الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
قـواعـدٌ في التكفير
ـ المقدمة:
 
بسم الله الرحمن الرحيم

على الله توكلت، وهو حسبي ونعم الوكيل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} آل عمران:102.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} النساء:1.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} الأحزاب:70-71.
أما بعد:
فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلّ مُحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
من يتأمل واقع كثير من الناس يجد أنهم يجنحون في كثيرٍ من حياتهم الدينية والدنيوية إما إلى غلوٍّ وإفراط، وإما إلى جفاءٍ وتفريط .. والوسط بينهما يكاد يكون عزيزاً نادراً، لكنه ـ في هذه الأمة ـ لا يمكن أن ينضب، وهو باقٍ بقاء الحق .. وإلى يوم القيامة بإذن الله.
وفي الآونة الأخيرة بزغت ظاهرة الغلو في التكفير من جديد، وبشكلٍ ملفت للإنتباه؛ ظاهرة تكفير الناس .. وانتهاك الحرمات بغير وجه حق .. أو مراعاةٍ لضوابط وقواعد التكفير ..!
مما حدى بالقوم ـ عن قصدٍ أو غير قصد ـ أن يقفوا تحت مظلة الخوارج الأوائل، وتحت رايتهم وشعارهم .. وينضموا إلى حزبهم وقافلتهم السوداء؛ الخوارج الذين حكَّموا الظن بدلاً من اليقين، والجهل بدلاً من العلم، فكفَّروا الناس بالذنوب التي هي دون الكفر الأكبر، ورتبوا على ذلك ولاء وبراء، وعداوة وبغضاء .. فأحلوا بذلك لأنفسهم انتهاك الحرمات بغير سلطان من الله!
وفي هؤلاء يصدق قول النبي -صلى الله عليه وسلم- :" يقتلون أهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " متفق عليه.
وقوله -صلى الله عليه وسلم- :" سيخرج قوم آخر الزمان أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يُجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة " البخاري.
وكان ابن عمر يقول فيهم:" إنهم انطلقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين! " البخاري.
وكذلك في الموقف المقابل ملاحظة حزب أهل التجهم والإرجاء؛حزب التفريط والجفاء، أصحاب النفس الإرجائي الإتكالي، القائل: لا يضر مع التصديق ذنب .. أي ذنب .. ومن قال لا إله إلا الله دخل الجنة مهما كان منه من عمل!!
فتعاملوا مع الناس على أساس أسمائهم التي تنم عن انتسابهم لأبوين مسلمين، بغض النظر عن عقائدهم وأفعالهم الظاهرة، فالمرء يكفي عندهم لأن يكون مسلماً في الدنيا والآخرة .. وأن يُزوج من بنات المسلمين، ويُعامل معاملة المسلمين من حيث الحقوق والواجبات .. أن يكون اسمه أحمد أو خالداً .. أو يحمل شهادة ميلاد مكتوب عليها مسلم .. ولا ضير عليه بعد ذلك أن يكون شيوعياً أو علمانياً حاقداً على الإسلام والمسلمين، شتاماً للرب والدين ولأتفه الأسباب .. وممن يُحاربون الله ورسوله .. لا يُراعي في المؤمنين إلاً ولا ذمَّة .. فلا يضر مع اسمه الإسلامي أو هويته الإسلامية ذنب بل ولا كفر[1]!!
فانطلقوا إلى آيات نزلت في المؤمنين الموحدين، ونصوصٍ قِيلت في عصاة الموحدين .. فحملوها على الكفار المارقين، والزنادقة الملحدين .. والطواغيت الآثمين .. وجعلوهم بمرتبة عصاة أهل القبلة من المؤمنين !!
فأماتوا ـ بذلك ـ الأمة أماتهم الله، وأصابوها بالوهن؛ حب الدنيا وكراهية الموت، وورثوا أبناءها روح الإتكالية وحب ترك العمل، حتى سهل عليهم ترك الحكم بما أنزل الله واستبداله بحكم وشرائع الطاغوت .. وصوروا لهم أن الأمر لا يتعدى أن يكون معصيةً .. وأن يكون كفراً دون كفر .. وأنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه .. فجرأوهم بذلك على الكفر البواح وهم يدرون أو لا يدرون ..!
وكذلك الصلاة ـ عمود الإسلام .. آخر ما يفقد من الدين؛ فإذا فُقدت فُقد الدين .. الصلاة التي حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- على تاركها بالكفر والشرك والخروج من الملة ـ فقد هونوا من شأنها؛ لأنها عمل .. وجادلوا عن تاركها أيما جدالٍ .. إلى أن هان على الناس تركها، وأصبح تركها صفة لازمة لكثير من الناس .. ولا حول ولا قوة إلا بالله!
