|
-توحيدُ
الربوبية يستلزمُ تَوحيدَ الألوهيَّةِ-
من
ذلك أن القرآن يقرر توحيد الربوبية، ويبين أنه لاخالق إلا اللـه،
وأن ذلك مستلزم أن لا يعبد إلا اللـه، فيجعل الأول(1)
دليلاً على الثاني، إذْ كانوا يُسلِّمون للأول ويُنازعون في الثاني
فيبين لهم سبحانه أنكم إذا كنتم تعلمون أنه لاخالق إلا اللـه، وأنه
هو الذي يأتي العباد بما ينفعهم، ويدفع عنهم مايضرهم، لاشريك له في
ذلك، فلِمَ تعبدون غيره، وتجعلون معه آلهةً أخرى ؟!
كقوله تعالى: {قُلِ الحمدُ للهِ وسلامٌ على عباده الذين اصطفى
ءآللـهُ خيرٌ أَمَّا يُشركون، أمَّن خلَقَ السماواتِ والأرضَ وأنزل
لكم من السماءِ ماءً فأنبتنا به حدائقَ ذات بهجةٍ ما كان لكم أن
تُنبتوا شجرها أءِلهٌ مع اللـه بل هم قومٌ يعدلون} النمل: 59-60.
وقال تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربَّكُم الذي خلقكُم والذين من
قبلِكُم لعلَّكم تتقون} البقرة: 21.
وقال تعالى: {قل أرءَيتُم إن أخذَ اللـهُ سمعَكُم وأبصارَكُم وخَتم
على قلوبكم مَّن إله غيرُ اللـهِ يأتيكم به} الأنعام: 46.
وقال تعالى: {ما اتخذ اللـهُ من ولدٍ وما كان معه مِن إلهٍ إِذاً
لَذَهَبَ كلُّ إله بما خَلقَ ولَعَلاَ بعضُهم على بعضٍ} المؤمنون:
91.
فإن الإله الحقَّ لابد أن يكونَ خالقاً فاعلاً، يُوصل إلى عابده
النفع، ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه إله آخر يُشركه في
ملكه، لكان له خلق وفعل، وحينئذٍ فلا يرضى تلك الشـركة، بل إِن
قَدَرَ على قهرِ ذلك الشريك، وتفرده بالملك والإِلهية دونه فعَل،
وإِن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب بذلك الخلق، كما ينفرد ملوك
الدنيا بعضهم عن بعضٍ بممالكه إِذا لم يقدر المنفرد منهم على قهر
الآخر والعلوِّ عليه.
وانتظامُ أمرِ العالَم كُلِّه، وإِحكام أمره، من أدل دليلٍ على أن
مدبِّره إِلهٌ واحد، ومَلِكٌ
واحد، وربٌّ واحد، لا إِله للخلق غيره، ولارب لهم سواه، كما دل
دليل التمانع(2) على أن خالق العالم واحد، لاربَّ غيْره
فلا إِله سواه، فذاك تمانع في الفعل والإِيجـاد، وهذا تمانع في
العبادة والإِلهية، فكما يستحيل أن يكون للعالَم ربان خالقان
متكافئان، كذلك يستحيل أن يكون لهم إلهان معبودان.
فالآية الكريمة موافقة لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية،
ودالة مثبتة ملزمة لتوحيد الإِلهية.
وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى: {لو كان فيهما ءَالهةٌ إِلا
اللـهُ لفسدتا} الأنبياء: 22.
فلو كان للعالَم إلهان معبودان لفسد نظامه كله(3)، فإن
قيامه إنما هو بالعدل، وبه قامت السماوات والأرض، وأظلمُ الظلم على
الإطلاق الشركُ(4)، وأعدلُ العدل التوحيد.
(1) أي توحيد الربوبية دليلاً على توحيد الألوهية، والقرآن
الكريم مليء بالآيات البينات التي تدل على هذا المعنى والإسلوب، إذ
أن عظمة المخلوق من عظمة الخالق، ودليل على كمال قدرته وفضله، وأنه
وحده المستحق للعبادة دون سواه الذي لايملك أن يخلق بعوضة فأدنى.
قال تعالى: {أفمن يخلق كمن لايخلق أفلاتذكَّرون}، وقال منكراً على
من يعبد المخلوق الذي لايستطيع أن يخلق شيئاً: {أيشركون ما لا يخلق
شيئاً وهم يُخلقون}. وقال تعالى: {أمن خلق السماوات والأرضَ وأنزلَ
لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائِقَ ذات بهجةٍ ما كان لكم أن
تنبتوا شجرها أءِلهٌ مع اللـه بل هم قوم يعدلون. أمَّن جعل الأرض
قَراراً وجعلَ خلالَها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين
حاجزاً أَءلهٌ مع اللـه بل أكثرهم لايعلمون. أمَّن يجيب المضطرَّ
إذا دعاهُ ويَكشفُ السُّوءَ ويجعلكم خُلفاء الأرض أَءِلهٌ مع اللـه
قليلاً ما تذكَّرون. أمَّن يهديكم في ظلمات البرِّ والبحر ومن
يُرسِلُ الرياحَ بُشـراً بيـن يدي رحمته أءِله مع اللـه، تعالى
اللـهُ عمَّا يُشركون. أمَّن يبدؤُا الخلق ثم يُعيدُهُ ومَن يرزقكم
من السماءِ والأرض أَءِلهٌ مع اللـه قل هاتوا بُرهانكُم إن كنتم
صادقين} سورة النمل:60-64 وغيرها كثير من الآيات التي تبين توحيد
الربوبية كدليل على توحيد الألوهية، وأن اللـه تعالى وحده المستحق
للعبادة. وهذا الإسلوب القرآني القوي في البيان والاستدلال قد غفل
عنه كثير ممن يهتمون -في زماننا- بالعقيدة دراسة وتدريساً.
(2) أي تمانع أن يكون للكون صانعان متكافئان، وهذا مستلزم لتمانع
أن يكون للكون إلهان اثنان أو أكثر.
(3) فإن قيل في العالَم آلهة عديدة تُعبد من دون اللـه تعالى
فعلامَ لم يفسد نظامه؟ نقول: المراد بالمعبودَين أن يكونا إلهين
بحق وكـلاّ منهما مستحق للعبادة، فحينها لابد من فساد الكون وحصول
الخصام الذي دلّت عليه الآيات، أما الآلهة التي تُعبد من دون اللـه
فهي لاتستحق العبادة ولا مسمى الإلهية، وهي آلهة مزعومة مكذوبة
ضعيفة لاتملك لنفسها نفعاً ولاضراً ومن كان كذلك لايجوز أن يُجعل
نداً وشريكاً لله تعالى في الملك والخلق أو في شيء من خصائصه
سبحانه، قال تعالى: {ذلك بأن اللهَ هو الحق وأن ما يدعون من دونه
هو الباطل}.
(4) ودليله قوله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم}، لذلك كان لأجل
استئصاله وتحقيق التوحيد تُسـل السـيوف، وترخص المقاصد، وتهدر
الدماء، كما قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لاتكون فتنـة ويكون الدين
كلّـه لله}، والفتنة يراد بها الشرك. وقال تعالى لبني إسرائيل لما
عبدوا العجل من دون اللـه: {فاقتلوا أنفسكم}. وذلك أن التوحيد أعز
من الأنفـس، والقتـل أقـل ظلماً وفتنة من ظلم وفتنة الشرك. |