الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
شروط لا إله إلا الله
ـ علامات المحبة الصادقة .
  سهل على كل أحد وهو متكئ على أريكته أن يدعي حب الله تعالى وحب رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، وحب التوحيد وأهله .. ولكن هل لهذا الإدعاء من برهان يصدقه أو يكذبه ؟
أقول نعم لكل ادعاء علامات وبراهين تصدقه أو تكذبه، وللمحبة الصادقة لله تعالى ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- علامات أهمها:
1- حصول المتابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم- .
فمن أصدق علامات المحبة المتابعة لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وسنته؛ حيث كلما كملت المتابعة كلما قويت المحبة لله تعالى، وكلما نقصت المتابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وللشريعة التي جاء بها من عند ربه كلما ضعفت المحبة، فعلى قدر الاتباع والمتابعة تكون المحبة ارتفاعاً وانخفاضاً، ومن زعم المحبة من غير اتباع للنبي -صلى الله عليه وسلم- فهو كذاب أشر مهما زعم بلسانه أنه يحب الله ورسولَه .
قال تعالى:{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} آل عمران:31.
قال ابن كثير في التفسير: هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله ا-هـ .
وقال ابن تيمية في الفتاوى 8/360: فكل من ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب، وليست محبته لله وحده، بل إن كان يحبه فهي محبة شرك، فإنما يتبع ما يهواه، كدعوى اليهود والنصارى محبة الله، فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب فكانوا يتبعون الرسول، فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين ا-هـ .
وقال تلميذه ابن القيم في المدارج 1/99: وإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها، فهي إنما تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه، فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة، ولهذا جعل اتباع رسوله علَماً عليها، وشاهداً لمن ادعاها، فقال تعالى:{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}، فجعل اتباع رسوله مشروطاً بمحبتهم لله، وشرطاً لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه وتحققه بتحققه، فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة، فانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم، فيستحيل إذاً ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله -صلى الله عليه وسلم- .. ا-هـ .
ومن دلالات الآية الكريمة أن من ينتفي عنه مطلق المتابعة الظاهرة لا يكون مؤمناً ولا محباً لله -عز وجل- .. فهي دليل آخر على كفر من ينتفي عنه جنس العمل بالشريعة وإن أتى بالإقرار والتصديق !

2- إيثار الله ورسوله في حال حصول الاختيار .
من العلامات الدالة على المحبة الصادقة إيثار جانب الله تعالى ورسوله في حال حصل له الاختيار بين طاعة الله ورسوله وبين طاعة ما سواهما من الخلق وكل ما يتجاذبه من فتنة الحياة الدنيا .. فإن آثر جانب طاعة الله ورسوله وحبهما على كل ما يتجاذبه من زينة الحياة الدنيا وفتنتها فقد صدق في دعواه للمحبة، وإن آثر الطرف الآخر بكل زينته وفتنته على الله ورسوله وقدم طاعته على طاعتهما، فقد كذب في دعواه المحبة وكان من المشركين .
قال تعالى:{قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} التوبة:24.
فهذه الأشياء من زينة الحياة الدنيا لو جمعت كلها في جانب ـ وهذا ما يقتضيه حرف العطف الوارد في الآية الكريمة ـ فقدمت على طاعة الله ورسوله وعلى حبهما لكان من المشركين الفاسقين الذين خسروا الدنيا والآخرة .
قال ابن القيم في المدارج 1/100: دل على أن متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- هي حب الله ورسوله وطاعة أمره، ولا يكفي ذلك في العبودية حتى يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما؛ فلا يكون عنده شيء أحب إليه من الله ورسوله، ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله لصاحبه ألبتة، ولا يهديه الله، قال الله تعالى:{قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} . فكل من قدم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله، أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل عليه، أو معاملة أحدهم على معاملة الله، فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وإن قاله بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بخلاف ما هو عليه، وكذلك من قدم حكم أحدٍ على حكم الله ورسوله، فذلك المقدَّم عنده أحب إليه من الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ا-هـ .

