|
-اللـه
تعالى بيّـن التوحيد بطرق ثلاث: السمعِ، والبصرِ، والعقلِ-
أما
السمعُ: فبسمع آياتهِ المتلوة المبينة لما عَرَّفَنا إِيَّـاهُ من
صفات كمالِه كلِّها، الوحدانية وغيرها غاية البيان، لا كما يزعمه
الجهمية(1) ومن وافقهم من المعتزلة(2)،
ومعطلة بعض الصفات من دعوى احتمالات توقع في الحيرة، تُنـافي
البيـان الذي وصـف اللـه بـه كتابَـه العزيز ورسُوله الكريم، كما
قال تعالى: {حم، والكتاب المبين} الزخرف: 1-2، {الر تلك ءاياتُ
الكتاب وقرءان مبين} الحجر: 1.
وكذلك السنَّة تأتي مبينةً أو مقررةً لما دل عليه القرآن، لم
يُحوِجنا ربنا سبحانه وتعالى إِلى رأي فلانٍ، ولا إِلى ذوق فلانٍ
ووجده في أصول ديننا(3).
ولهذا نجد من خالف الكتابَ والسنة مختلفين مضطربين قال تعالى:
{اليومَ أكملتُ لكم دينَكُم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكمُ
الإِسلامَ ديناً} المائدة: 3 . فلا يَحتاج في تكميله إِلى أمرٍ
خارجٍ عن الكتاب والسنة.
وأما آياته العيانية الخلقية: فالنظر فيها، والاستدلال بها يدل على
ماتدل عليه آياته القولية السمعية، والعقل يجمع بين هذه وهذه،
فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل(4)، فتتفق شهادةُ السمعِ،
والبصر، والعقل، والفِطرة.
(1) نسبةً إِلى الضال جهم بن صفوان، القائل بإنكار الصفات
وتعطيلها، وله كلام في الإيمان والوعد والوعيد، مفاده أن الإيمان
محصور في القلب والتصديق، وبالتالي فإن الكفر عنده محصور في
التكذيب القلبي لاغير. وقد اشتد نكير السَّلَف على من يقول بهذا
القول، ومع ذلك فكثير من مرجئة العصر الذين استفحل شرهم في البلاد
يقولون بهذا القول وإن لم يعترفوا بأنهم على قول جهم ومن تابعه في
الإيمان، وقد قتل جهماً سلم بن أحوز، لإِنكاره أن اللـه كلم موسـى،
وذلك سنـة 128 هـ. انظـر سـير أعـلام النبـلاء: 6/26-27، وتاريـخ
الطبري: 4/294-295 .
(2) المعتزلة فرقة ضالة، تجحد صفات اللـه -عز وجل-، وتنكر القدر
وأن تكون أفعال العباد قد خلقها اللـه، وقالوا : بأن كلام اللـه
محدث مخلوق، وبالمنزلة بين المنزلتين؛ أي أن الفاسق لاهو مؤمن ولا
كافر! وقيل أنهم سُموا بالمعتزلة نسبة إِلى واصل بن عطاء الغزال،
الذي طرده الحسن البصري من مجلسه بسبب مقولته في القدر، فاعتزل
إِلى سارية من سواري مسجد البصرة ومن حينها سمي هو وأتباعه
بالمعتزلة. انظر الفرق بين الفرق: 78-79.
(3) كما هو حال كثير من المتصوفة الذين يردون الأمور إِلى الذوق
والوجد، بعيدين عن الكتاب والسنة، وإِن سألت أحدهم عن الدليل فيما
يقرر سرعان ما يقول لك: حدثني قلبي عن ربي!! ومن كان هذا وصفه
لايستأمن على دين، ولاشك أنه من أكذب الكاذبين على اللـه ورسُوله.
(4) لايوجد تعارض بين العقل السليم وبين النقل الصحيح، وفي حال
ظهور التعارض، يكون لأحد الأسباب التالية:
أ- أن يكون العقل سليماً، ولكن النقل غير صحيح من حيث السند
والمتن.
ب- أن يكون النقل صحيحاً، ولكن العقل يكون قد تجاوز الحد المقدر
له، وتطاول في البحث عن أمورٍ لاتخصه ولاتعنيه، فحينها يظهر
التعارض ويكون الخلل من العقل لامن النقل.
جـ- أن يكون النقل صحيحاً، والعقل سليماً، لكن لجهلنا في التوفيق
بينهما، يظهر لنا الأمر أنهما متعارضان، وفي الحقيقة أنهما غير
ذلك. |