر، والفرق بينه وبين المنافق، أن المنافق يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وكفره غير ظاهر للناس، بينما الزنديق قد عُرف كفره وباطله بالدليل والبينة، وإذا أقيمت عليه الحجة واستتيب أنكر وجحد أنه يعتقد عقائد كفرية، وتظاهر بالإسلام، لذلك الصحيح أن الزنديق يُقتل ولا يستتاب، لأن الاستتابة تكون من شيءٍ، وهذا لايعترف بشيءٍ رغم قيام البينة القاطعة التي تُدينه.
وعندما سُئل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن قتله للزنادقة من دون أن يستتيبهم، قال: جحدوني.
قال ابن القيم في أعلام الموقعين 2/144: ومما يدل على أن توبة الزنديق بعد القدرة لاتعصم دمه، قوله تعالى: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم اللـه بعذابٍ من عنده أو بأيدينا}. قال السلف في الآية: أو بأيدينا أي بالقتل إن أظهرتم ما في قلوبكم. وهو كما قالوا، لأن العذاب على ما يبطنونه من الكفر بأيدي المؤمنين لايكون إلا بالقتل، فلو قبلت توبتهم بعدما ظهرت زندقتهم لم يكن المؤمنون أن يتربصوا بالزنادقة أن يصيبهم اللـه بأيديهم، لأنهم كلما أرادوا أن يعذبوهم على ذلك أظهروا الإسلام فلم يُصابــوا بأيديهم قط ا-هـ.
(6) أي اعتقد عقائد باطلة كفرية وصار زنديقاً.
(7) لعل المقصود بالكيمياء، السحر والشعوذة، حيث كان يستغل عند القدامى لأغراض السحر والشعوذة، واللـه تعالى أعلم.

   
F ¥ E