3- البلاء والصبر عليه .
فمن علامات الإيمان وصدق المحبة البلاء والصبر عليه كما قال تعالى:{أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون} العنكبوت:2. أي أحسب الناس أن يدعوا المحبة وأنهم من أهل التوحيد والعبودية الخالصة لله تعالى ثم هم لا يُفتنون ولا يُبتلون في دينهم وفي سبيل نصرة هذه الدعوة .. ليميز منهم الصابر المجاهد الصادق في دعواه أنه من المؤمنين من غيره ممن ينقلب على عقبيه من أول فتنة تنزل في ساحته !
كما قال تعالى:{ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوَا أخبارَكم} محمد:31. فصبرهم على البلاء هو علامة صادقة على صدق المحبة والعبودية،وصدق الجهاد في سبيل الله ..
أما أولئك الذين يزعمون الإيمان والتوحيد ثم هم ينقلبون على أعقابهم لأدنى فتنة تصيبهم، أو تنزل في ساحتهم قال تعالى عنهم:{فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} العنكبوت:10. وقال تعالى:{وإن أصابته مصيبة انقلب على عقبيه خسر الدنيا والآخرة} الحج:11.
فالمرء يُبتلى على قدر دينه وإيمانه وتوحيده، وصدق محبته فإن قوي إيمانه وصدق في توحيده لله -عز وجل- وحبه له -سبحانه وتعالى- ، اشتد عليه البلاء وصبَّره عليه، كما في الحديث:" يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إن الصالحين يُشدد عليهم ..".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" كما يُضاعف لنا الأجر كذلك يُضاعف علينا البلاء ".
لذلك فإن الأنبياء ـ لكمال إيمانهم وصدق عبوديتهم لله -سبحانه وتعالى- ـ فإنهم أشد الناس بلاءً في الله وصبراً على البلاء، كما في الحديث:" أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل "، وقال -صلى الله عليه وسلم- :" ما أوذي أحد ما أوذيت في الله -سبحانه وتعالى- " .
وعن أبي سعيد الخدري أنه دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو موعوك، وعليه قطيفة فوضع يده عليه، فوجد حرارتها فوق القطيفة، فقال أبو سعيد: ما أشدُّ حُمَّاك يا رسول الله ! قال:" إنا كذلك يشتد علينا البلاء ويُضاعف لنا الأجر ". فقال يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً ؟ قال:" الأنبياء ثم الصالحون ..".
وجاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: والله يا رسول الله إني أحبك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" إن البلايا أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه "[1]. أي توقع البلاء إن كنت صادقاً فيما تقول .. فعلامة حبك لي، أن تُبتلى في الله وتصبر على البلاء ..!
وبعد، هذه علامات ودلالات المحبة الصادقة لله تعالى ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- : الاتباع .. والإيثار .. والبلاء .. فمن عدمها عدم صدق المحبة وصدق التوحيد والعبودية لله -عز وجل- وحده .
وإن زعم بلسانه خلاف ذلك، وتشبع بما لم يُعط، وأظهر أنه من المؤمنين ومن الموحدين الذين يحبون الله تعالى ورسوله فواقع حاله ولسان عمله يحكم عليه بكل وضوح وصراحة: أنه من الكاذبين .. وأنه من المنافقين الكافرين !

 


[1] أخرجه ابن حبان، السلسلة الصحيحة:1586.
قلت: وجميع ما تقدم من أحاديث عن البلاء هي صحيحة ولله الحمد . ومن هذه الأحاديث وغيرها نستفيد أن المبتلى في الله تعالى ـ وبخاصة منهم الذين يشتد عليهم البلاء في الله ـ يجب أن توسع في حقهم ساحات التأويل والأعذار في حال وقوعهم في الزلات والأمور المتشابهات .. وأن يُقدم في حقهم تحسين الظن على إساءة الظن بهم .. وهذا خلق سني نبوي شريف حيث كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا وقع أحد من أصحابه في زلة وشبهة مريبة .. أقال عثرته وتأول له، وتذكر له الساحات التي ابتلي فيها في الله -عز وجل- .. لا يا عمر، إنه من أهل بدر .. بينما من لم يُعرف عنه بلاء في الله كانت تضيق في حقه ساحة التأويل والأعذار .. وهذه قاعدة جليلة ينبغي التنبه لها عند الخوض في المسائل الكبار كمسائل الكفر والإيمان .

   
F ¥ E