الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
أعمالٌ تُخرِجُ صاحبَها من المِلَّةِ
ـ العمل الرابع: التحاكم إلى شرائع الكفر، والدخول في طاعة المشركين فيما يشرعون.
  وصورته تختلف عمن تقدم ذكرهم .. فقد لا يكون المتحاكم إلى شرائع الكفر والطغيان حاكماً، ولا مبدلاً، ولا مشرعاً .. فهو عمل زائد عما تقدم ذكره، وممكن للمرء أن لا يأتي من هذه الأعمال الآنفة الذكر إلا هذا العمل؛ وهو التحاكم إلى القوانين الوضعية التي هي من صنع البشر.
لذا تعين إفراده وذكره كعمل مستقل من جملة الأعمال التي تخرج صاحبها من الملة.
وصورته: أن يحمل المرء نفسه حراً مختاراً على التحاكم إلى القوانين والمحاكم الوضعية، رغم توفر المحاكم الشرعية التي تحكم له بالشريعة، وتقدر على إنصافه ورد مظلمته ..!
فهو يعدل عن التحاكم إلى شرع الله ـ رغم توفره ووجوده، وتيسره لمن يريده ـ إلى التحاكم إلى الشرائع الوضعية الباطلة ..!
ومن ذلك ما يفعله طواغيت الحكم في بلادنا حيث تراهم يعدلون عن التحاكم إلى الشريعة .. ويحتكمون إلى شرائع الكفر المستوردة من الغرب الفاسد، أو الشرق الملحد .. وهذا زيادة منهم في الكفر والمروق!
فمن فعل ذلك فهو كافر مرتد، خارج من دائرة الإسلام .. لا يتردد في كفره إلا كل أعمى البصر والبصيرة.
والدليل على ذلك، قوله تعالى:{ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً}النساء:60.
فاعتبر الله تعالى إيمانهم زعماً لا حقيقة له؛ وذلك بأنهم عدلوا عن التحاكم إلى شرع الله تعالى إلى التحاكم إلى الطاغوت .. وشرائع الطاغوت، رغم أنهم قد أمروا أن يكفروا به !
قال الشوكاني في التفسير 1/481: فيه تعجيب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل على رسول الله، وهو القرآن، وما أنزل على من قبله من الأنبياء فجاؤوا بما ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها ويوضح أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلاً، وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت، وقد أمروا فيما أنزل على رسول الله وعلى من قبله أن يكفروا به ا- هـ.
ومما يدخل في الطاغوت معنى واسماً كل شرع يُتحاكم إليه غير شرع الله -عز وجل- .
قال محمد بن إبراهيم آل الشيخ في رسالته القيمة " تحكيم القوانين ": فإن قوله -عز وجل- {يزعمون} تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الإيمان في قلب عبد أصلاً، بل الإيمان ينافي الآخر ا- هـ.
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى:{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} النساء:65.
وهذه آية نزلت في رجلين اختصما إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فقضى النبي -صلى الله عليه وسلم- للمحق على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى، فقال صاحبه: فما تريد؟ قال أن نذهب إلى أبي بكر الصديق، فذهبا إليه، فقال الذي قُضي له: قد اختصمنا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقضى لي عليه، فقال أبو بكر: فأنتما على ما قضى به النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فأبى صاحبه أن يرضى، وقال: نأتي عمر بن الخطاب، فأتياه، فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقضى لي عليه فأبى أن يرضى، ثم أتينا أبا بكر الصديق، فقال: أنتما على ما قضى به النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فأبى أن يرضى، فسأله عمر، فقال كذلك، فدخل عمر منزله والسيف في يده قد سله فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله، فأنزل الله تبارك وتعالى:{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم}.
وفي رواية عمرو بن الزبير: فقال عمر: أكذلك؟ للذي قُضي عليه ـ يستوثق منه ـ فقال: نعم، فقال عمر: مكانك حتى أخرج فأقضي بينكما، فخرج مشتملاً سيفه فضرب الذي قال ردنا إلى عمر، فقتله، وأدبر الآخر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله قتل عمر صاحبي: ولولا ما أعجزته لقتلني، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" ما كنت أظن أن عمر يجترئ على قتل مؤمن " فأنزل الله تعالى:{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم}، فبرأ الله عمر من قتله[1].
قلت: هذا حكم من تحاكم إلى أبي بكر وعمر ولم يرض بحكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .. فما قولكم فيمن يتحاكم طواعية إلى قوانين الكفر المستوردة من الغرب أو الشرق، ويقدمها على حكم الله ورسوله .. لا شك أنه أولى بالكفر وبالقتل!
قال ابن تيمية في الفتاوى 28/471: فكل من خرج عن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وشريعته، فقد أقسم الله بنفسه المقدسة أنه لا يؤمن حتى يرضى بحكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جميع ما شجر بينهم من أمور الدين والدنيا، وحتى لا يبقى في قلوبهم حرج من حكمه، ودلائل القرآن على هذا الأصل كثيرة ا- هـ.
وقال تلميذه ابن القيم في التبيان، ص270: أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قبله عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحاكم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض ا- هـ.
ونحوه قول ابن كثير في التفسير: يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول -صلى الله عليه وسلم- في جميع الأمور، فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة ا- هـ.
وقال ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية: فالواجب كمال التسليم للرسول -صلى الله عليه وسلم- والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولاً أو نحمله شبهة أو شكاً، أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحد المرسِل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرسول؛ فلا نحاكم إلى غيره ولا نرضى بحكم غيره، ولا نوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره ..!
لا يثبت إسلام من لم يُسلِّم لنصوص الوحيين، وينقاد إليها، ولا يعترض عليها، ولا يُعارضها برأيه ومعقوله وقياسه.
روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه الله أنه قال: من الله الرسالة، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم ا- هـ.
وقال تعالى:{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}النساء:59.
أي إن كنتم صادقين في إيمانكم بالله واليوم الآخر فردوا ما تنازعتم به ـ من شؤون الدين والدنيا ـ إلى الله والرسول؛ إي إلى الكتاب والسنة .. فإذا انتفى هذا الرد، وتحاكمتم ـ فيما تنازعتم فيه ـ إلى غير الله والرسول، فأنتم غير صادقين في دعواكم بأنكم مؤمنين بالله واليوم الآخر .. مهما زعمتم بلسان القال ذلك، فلسان الحال والعمل يكذبه وينفيه.
قال ابن القيم في الأعلام 1/50: جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء الآخر ا- هـ.
وقال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} الحجرات:2.
قال ابن القيم في الأعلام 1/51: فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سبباً لحبوط أعمالهم، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه، أليس هذا أولى أن يكون محبطاً لأعمالهم ؟!".
قلت: ولا يحبط العمل كلياً إلا الشرك والكفر ..!

 


[1] عن الصارم المسلول:38.

   
F ¥ E