الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
شروط لا إله إلا الله
ـ الشرط الثاني: الكفر بالطاغوت .
  من شروط صحة التوحيد الكفر بالطاغوت، إذ لا إيمان إلا بعد الكفر بالطاغوت ظاهراً وباطناً، وإليك الدليل على صحة هذا الشرط:
قال تعالى:{فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} البقرة:256 . والعروة الوثقى هنا كما نص على ذلك أهل العلم والتفسير هي: شهادة أن لا إله إلا الله؛ أي من أتى بالكفر بالطاغوت ثم أتبعه إيماناً بالله تعالى فهو الـذي يكون قد استمسك بالعروة الوثقى " لا إله إلا الله ".
أما من لم يكفر بالطاغوت وإن آمن بالله تعالى لا يكون قد استمسك بالعروة الوثقى، ولا ممن وفوها حقها وشروطها.
قال ابن كثير في التفسير: أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يُعبد من دون الله، ووحد الله فعبده وحده وشهد أن لا إله إلا هو {فقد استمسك بالعروة الوثقى} أي فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم .. فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشُبه بالعروة الوثقى التي لا تنفصم في نفسها محكمة مبرمة قوية، وربطها قوي شديد .
قال مجاهد: العروة الوثقى يعني الإيمان .
وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله .. ا-هـ . ولا تنافي بين هذه الأقوال ولله الحمد .
وقال القرطبي في التفسير: قوله تعالى:{فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله} جزم بالشرط .. وقوله تعالى:{فقد استمسك بالعروة الوثقى} جواب الشرط .. ا-هـ .
وقال تعالى:{ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} النحل:36. فهذه هي مهمة الأنبياء والرسل على مدار الزمن، ومهمة وغاية كل من سار على نهجهم وطريقهم من الدعاة إلى الله تعالى .
وفي الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من قال لا إلـه إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ".
فقوله -صلى الله عليه وسلم- :" وكفر بما يُعبد من دون الله " هو الكفر بالطاغوت ..
فإن قيل: شهادة لا إله إلا الله يتضمن شطرها الأول المتضمن للنفي " لا إله .." جانب الكفر بالطاغوت، فعلام خص ثانية بالذكر كما ورد في الحديث الآنف الذكر ..؟
أقول: ذلك لتوكيد الأمر وبيان أهميته، كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: فقوله " وكفر بما يعبد من دون الله تأكيد للنفي، فلا يكون معصوم الدم والمال إلا بذلك، فلو شك أو تردد لم يعصم دمه وماله .. واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمناً إلا بالكفر بالطاغوت، والدليل قوله تعالى:{فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى}[1] .
وكونه غير معصوم المال والدم لهو دليل صريح على عدم إيمان من لم يكفر بالطاغوت وإن كان يقول لا إله إلا الله، ويكرر ذكرها على لسانه على مدار الساعة، فهو في ذلك مثله مثل من يقول بالشيء وضده في آنٍ معاً، يقول لا إله إلا الله وفي نفس الوقت يعبد آلهة أخرى مع أو من دون الله تعالى .
وقد تقدم أن الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك لا يمكن أن يجتمعان في قلب امرئٍ واحد كما ورد في الحديث:" لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امرئٍ " وقد تقدم .
فإن قيل علام قُدم جانب النفي على جانب الإثبات في شهادة التوحيد وغيرها من النصوص التي تفسر شهادة التوحيد، وما الحكمة من ذلك ..؟
أقول: هذا التقديم لجانب النفي على جانب الإثبات في شهادة التوحيد وغيرها من النصوص التي تناولت تفسير الشهادة له فوائد وحكم عديدة هامة ومرادة لذاتها شرعاً:
منها: أن من لا يأتي بهذا التقديم ويُراعه في نفسه ودينه يلزمه أن يأتي بالشرك والتوحيد معاً، يأتي بعبادة الطاغوت وعبادة الله تعالى في آنٍ واحد .. وهذا دين أهل الشرك الذين جمعوا بين عبادة الله تعالى وبين عبادة الطاغوت .. فهم آمنوا بالله وهم مشركون، كما قال تعالى عنهم:{وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} يوسف:160.
ومنها: أن عدم مراعاة هذا التقديم من لوازمه ـ ولا بد ـ حبوط العبادة وجميع الطاعات التي يقدمها المرء لله تعالى؛ فهو إذ دخل في عبادة الله تعالى دخل في العبادة والطاعة قبل أن يتبرأ من الشرك وعبادة الطاغوت وينخلع منه .. وقد تقدم أن الشرك يحبط العمل كلياً، ويحرم صاحبه من الانتفاع به، وهو كالسد المنيع الذي يحيل بين العمل وقبوله وصعوده إلى السماء ..!
وعليه من دخل في عبادة الصلاة أو الصوم أو الحج أو الزكاة أو غيرها من العبادات قبل أن يأتي بالكفر بالطاغوت والبراء منه ومن عبادته وحزبه .. لا تنفعه عبادته تلك في شيء، ولا تُقبل منه، وهو نصَب يرتد عليه بالخسران والندم ولات حين مندم .
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: فمن عبد الله ليلاً ونهاراً، ثم دعا نبياً أو ولياً عند قبره، فقد اتخذ إلهين اثنين ولم يشهد أن لا إله إلا الله؛ لأن الإله هو المدعو، كما يفعل المشركون عند قبر الزبير أو عبد القادر أو غيرهم ..
ومن ذبح لله ألف ضحيةٍ ثم ذبح لنبي أو غيره فقد جعل إلهين اثنين:{قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له} [2].

 


[1] مجموعة التوحيد:10- 35 .
[2] الرسائل الشخصية:166.

   
F ¥ E