|
-توحيد
الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية، وهو التوحيد الذي دعت إليه
الرســل-
التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، هو توحيد الإلهية
المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة اللـه وحده لاشريك له، فإن
المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية(1)، وأن
خالقَ السماوات والأرض واحدٌ، كما أخبر تعالى عنهم بقوله:{ولئن
سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولُنَّ اللَـه}.لقمان: 25. {قل
لمن الأرضُ ومن فيها إن كنتم تعلمون. سيقولون لله قل أفلا
تذَكَّرون} المؤمنون: 84-85. ومثل هذا كثير في القرآن.
(1) والحق أنهم كانوا يقرون ببعض معاني توحيد الربوبية وليس
كلها، حيث كانوا يشركون ببعض معاني الربوبية من جهة الطاعة لسلطة
عليا -من العبيد- تصدر الأوامر والتعليمات والتشريعات والإرادات
بغير سلطان من اللـه.
وهذا هو المراد من الربوبية الواردة في قوله تعالى: {اتخذوا
أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللـه} وذلك عندما أقروا لهم
بخاصية التحليل والتحريم لذاتهم من دون اللـه تعالى.
وكذلك قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إِلى كلمة سواءٍ بيننا
وبينكم ألا نعبد إلا اللـه ولانشرك به شيئاً ولايتخذ بعضنا بعضاً
أرباباً من دون اللـه فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}.
وقوله تعالى عن فرعون: {فقال أنا ربكم الأعلى} {قال فرعون ما أريكم
إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}. فهنا فرعون لم يرد ربوبية
الخلق والتصرف بنواميس الكون، فهو أعجز من أن يخلق بعوضة فأدنى،
وإنما أراد الربوبية بمعنى أنه السيد المطاع، الذي يجب على قومه أن
يخضعوا لأمره ونهيه من غير تعقيب أو سؤال، وأن لايبرموا أمراً دونه
إلا وفق ما يرى ويهوى! وما أكثر الفراعنة في عصرنا التي تدعي هذا
الحق لنفسها من دون اللـه تعالى.ومنه تعلم أيها القارئ أن الربوبية
أشمل من أن تحصر في معاني الخلق والتدبير والتصرف بنواميس الكون،
بل أحياناً تطلق ويراد منها توحيد الألوهية.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: فاعلم أن الربوبية والألوهية
يجتمعان ويفترقان كما في قوله: {قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله
الناس}، وكما يُقال رب العالمين وإله المرسلين، وعند الإفراد
يجتمعان كما في قول القائل من ربك، فقول الملكين للرجل في القبر:
من ربك؟ معناه من إلهك لأن الربوبية التي أقر بها المشركون ما
يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حقٍّ إلا
أن يقولوا ربنا اللـه}، وقوله: {قل أغير اللـه أبغي ربا}، وقولـه:
{إن الذين قالوا ربنا اللـه ثم اسـتقاموا}، فالربوبية في هذا هي
الألوهية ليست قسـيمـة لها كما تكون قسـيمـة لها عنـد الاقتران،
فينبغـي التفطـن لهذه المسـألة. ا-هـ (مـن الرسائل الشخصية، ص 17). |