|
-القرآن
كلُّه يدور حول التوحيد ومتطلباتِه-
وغالبُ سورِ القرآن متضمنةٌ لنوعي التوحيد. فإِن القرآنَ إِما خبٌر
عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلميُّ الخبري.
وإِما دعوة إِلى عبادته وحدَه لاشريك له، وخلع مايُعبد من دونه،
فهو التوحيد الإِرادي الطلبي.
وإِما أمرٌ ونهيٌ وإِلزامٌ بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته(1).
وإِما خبرٌ عن إِكرامه لأهل توحيده، وما فعل بهم في الدنيا وما
يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده.
وإِما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما
يحلّ بهم في العقبى من العذاب، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقِه وجزائِه، وفي شأن الشرك وأهلهِ
وجزائهم(2).
ف {الحمد لله رب العالمين} توحيد(3)، {الرحمن الرحيم}
توحيد(4)، {مالك يوم الدين} توحيد(5)،
{إِياك نعبد وإِياك نستعين} توحيد(6)، {اهدنا الصراط
المستقيم} توحيد، متضمن بسؤال الهداية إِلى طريق أهل التوحيد(7)،
{غير المغضوب عليهم ولا الضالين} الذين فارقوا التوحيد(8).
وكذلك شَهِدَ اللهُ لنفسه بهذا التوحيد، وشهدت له به ملائكته
وأنبياؤه ورسلُه.
قال تعالى: {شَهِدَ اللهُ أنه لا إِله إِلا هو والملائكَةُ وأولوا
العلمِ قائماً بالقسط لا إِله إِلا هو العزيزُ الحكيم} (9)
آل عمران: 18 .
فتضمنت الآية الكريمةُ أجلَّ شهادةٍ وأعظمَها وأعدلَها وأصدقها، من
أجلِّ شاهدٍ، بأجل مشهودِ.
وعبارات السلف في (شهد) تدور على الحكم والقضاء، والإِعلام
والبيان، والإِخبار وهذه كلها حق لا تنافي بينها.
فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية، والقيام بالقسط تضمنت هذه
المراتبَ الأربع: عِلمَه سبحانه بذلك، وتكلُّمَه به، وإِعلامَه
وإِخبارَه لخلقه به، وأمرَهم وإِلزامَهم به.
(1) بعض الأعمال التي لها علاقة بالتوحيد، تعتبر شرطاً من شروط
صحة التوحيد ولازماً من لوازمه، كموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين
والمنافقين، وإِقام الصلاة، والحكم بما أنزل اللـه، واجتناب السحر
.. وبعض الأعمال تعتبر مكملة للتوحيد والإِيمان، انتفاؤها لاينفي
التوحيد مطلقاً إِنما ينقصه إِلى أن يصبح ذرةً من إِيمان بحسب درجة
التقصير.
من هذه الأعمال: الزكاة، وصيام رمضان، وحجّ البيت الحرام عـلى
خـلاف معـروف عنــد أَهْل العلم. ومن الأمور المنهي عنها كالقتل،
والزنى، والسرقة، وشرب الخمر .. وغيرها. لكن الإدمان على ارتكاب
المحظورات، وإِهمال الواجبات قد تـؤدّي بصاحبها إِلى الإِستهانة
بأحكام اللـه، واستحسان المنكر، وإِلى مؤاثرة الدنيا وزخرفها على
الآخرة ونعيمها، وبالتالي إِلى الكفر المخرج عن الملة، فالاستهانة
بالصغائر بريد إِلى الكبائر، والإدمان على الكبائر بريد إِلى الكفر
والعياذ باللـه.
(2) مادام التوحيد له هذا القدر من الأهمية، والقرآن الكريم كله
يدور حول التوحيد ومتطلباته ومكملاته ونبذ الشرك ومقدماته، إِنه
لحريّ بالمسلمين أن يهتموا بالتوحيد، ويتعلموه ويعلّموه، وأن لا
ينشغلوا عنه بالمندوب والمباح، وبما هو دونه. فالتوحيد أصل وما
دونه فروع تبنى عليه، فإِن صح الأصل صح البناء، وآتى ثماره، ورُجي
عطاؤه، وإِن فسد الأصل فسد البناء وانهار على صاحبه ولو بعد حين،
وطول تحصيل، كما قال تعالى: {وقدمنا إِلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه
هباءً منثورا}.
أما التوحيد فأصله ثابت يؤتي أكله وثماره كل حين ووقت، كشجرةٍ طيبة
أصلها ثابت وفرعها في السماء، تـؤتي أكلها كل حين، كما قال تعالى:
{ألم تر كيف ضرب اللـهُ مثلاً كلمة طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلُها ثابت
وفرعها في السماء. تُـؤتي أُكُلَها كل حينٍ بإِذن ربها ويضرب
اللـهُ الأمثالَ للناس لعلَّهم يتذكرون}.
وأما الشرك فمثله كما قال تعالى: {ومثل كلمةٍ خبيثة كشجرةٍ خبيثةٍ
اجتُثَّـت من فوق الأرض مالها من قرار}.
(3) يشمل على نوعي التوحيد: توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، أمـا
توحيـد الألوهية يكمن في التوجه إِلى اللـه وحده بالحمد والثناء
والشكر، وتوحيد الربوبية يكمن في توحيد اللـه في ربوبيته على
العالمين.
(4) يتضمن توحيد اللـه تعالى في أسمائه وصفاته.
(5) متضمن لتوحيد الربوبية، وهو الملك والتصرف.
(6) متضمن لتوحيد الألوهية، بالتوجه إِلى اللـه وحده بالعبادة
والإِستعانة.
(7) الآية بذاتها متضمنة لتوحيد الألوهية، لأن طلب الهداية دعاء
والدعاء عبادة، وعبادة اللـه تندرج في توحيد اللـه في إلهيته.
(8) الآية ذاتها فيها توحيد، حيث أن البراء من الكفار وبغضهم
ومعاداتهم يعتبر من متطلبات صحة التوحيد الأساسية.
(9) قلت: في الآية دليلٌ على فضل أهل العلم حيث أن اللـه تعالى قرن
شهادتهم دون غيرهم من شرائح الناس بشهادته وشهادة الملائكة على
أجلِّ وأعظم مشهود، ألا وهو توحيده -سبحانه وتعالى-. وفي الآية
كذلك دليل على مفهوم المخالفة الذي يقتضي أن من يشهد أن مع اللـه
آلهة أخرى تشاركه في شيء من خصائصه سبحانه فهو ليس من أولي العلم
ولا العلماء مهما تزيَّ بزيهم وادّعى أنه منهم، فالمشرك أو الذي
يدعو إِلى أي نوع من أنواع الشرك - بدلالة النص - فهو ليس من
العلماء المرضيين مهما اتسع صيته في الأرض، وكثر أتباعه. |