الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
تهذيب شرح العقيدة الطحاوية
قولُه(1): " نقول في توحيدِ اللـهِ، معتقدين بتوفيق اللـه: أن اللـهَ واحدٌ لاشريك له "
  ش: اعلم أن التوحيدَ أولُ دعوةِ الرسل، وأولُ منازل الطريق(2)، وأول مقامٍ يقوم فيه السالكُ إلى اللـه -عز وجل-(3).
قال تعالى: {لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال ياقومِ اعبدوا اللـهَ مالكم من إله غيرُه} الأعراف: 59.
وقال هـودٌ -عليه السلام- لقومه: {اعبدوا اللـهَ مالكم من إلهٍ غيرُه} الأعراف: 65.
وقال صالح -عليه السلام- لقومه: {اعبدوا اللـهَ مالكم من إلهٍ غيرُه} الأعراف: 75.
وقال شعيب -عليه السلام- لقومه: {اعبدوا اللـه مالكم من إلهٍ غيرُه} الأعراف: 85.
وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا اللـهَ واجتنبوا الطاغوتَ(4)} النحل: 36.
وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} (5)الأنبياء: 25.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللـه، وأن محمداً رسُول اللـه"(6) ولهذا كان الصحيح أن أولَ واجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا اللـه(7).
وهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء: فمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين(8)، أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام، ولم يتكلم بهما: هل يصير مسلماً أم لا؟ والصحيح أنه يصير مسلماً بكل ماهو من خصائص الإسلام(9).
فالتوحيد أول ما يُدخَل به في الإسلام، وآخر ما يُخرج به من الدنيا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- "من كان آخر كلامه لاإله إلا اللـه دخل الجنة"(10). فهو أول واجب وآخر واجب(11) فإن التوحيدَ يتضمن ثلاثةَ أنواع: الكلام في الصفات(12)، وتوحيد الربوبية، وبيان أن اللـه وحده خالق كل شيءٍ. وتوحيد الإلهية، وهو استحقاقه -سبحانه وتعالى- أن يعبد وحده لاشريك لــه.

 


