|
-ما من
نبي إِلا ومعه آيةٌ تدلُّ على صدق نبوته-
فهو
سبحانه لكمال عدله ورحمته وإِحسانه وحكمته ومحبته للعذر(1)،
وإِقامة الحُجَّة(2)، لم يبعث نبياً إِلا ومعه آيةٌ تدل
على صدقه فيما أخبر به.
قال تعالى: {لقد أرسلنا رسُلَنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتابَ
والميزان(3) ليقومَ الناسُ بالقسط} الحديد: 25.
وقال تعالى: {فإن كذبوك فقد كُذِّب رُسُلٌ من قبلك جاؤوا بالبينات
والزُّبُر(4) والكتابِ المنير} آل عمران: 184.
حتى إنَّ من أخفى آيات الرسل آياتِ هود، حتى قال له قومه: {ياهودُ ماجئتنا ببينة} هود: 53. ومع هذا فبينته من أوضح البينات لمن وفقه
الله لتدبُّرها، وقد أشار إِليها بقوله: {إِني أُشهدُ اللهَ
واشهَدوا أني بريءٌ مما تشركون، مِن دونه فكيدوني جميعاً ثم
لاتُنظِرون إِني توكلت على الله ربي وربِّكم ما من دابة إِلا هو
آخذٌ بناصيتها إِن ربي على صراطٍ مستقيم} هود: 54-56 . فهذا من
أعظم الآيات: أن رجلاً واحداً يخاطب أمةً عظيمة بهذا الخطاب، غير
جَزِعٍ ولافزعٍ ولاخوَّارٍ، بل هو واثقٌ بما قاله، جازم به، فأشهدَ
اللهَ أولاً على براءته(5) من دينهم وما هم عليه
إِشهادَ واثقٍ به معتمدٍ عليه، مُعْلِمٍ لقومِه أنه وليُّه وناصره
وغير مُسلطٍ لهم عليه، ثم أشهدَهم إِشهاد مجاهرٍ لهم بالمخالفة أنه
بريءٌ من دينهم وآلهتهم التي يُوالُون عليها، ويُعادون عليها(6)،
ويَبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتهم لها، ثم أكَّد ذلك عليهم
بالإِستهانة بهم، واحتقارهم وازدرائهم، ولو يجتمعون كلُّهم على
كيده وشفاء غيظهم منه، ثم يعاجلُونَه ولايمهلونَه لم يقدروا على
ذلك إِلا ما كتبه الله عليه(7).
فأي آيةٍ وبرهانٍ أحسنُ من آيات الأنبياء عليهم السلام وبراهينِهم
وأَدلَّتِهم؟ وهي شهادةٌ من الله سبحانه لهم، بينها لعباده غاية
البيان.
(1) قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "لاشخصَ أغير من الله
تعالى، ولاشخص أحب إِليه العذر من الله -عز وجل-، ومن أجل ذلك بعث
الرسل مبشرين ومنذرين ولاشخص أحب إِليه المدح من الله تعالى، ومن
أجل ذلك وعد الجنة". رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر
في التخريج.
(2) إِقامة الحجة تتعلق بثلاثة ضوابط، وهي: أولاً: أن الجاهل الذي
يجب أن تقام عليه الحجة قبل الحكم عليه، هو من كان جهله عن عجز لايمكن دفعه، أما إِذا كان جهله لسبب غير العجز أو عن عجز يمكن
دفعه لكنه لايفعل، فهو ملام ومسؤول عن تقصيره ولايعذر بالجهل.
ثانياً: الحجة تقوم على الجاهل ببلوغه الخطاب الشرعي عبر أي وسيلة
كانت، شريطة أن تصله بلغة يفهما وبطريقة ترفع عنه العجز بمعرفة
مراد الشارع فيما قد خالف فيه، ولايشترط هنا حصول الاقتناع أو
الاستجابة، فهذا أمر مرده إِلى الله، فهو سبحانه يهدي من يشاء ويضل
من يشاء. ثالثاً: يشترط فيمن يقيم الحجة أن يكون ملماً بالمسألة
التي يريد أن يقيم فيها الحجة على المخالف، لأن فاقد الشيء وجاهله
لايعطيه، ولايشترط - كما يقول البعض - أن يكون عالماً له صفة
العلماء المجتهدين، فإن مثل هذا القيد يستلزم انتفاء قيام الحجة
على العباد لانتفاء وجود هؤلاء العلماء، وهو معارض لقوله تعالى:
{فلله الحجة البالغة} .
(3) هو العدل، ليقوم الناس بالحق والعدل، ومن أسمى معاني العدل
توحيد الله -عز وجل- واتباع الرسل، كما أنه من أشد الظلم الشرك
بالله -عز وجل-، وصرف شيء من مجالات العبادة لغير الله تعالى.
(4) {البينات}، هي الحجج والبراهين القاطعة، {والزبر} هي الكتب
المتلقاة من السماء كالصحف المنزلة على المرسلين، عن تفسير ابن
كثير.
(5) لايستقيم دين ولاتوحيد من دون البراءة من دين المشركين
ومايعبدونه من دون الله -عز وجل-، وصفة البراءة تكون بتكفيرهم،
وبغضهم، ومعاداتهم، ومفاصلتهم كما قال تعالى: {قل ياأيها الكافرون
لا أعبد ماتعبدون ولا أنتم عابدون ماأعبد ولا أنا عابد ماعبدتم ولا
أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين}.
وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إِبراهيم والذين معه إِذ
قالوا لقومهم إِنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم
وبدا بيننا وبينكم العداوةُ والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده}
الممتحنة: 4 .
(6) من الآلهة التي تُعقد الموالاة والمعاداة عليها في زماننا:
الوطن، والقوم، والإِنسانية، والجنسية، والقبيلة، والقانون الوضعي
الجاهلي، والحاكم المُطاع في معصية الله .. كل هذه آلهة تُعبد في
زماننا من دون الله -عز وجل-، وعلى أساسها يُعقد الولاء والبراء !!
فليحذر كل مسلم لدينه، ولينتبه أين هو من دين الله.
(7) هذا التحدي من فردٍ - أعزل إِلا من سلاح الإِيمان بالله -عز
وجل- لجموعهم وعدتهم وعددهم، ثم أن الله يبطل كيدهم، وينجيه من
بينهم ومكرهم، ويمنعه منهم، لهو من أعظم الآيات الدالة على عظمة
الخالق وقدرته سبحانه. |