الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
الهِجْرَةُ مسائِلٌ .. وأحكام
1- الهجرة الواجبة:
  عندما يعيش المسلم في دار يخشى فيها على نفسه ودينه من الفتنة والهلاك، فلا يستطيع أن يُظهر دينه، ولا أن يُقيم واجبات دينه، كما أنه لا يستطيع أن يتفادى إكراه المشركين له على تكثير سوادهم والقتال معهم ضد المسلمين .. فحينئذٍ تجب عليه الهجرة من ذلك الدار إلى دار يستطيع أن يُظهر فيها دينه وتنتفي منها تلك العقبات الباعثة على الهجرة .. فإن لم يفعل فهو آثم مفرط بواجب من واجبات الدين.
فإن قيل: فما الدليل على وجوب الهجرة هنا ..؟
أقول: قد تقدم ذكر بعض الأدلة التي تفيد وجوب الهجرة على من كان هذا وصفه وظرفه، ونعيد هنا ذكر بعضها.
قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}النساء:97.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في بلادهم ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من جامع المشرك، وسكن معه فإنه مثله ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إني بريء من كل مسلم مع مشرك .. ألا لا تراءى نارهما ". فهذه الأحاديث ونحوها كلها تفيد وجوب الهجرة، وهي محمولة على المعنى الآنف الذكر، وذلك عندما لا يستطيع المسلم أن يُظهر دينه في الدار الذي يقيم فيه.
قال ابن قدامة في المغني 9/236، فيمن تجب عليه الهجرة: وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه، ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار، فهذا تجب عليه الهجرة لقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}النساء: 97.
وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب؛ ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب ا- هـ.
ومما يُعيّن الهجرة ويؤكد وجوبها حاجة دار الإسلام لمن يهاجر إليها من المسلمين .. كما كانت عليه حال المدينة المنورة في أول عهدها مع الإسلام .. حيث كانت الحاجة ماسة لمن يهاجر إليها من المسلمين .. ليتقووا به على جموع الكفر الغفيرة المحيطة بالمدينة يومئذٍ ..!
إلى حدٍّ جعل الله تعالى الموالاة والنصرة معقودة على الهجرة .. وعلى من يهاجر إلى المسلمين في المدينة، كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}الأنفال:72.
وكذلك مما يؤكد وجوب الهجرة أن يكون بين دار الكفر ودار الإسلام حرب وقتال .. فحينئذٍ يتغلّظ التعيين حتى لا يُرمى المسلمون المقيمون في دار الكفر بسهام المسلمين المجاهدين، أو يكونون ترساً يتترس بهم العدو من سهام المسلمين ..!
وهذا أمر تفعله جميع الأمم التي تغار على رعاياها .. فما من دولة يلوح بينها وبين أي دولة أخرى بوادر الحرب والقتال إلا وتناشد رعاياها بأن يخرجوا من حدود تلك الدولة المحاربة حتى لا يتعرضوا لمرمى نيرانها .. وحتى لا يتترس بهم العدو كخط أمامي كاسح للألغام، يتصدى للضربات الأولى من الحرب..!
فإن قيل: قلتم أن المتخلف عن هذا النوع من الهجرة آثم .. فما نوع هذا الإثم، فهل يرقى إلى درجة الكفر..؟!
أقول: الجواب على هذه المسألة متوقف على ما يترتب على ترك الهجرة .. فإن ترتب على تركها فسقاً وظلماً دون الكفر فصاحبها يكون آثماً وأثمه دون الكفر. وإن ترتب على تركها كفراً ومظاهرة المشركين على المسلمين فتارك الهجرة حينئذٍ يكون كافراً مرتداً.
هذا ما يقتضيه ظاهر قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}النساء:97.
وقوله تعالى:{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}النحل:28-29.
وهذه آيات نزلت في الذين تركوا الهجرة وآثروا البقاء مع المشركين .. فأكرهوا فيما بعد على مظاهرة المشركين وتكثير سوادهم ضد المسلمين .. وقوله تعالى:{فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها} يفيد أنهم ماتوا ـ بسبب تركهم للهجرة ومظاهرتهم للمشركين ـ كفاراً؛ لأن الخلود في نار جهنم من شأن من يموت على الكفر والعياذ بالله.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" لا يقبل الله تعالى من مشرك أشرك بعدما أسلم عملاً حتى يفارق المشركين إلى المسلمين "[1].
قلت: ولا يمنع من قبول العمل مطلقاً إلا الشرك .. والحديث ينبغي أن يُحمل في حال ترتب على ترك الهجرة الوقوع في الكفر ولا بد.
قال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في الرسائل: وأكبر ذنب وأضله وأعظمه منافاة لأصل الإسلام نصرة أعداء الله ومعاونتهم والسعي فيما يظهر به دينهم وما هم عليه من التعطيل والشرك والموبقات العظام، وكذلك انشراح الصدر لهم وطاعتهم والثناء عليهم ومدح من دخل تحت أمرهم وانتظم في سلكهم، وكذلك ترك جهادهم ومسالمتهم وعقد الأخوة والطاعة لهم.
وقد قال شيخ الإسلام في اختياراته: من جهز إلى معسكر التتار ولحق بهم ارتد، وحل ماله ودمه .. ا- هـ.
قلت: كذلك في هذه الأيام من يجهز من المسلمين في أفغانستان إلى معسكر الأمريكان ويكثر سوادهم، وينصرهم، ويظاهرهم على المجاهدين المسلمين .. فإنه كافر مرتد، حلال الدم والمال .. ولا ينبغي التردد في ذلك.
قال ابن حزم في المحلى 12/125: وقد علمنا أن من خرج عـن دار الإسلام إلى دار الحرب فقد أبق عن الله تعالى، وعن إمام المسلمين وجماعتهم، ويُبين هذا حديثه -صلى الله عليه وسلم- :" أنه بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين "، وهو -عليه السلام- لا يبرأ إلا من كافر، قال الله تعالى:{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}.
فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختاراً محارباً لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يبرأ من مسلم ا- هـ.
فمن آثر الحياة الدنيا وزينتها، وقدمها على الهجرة الواجبة إلى الله وإلى رسوله، وعلى الجهاد في سبيل الله .. فقد حق عليه قوله تعالى:{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}التوبة:24.
وقوله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}البقرة:165.

 


[1] أخرجه ابن ماجه وغيره، صحيح الجامع: 7748.

   
F ¥ E