(1) هو قول صاحب متن العقيدة الطحاوية، الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، رحمه اللـه تعالـى.
(2) أي طريق طلب العلم المؤدي إِلى معرفة اللـه -عز وجل-. فقد روى ابن ماجة في سننه، أن جندب ابن عبد اللـه، قال : "كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن فتيان، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعملنا القرآن، فازددنا به إيماناً" (صحيح سنن ابن ماجه: 170).
ومن حديث ابن عباس المتفق عليه، أن رسُول اللـه -صلى الله عليه وسلم-، لما بعث معاذاً على اليمن، قال: "إنك تقدم على قومٍ أَهْل كتابٍ، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة اللـه، فإذا عرفوا اللـه، فأخبرهم أن اللـه قد فرض عليهم خمس صلواتٍ في يومهم وليلتهم".
(3) أي أول مايبدأ به العبد من الأعمال نحو ربه هو التوحيد، ولو بدأ بغيره من الأعمال فلن يقبل منه، لأن الشرك يمنع من قبول الأعمال ويحبطها كلياً، لذلك نجد أن اللـه تعالى قدم البراءة من الطواغيت والشرك على الاثبات بشهادة التوحيد أن لاإله إلا اللـه، وفي قوله: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن باللـه فقد استمسك بالعروة الوثقى لاانفصام لها}. وهذا المعنى أُكّد في أكثر من نص من نصوص الشريعة، لأن من قدم الإيمان والاثبات على الكفر بالطواغيت والبراءة من الشرك فإن إيمانه المتقدم لاينفعه في شيء . وهو مثله كمن يقول بالشيء وضده في آنٍ معاً. فالتوحيد نفي واثبات والنفي لابد من أن يتقدم الاثبات بكل لوازمه ومتطلباته.
(4) الطاغوت: هو كل ما عُبد من دون اللـه، ورضي بذلك. قال ابن القيم رحمه اللـه: الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير اللـه ورسوله، أو يعبدونه من دون اللـه، أو يتبعونه على غير بصيرةٍ من اللـه، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة للـه، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة اللـه إِلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إِلى اللـه وإِلى الرَّسُول إِلى التحاكم إِلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إِلى طاعة الطاغوت ومتابعته. أعلام الموقعين: 1/50 .
وقال ابن تيمية رحمه اللـه: الطاغوت فعلوت من الطغيان، والطغيان: مجاوزة الحد وهو الظلم والبغي. فالمعبود من دون اللـه إذا لم يكن كارهاً لذلك طاغوت. ولهذا سمى النبي -صلى الله عليه وسلم- الأصنام طواغيت في الحديث الصحيح، لما قال: "ويتبع من يعبد الطواغيت الطواغيت" . والمطاع في معصية اللـه، والمطاع في اتباع غير الهدى ودين الحق، هو طاغوت. ولهذا سمى من تُحوكم إليه من حاكم بغير كتاب اللـه طاغوت، وسمى فرعون وعاداً طغاة. الفتاوى: 28/200 .
قلت: قد تعددت أقوال أهل العلم في الطاغوت، وخلاصة أقوالهم أن الطاغوت هو كل ما عبد من دون اللـه وهو راضٍ بذلك، ولو في جزئية أو مجال من مجالات العبادة، فمن يُعبد من جهة الحب والموالاه والمعاداة فهو طاغوت، ومن يُعبد من جهة الطاعة والاتباع والتحاكم فهو طاغوت، ومن يُعبد من جهة الدعاء والخشية والنذر والنسك فهو طاغوت، ومن يُعبد من جهة الإقرار له بخصائص الإلهية أو بعضها فهو طاغوت.
وكذلك مما يندرج في مسمى الطاغوت: الشـرائع، والقوانين، والدسـاتير والمناهـج المضاهيـة لشرع اللـه، وكذلك كل إمام في الكفر والفساد والضلال فهو طاغوت. وقد تناولتُ أقوال أهل العلم في الطاغوت بشيء من التفصيل في كتابي "الطاغوت" فليراجع.
(5) قلت: الدعوة إِلى عبادة اللـه تعالى وحده، والكفـر بـكل ما يعبـد ســواه هي مهمـة العلمـاء -ورثة الأنبياء والرسل- الأساسيـة والأولى، وشغلهم الشاغل، وهمهم الأكبر، يجب أن توضع على رأس الأولويات عند كل عمل أو مشروع دعوي، وهي غاية تصب في خدمتها جميع الوسائل والإمكانيات، ولايجوز أن يكون العكس، ولما غفلت كثير من الأحزاب والجماعات الإسلامية المعاصرة عن هذا الأصل الهام وانشغلت عنه بالدون من الوسائل والفروع، قلّت بركتها، وفقدت مبرر وجودها، ولم تتمكن من تحقيق شيء من أهدافها العامة.
(6) متفق عليه.
(7) الواجب هنا يمتد ليشمل النطق بها وفهما والعمل بمدلولاتها ولوازمها، وبغض نواقضها والإمساك عن الوقوع فيها.
(8) الصلاة تتضمن الشهادتين، والشهادتان من فرائض الصلاة، من تعمد تركهما لاتقبل صلاته.
(9) هذا الكلام لايصح على إطلاقه وهو كلام تعوزه البينة والدليل، لأن الصيام والزكاة من خصائص الإسلام وأهم أركانه ومع ذلك لايصح أن يُقال لمن صام أو زكى ماله أنه صار بذلك مسلماً من دون أن ينطق بشهادة التوحيد.
والذي عليه أهل العلم ودلت عليه السنة أن المرء لايصير مسلماً إلا بنطقه لشهادة التوحيـد، ولايجزئ عن الشهادة من الأعمال شيء سوى الصلاة، لقوله -صلى الله عليه وسلم- : "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فذاك المسلم له ذمةَ اللـه وذمة رسوله". ولأن الصلاة تتضمن الشهادتين كما تقدم.
(10) حديث صحيح، رواه الحاكم وغيره.
(11) لأن من شروط التوحيد الذي ينفع صاحبه يوم القيامة الموافاة عليه، فالعبرة بالخواتيم وبما يختم به على المرء مهما كان العمل قبل الموافاة مغايراً لما تمت الموافاة عليه.
(12) يراد توحيد اللـه في أسمائه وصفاته، وهذا النوع من التوحيد قد ضل فيه كثير من الفـرق عـن الصواب، وعما كان عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولم يسلم إلاَّ من رضي بالمتابعة والانقياد لما كان عليه النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وتابعيهم بإحسان من سلف الأمة من الاعتقاد والتصور الصحيحين.

   
F ¥ E