|
-الآية
دالَّة على بطلان ألوهية غير اللـه، وأن اللـه وحده الذي يستحقُّ
العبـادة-
وشهادته سبحانه أنه لا إِله(1) إِلا هو، فقد أخبر
وبيَّن وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإِله، وأن إِلهيَّةَ ما
سواه باطلة، فلا يستحقُّ العبادَة سواه، كما لاتصلح الإِلهيةُ
لغيره، وذلك يستلزم الأمرَ باتخاذه وحدَه إِلهاً والنهي عن اتخاذ
غيره معه إِلهاً، وهذا يفهمه المخاطَب من هذا النفي والإِثبات.
وأيضاً فالآيـة دلـت على أنه وحدُه المسـتحِـقُّ للـعبـادة(2)،
فـإِذا أخـبر أنه هـو وحـده المستحق للعبادة، تضمن هذا الإخبارُ
أمر العباد وإلزامهم بأداء مايستحقه الربُّ تعالى عليهم، وأن
القيام بذلك هو خالص حقه عليهم(3).
(1) أي لامعبود في الوجود بحق إِلا اللـه -سبحانه وتعالى-. ثم
تأمل كيف قدم جانب النفي على جانب الإثبات كما في شهادة التوحيد
تماماً، مما يدل على أن الكفر بالطواغيت التي تُعبد من دون اللـه
يعتبر الركن الأول من الدين الذي يجب على العبد أن ينهض به نحو ربه
سبحانه. والكفر بالطواغيت ليس عبارة عن كلمات باردة تردد على
اللسان لاتلامس حرارة القلب وواقع العمل، يتبعها ركون إِلى
الطواغيت وموالاه وتودد، فمثل هذا لايكون قد كفر بالطواغيت وإن زعم
بلسانه ذلك، فلسان حاله يكذب لسان مقاله، ونصوص الشريعة قد بينت أن
الكفر بالطواغيت يكون بتكفيرهم وجهادهم، والبراءة منهم، واعتزالهم
ظاهراً وباطناً، وإِظهار العداوة والبغضاء لهم، كما قال تعالى:
{كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا
باللـه وحده}، فقوله {بدا} يفيد غاية الظهور والوضوح للعداوة
والبغضاء. وقد تكلمنا في كتابنا (الطاغوت) عن صفة الكفر بالطاغوت
بشيء من التفصيل فليراجع.
(2) العبادة بمعناها العام الشامل لجميع مايحبه اللـه ويرضاه من
الأقوال والأعمال الظاهرة منها والباطنة، عبادة النسك والشعائر ..
وعبادة الركوع والسجود والخضوع .. وعبادة التوكل والخوف والرجاء
والدعاء .. وعبادة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..
وعبادة الطاعة والانقياد والرضى والتسليم .. وعبادة التحاكم
والاتباع .. وعبادة الحب والولاء والبراء .. فجميع أنواع ومجالات
العبادة هذه وغيرها من الطاعات التي أمر اللـه بها يجب أن تصرف لله
وحده دون أحدٍ سواه.
{قل إِن صلاتي ونسكي ومحيـاي ومماتي لله رب العالمين. لاشريك له
وبذلك أُمرت وأنا أولُ المسلمين} الأنعام: 162-163 . فجميع الحياة
وما يتخللها من أعمال قد شرعها اللـه للعباد كلها يجب أن تُصرف
لله، وحتى الممات فإِنه يجب أن يكون في سبيل اللـه وحده وليس في
سبيل الوطن أو القوم أو الإنسانية أو الزعيم، أو الديمقراطية،
وغيرها من الطواغيت التي تهدر في سبيلها الأرواح والحرمات، وتُقدم
لها القرابين!!
ومن مظاهر انحطاط وتخلف المسلمين في هذا الزمان انحسار كثير من
المفاهيـم الشرعيـة عـن مدلولها الشرعي الصحيح في أذهانهم وفي واقع
حياتهم، والذي كان من وراء ذلك العلمانية الكافرة التي فصلت الدين
عن الحياة، والفكر الصوفي الإِرجائي الإِتكالي القائل: لايضر مع
التصديق كفر وذنب.. !
من تلك المفاهيم: العبادة، حيث حُصرت في دائرة النسك والشعائر،
وانحسرت مدلولاتها الشرعية الواسعة - في أذهان الناس - إِلى مجرد
أداء للشعائر التعبدية فقط، وبالتالي فهم إذا ما أُمروا أن يعبدوا
اللـه فسرعان ما يحملون الأمر أو الخطاب على العبادة التي تعني
الشعائر وحسب، لذلك فهم لايجدون حرجاً في أن يعبدوا غير اللـه
تعالى في المجالات الأخرى غير الشعائر التعبدية، ولايرون في ذلك
تعارضاً مع كونهم لايجوز لهم أن يعبدوا غير اللـه تعالى..!
(3) حق اللـه على العباد، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، كما في
الحديث الصحيح المتفق عليه، عن معاذ بن جبل، قال: قال النبي -صلى
الله عليه وسلم- : "يامعاذ أتدري ماحق اللـه على العباد؟" قال
اللـه ورسُوله أعلم. قال: "أن يعبدوه ولايشركوا به شيئاً، أتدري
ماحقهم عليه؟" قال: اللـه ورسُوله أعلم. قال: "أن لايعذبهم". |