الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
شروط لا إله إلا الله
ـ الشرط الأول: النطق والإقرار .
  حيث لا بد للمرء ابتداءً إن أراد الدخول في الإسلام، وأن يُجرى عليه حكمه ووصفه .. من أن يقر لفظاً بشهادة التوحيد، وصيغتها " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله " .
ومن أبى ـ مع القدرة ـ أن يقر بالشهادة لا يكون مسلماً معصوم الدم بالإسلام، كما في الحديث عن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: لما حضرَت أبا طالب الوفاةُ، جاءه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" يا عم قُل لا إله إلا الله، كلمة أشهدُ لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟! فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَعرضها عليه ويُعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنهَ عنك " فأنزل الله -عز وجل- :{ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أُولي قُربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم}، وأنزل الله تعالى في أبي طالب قوله لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- :{إنك لا تهدي مَن أحببتَ ولكن اللهَ يهدي من يشاء وهو أعلمُ بالمهتدين} . متفق عليه .
ومن حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمه:" قل لا إله إلا الله أشهدُ لك بها يوم القيامة " قال: لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك !! فأنزل الله:{إنك لا تهدي من أحببت ولكنَّ الله يهدي من يشاء}[1] .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام وحسابهم على الله " متفق عليه .
قال النووي في الشرح 1/212: فيه أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . ا-هـ .
وقال ابن تيمية في الفتاوى 7/609: الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطناً وظاهراً عند سلف الأمة وأئمتها وجماهيره علمائها . ا-هـ .
قوله " مع القدرة " ليخرج بهذا القيد العاجز كالأبكم الذي لا يقدر على الكلام .. لأن العجز الذي لا يمكن دفعه يرفع التكليف عن صاحبه باتفاق جميع أهل العلم .
قلت: من لوازم هذا الشرط التكفير بالقول .. فكما أن الإيمان يكون بالقول وغيره كذلك الكفر يكون بالقول وغيره.
ولم يُخالف في هذا الشرط إلا جهم الضال وأتباعه الذي حصروا الإيمان في التصديق القلبي ولم يشترطوا لصحته النطق، مما حملهم ذلك على القول الآخر المعاكس وهو أن الكفر كذلك يكون محصوراً بالتكذيب القلبي وحسب، فأخرجوا بذلك إمكانية أن يكون الكفر بالقول فضلاً عن أن يكون بالعمل ..!!
وهذا القول رغم فساده وبطلانه ومخالفته للنصوص الشرعية الظاهرة المتواترة، ولما عليه عقيدة أهل السنة والجماعة فقد تأثر به عدد كبير من طلاب العلم المعاصرين ممن ينسبون أنفس زوراً وبهتاناً للعقيدة السلفية أو المنهج السلفي ـ والسلفية منهم براء ـ وغيرهم ممن تأثر بالمدرسة الإرجائية التي تؤصل لعقيدة الإرجاء في الإيمان والوعد والوعيد، كما هو حال كثير من المدارس والجامعات العلمية المعاصرة والموجودة في أمصار المسلمين [2] ..!
وبشيءٍ من المتابعة والتدقيق يجد المرء أن حقيقة هؤلاء ليسوا جهميين في مسائل الكفر والإيمان سواء، بل هم إذا طرحت عليهم مسائل الكفر .. متى يكون المرء كافراً ومتى لا يكون، تراهم يجنحون ويميلون إلى عقيدة جهم في الإيمان والتي مفادها أن من يأتي بالتصديق القلبي فهو مؤمن مهما كان منه من عمل .. أو تلفظ بالكفر !!
فإذا قيل لهم هذا كافر لتصريحه بالكفر، ولشتمه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والدين .. يقولون لك: هل استحل هذا الكفر في قلبه، المهم عندنا سلامة الاعتقاد والتصديق، فهذا كفر في ظاهره لا في باطنه .. ونحن لا سبيل لنا إلى باطنه واعتقاده .. لذا لا مناص من الحكم عليه بالإيمان؛ فهو مؤمن لا يجوز تكفيره مهما أتى بالاطلاقات والكلمات المكفرة ..ما لم تكن هذه العبارات والاطلاقات تعبيراً صريحاً يدل على الكفر أو التكذيب القلبي .. !!
وإذا نوقشت معهم مسائل الإيمان، ومتى يكون المرء مؤمناً ومتى لا يكون .. تراهم يجنحون ويميلون إلى عقيدة مرجئة الكرامية؛ والتي مفادها أن من أتى بالإقرار فهو مؤمن وإن كان في باطنه منافقاً كافراً لم يأتِ بالتصديق والاعتقاد [3] ..!!
فإذا قيل لهم هذا شيوعي ملحد يعتقد الكفر والإلحاد وهو كافر حتى على أصول شيخكم الأول جهم بن صفوان الضال .. قالوا لك: إنه يشهد أن لا إله إلا الله .. كيف نكفر من قال لا إله إلا الله .. وكيف تريدنا أن نحكم عليه بالكفر، وظاهره يدل على الإيمان .. فنحن أُمرنا أن نحكم على الظاهر والله يتولى السرائر .. ولم نؤمر بشق البطون والتنقيب عما فيها..!!
وإذا قيل لهم عن طاغوت من الطواغيت أنه يُظهر الكفر البواح .. اعترضوا عليك بعقيدة جهم .. وإذا قيل لهم عن طاغوت من الطواغيت هاقد أتاكم بالتكذيب والاستحلال القلبي للكفر .. اعترضوا عليك بعقيدة مرجئة الكرامية الضلال !!
فهم باطنيون جهميون إذا أتاهم من كان ظاهره الكفر البواح، ظاهريون كرَّاميون إذا أتاهم من كان باطنه الكفر والإلحاد لكنه يُظهر الشهادة ويُجريها على لسانه لو طُلبت منه ..!!!
وهؤلاء من أشر وأخبث ما ابتليت بهم الأمة والدعوة الإسلامية في قرنها المعاصر .. بحكم ما أتوا من قدرة على التلبيس والتضليل، وكثيراً منه ما يكون أحياناً باسم السلفية، أو باسم أهل السنة والجماعة لتروج أفكارهم على عوام الناس وجهلتهم .. والسلفية الحقَّة، وأهل السنة والجماعة منهم ومن أقوالهم براء كبراءة الذئب من دم يوسف -عليه السلام- !!

