وقال
الإمام الشافعي رحمه اللـه تعالى : حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا
بالجريد والنعال، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويُقال: هذا
جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام.
وقال أيضاً:
كلُّ العلومِ سوى القرآن مَشغلَةٌ
العلمُ ما كان فيـه قـال حدثنـا |
|
إلا الحديثَ وإلا الفقـهَ في الديـنِ
وماسِـوى ذاك وسْواسُ الشياطينِ |
ولقد أحسن القائل:
ياأيها المغتدي ليطلُبَ عِلمـاً
تطلُبُ الفَرْعَ كي تُصحِّحَ أصلاً |
|
كلُّ عِلمٍ عبـدٌ(1) لعلمِ الرسـولِ
كيف أغفلت عِلمَ أصلِ الأصُولِ |
ونبيُّنا -صلى الله عليه وسلم- أُوتي فواتحَ الكلمِ وخواتمهُ
وجوامعَه(2)، فبُعِثَ بالعلوم الكلية والعلوم الأولية
والأخروية، على أتم الوجوه، ولكن كلما ابتدع شخص بدعة اتسعوا في
جوابها، فلذلك صار كلامُ المتأخرين كثيراً، قليلَ البركة، بخلاف
كلام المتقدمين، فإنه قليلٌ، كثيرُ البركة، لا كما يقوله ضلال
المتكلمين وجهلَتُهم: إن طريق القوم أسلم، وإن طريقتَنا أحكم
وأعلم! وكما يقوله من لم يقدِّرهم قدرهم من المنتسبين إلى الفقه:
إنَّهم لم يتفرغوا لاستنباط الفقه وضبطِ قواعدهِ وأحكامِه اشتغالاً
منهم بغيره، والمتأخرون تفرغوا لذلك، فهم أفقـه(3)!!
فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف، وعُمقِ علومهم، وقلَّة
تكلُّفِهم، وكمال بصائرهم. وتاللـه ما امتاز عنهم المتأخرون إلا
بالتكلف والإشتغال بالأطراف التي كانت هِمَّةُ القوم مراعاةَ
أصولها، وضبطَ قواعدِها، وشـدَّ معاقدِها، وهمَمُهم مشمَّرةً إلى
المطالب العالية في كل شيء، فالمتأخرون في شأنٍ، والقومُ في شأنٍ
آخر، وقد جعل اللـه لكل شـيءٍ قَدراً.
وقد شرح هذه العقيدة غيرُ واحدٍ من العلماء، ولكن رأيت بعض
الشارحين قد أصغى إلى أهل الكلام المذموم، واستمد منهم وتكلم
بعباراتهم.
وقد أحببت أن أشرحَها سالكاً طريق السلف في عباراتهم، وأنسُجَ على
منوالِهم، متطفلاً عليهم، لعلي أن أنظم في سلكهم، وأدخل في عدادهم،
وأحشر في زمرتهم {مع الذين أنعم اللـه عليهم من النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً} النسـاء: 69. {وماتوفيقـي
إلا باللـه عليـه توكلـت وإليـه أنيـب} هـود: 88. وهــــو حسـبنـا
ونعم الوكيل.
(1) أي تبعٌ لعلم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ،
فمن أراد أن يطلب العلم الصحيح بحق، فعليه أن يطلبه من مصدره، من
سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
(2) قيل في تأويل مجامع الكلم: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان
يتكلم بالقول الموجز القليل اللفظ الكثير المعاني. وقيل: المراد
أنه أوتي القرآن الكريم، والقرآن غاية في إيجاز اللفظ واتساع
المعاني، وكلا القولين حق، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- يتصف بهما.
(3) قولهم أن الخلف أفقه وأحكم وأعلم من السَّلَف فيه رد للأحاديث
النبوية الصحيحة، الدالة على أفضلية القرون الثلاثة الأولى، وفضل
الرعيل الأول على مَن بعده. وعندما أمرنا الرسول -صلى الله عليه
وسلم-، باقتداء سنة الخلفاء الراشدين مِن بعده، ذلك لعلمهم بالسنة
الذي لايتحصل لمن بعدهم إلا بفضلهم وبواسطتهم. ثم هل يستوي الذين
رضي اللـه عنهم بالنص الثابت وأمر بالترضي عليهم، والذين لايُعرف
حالهم عند اللـه -عز وجل-، أهم من المرضيين المرحومين أم من
المغضوب عليهم؟! لاشك أنهما لايستويان مثلا. |