 


[1] أخرجه مسلم . أقول: عدم إيمان أبي طالب عم النبي -صلى الله عليه وسلم- .. فيه آية عظيمة من آيات الله تعالى لمن تدبرها وعقلها، وذلك أن القائم على دعوة أبي طالب إلى الإسلام كان شخص النبي -صلى الله عليه وسلم- ذاته .. فرغم ما أوتي -صلى الله عليه وسلم- من علم وحكمة وخلق عظيم، ورغم إلحاحه الشديد على عمه أن يقبل منه الهداية .. إلا أنه لم يتمكن من تحقيق ذلك، ويأبى الله تعالى إلا أن يُميت أبا طالب على الكفر وملة الشرك .. !!
وذلك ليعلم الجميع أن الأمر كله بيد الله تعالى وحده لا يُشركه فيه أحد، فهو وحده سبحانه يهدي من يشاء، ويُضل من يشاء .. وهذا ليس لأحدٍ سواه، حتى نبينا -صلى الله عليه وسلم- ـ على ما أوتي من فضل وعلم ـ لا يملك أن يهدي أحداً إلا أن يشاء الله له الهداية، كما قال تعالى:{ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم} آل عمران:128 . فنبينا -صلى الله عليه وسلم- ليس له إلا هداية البيان والإرشاد، أما هداية التوفيق فهي لله تعالى وحده .
[2] قد بحثنا فساد هذا القول مفصلاً بالأدلة الشرعية في كتابنا " الانتصار لأهل التوحيد .." ، وكذلك كتاب " تهذيب شرح العقيدة الطحاوية .." انظرهما إن شئت .
[3] عرفنا ذلك منهم من كتاباتهم التي كثرت في الآونة الأخيرة .. وكذلك من خلال مناقشاتنا لهم، واحتكاكنا بهم وبمن تأثر بقولهم الباطل .
ومما يُذكر في هذا المقام ما نقله الشيخ محمد قطب ـ حفظه الله ـ في كتابه القيم " لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة " ص158، عن أحد هؤلاء حيث يقول: وإن كنت ما زلت أعجب لرجل ـ طيب مفرط في الطيبة رحمه الله ـ قال ذات يوم وهو في موضع قيادي من العمل الإسلامي: لا نكفر أحداً قال لا إله إلا الله ولو كان شيوعياً! رحم الله القائل وغفر له !! ا-هـ .
فتأمل، فإذا كان هذا في موقع القيادة للعمل الإسلامي يقول مثل هذا القول الذي هو عين مذهب مرجئة الكرامية ..فكيف بالأتباع والرعاع ممن يقلدونه من غير بصيرة أو دليل ..؟!!
وإن كان لنا عتب فعتبنا على الشيخ ـ حفظه الله ـ كيف يكرر هذا الترحم الذي يُستفاد منه التهوين من خطأ وجرم ذاك المدعو والمعروف بأنه رجل قيادي في العمل الإسلامي الذي لا يكفر الملحد الشيوعي لكونه يُظهر ـ ولو لمرة واحدة في العمر ـ شهادة التوحيد ..؟!!
وكان ينبغي للشيخ في أقل الأحوال أن يذكر مقولة الرجل الشنيعة لكن لا بمدح له ولا ذم، ولا دعاء له ولا دعاء عليه ..!!
قال ابن تيمية في مرجئة الكرامية كما في الفتاوى 7/548: الكرامية أصحاب محمد بن كرام يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب ا-هـ . وقد عدهم من فرق المرجئة !

   
F ¥ E