فقالوا لهم: لا عليكم، هذا الكفر .. كفر عمل .. وكفر العمل ـ ما دام عملاً ـ ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، وإنما هو كفر أصغر، وكفر دون كفر .. فوسعوا بذلك دائرة الكفر العملي الأصغر بغير علم ولا برهان حتى أدخلوا في ساحته الكفر الأكبر، وأئمة الكفر البواح ..!
ومن أخلاقهم وشذوذاتهم كذلك أنهم ضيقوا نواقض التوحيد وحصروها في ناقضة الاستحلال أو الجحود القلبي فقط، والمستحل عندهم الاستحلال الموجب للكفر هو الذي يسمعهم عبارة الاستحلال القلبي واضحة صريحة، وما سوى ذلك من القرائن العملية الظاهرة الدالة على الرضى والاستحلال والجحود، وحقيقة ما وقر في الباطن فلا اعتبار لها .. فباب التأويل مفتوح على مصراعيه، وساحة الأعذار الواهية، والتأويلات الباطلة تسع أطغى طغاة الأرض ..!!
فجرأوا الناس على ترك العمل، وعيشوهم على الرجاء المحض، وعلى أمل وأمان الذرة الواحدة من الإيمان .. {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُون}الأعراف:99.
ومما لا شك فيه أن كلا الفريقين ـ فريق الغلو وفريق الإرجاء ـ على ضلالٍ كبير، وخطر عظيم في دينهم؛ فكما أن تكفير المسلمين بالظن، ومن دون علم ولا برهان مؤداه أن يرتد الحكم بالكفر على صاحبه الذي أطلقه، كذلك فإن عدم تكفير الكافر، أو حتى الشك في كفره قد يؤدي بصاحبه إلى الكفر والخروج من دائرة الإسلام[2].
والحصن من الانجراف وراء كلا الفريقين، وغيرهم من أهل البدع والأهواء هو العلم النافع؛ وأهم العلم و أوكده وأشرفه علم التوحيد الذي يعرِّف العبد على خالقه وعلى خصائصه، وأسمائه وصفاته -جل جلاله- .. وعلى حقه عليه .. كما يعرفه على الإيمان وشروطه ومتطلباته وأسباب زيادته فيأتيها، ويجتهد في طلبها .. وعلى الشرك وما يقرب إليه فيجتنبه ويعتزله .. ويكفر به وبأهله.
فجاهل التوحيد سهل الغزو والمنال، لا تؤمن عليه فتنة الوقوع في شباك الشرك والكفر، وأن يكون ظهيراً للمجرمين؛ لأن جاهل الشيء كفاقده، وفاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه.
كما أن فاقد التوحيد لا يثبت له بنيان ولا قرار .. ولا يُقبل منه طاعة ولا عمل .. مهما اجتهد في الطاعات ..!
لذا نؤكد على أهمية التفقه بالتوحيد .. وأن أول ما ينبغي على المسلم تعلمه والتفقه به .. والنفور إلى تحصيله هو التوحيد؛ فيطلبه بدليله من الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة .. بعيداً عن طريقة ومسائل أهل الكلام والأهواء وغيرهم من أهل البدع الذين ضلوا الطريق .. وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعاً!
قال تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}محمد:19.
وعن جندب بن عبد الله، قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن فتيان، فتعلمنا الإيمان ـ أي التوحيد ـ قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً[3].
وهذا البحث الذي أسميته" قواعد في التكفير " هو محاولة جادة لترشيد طرفي الغلو والجفاء .. طرفي الإفراط والتفريط .. إلى الاعتدال والوسطية الحقة التي جاء بها الإسلام، ولكي يكون عوناً لكل من ينشد الحق في مسائل التوحيد .. مسائل الكفر والإيمان.
وقد تناولت فيه ضوابط وقواعد التكفير، وأجملتها في إثنى عشرة قاعدة .. ثم أتبعت القواعد بملحق أجبت فيه على بعض المسائل الهامة ـ ذات العلاقة بموضوع هذا الكتاب ـ أشكل فهمها على كثير من الناس.
وإني لأعترف أن الطريق وعر وصعب .. وأن المعبر طويلٌ وشاق .. وأن المزالق فيه قاتلة .. وأن الزاد قليل .. ولولا شعوري بالضرورة الملحة للبحث في هذا الموضوع الهام .. وحاجة الناس إليه .. لما شرَعت ولا تجرأت، راجياً من الله تعالى العون والتوفيق والسداد .. فإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان .. وأستغفر الله، وأتوب إليه .. وإن أصبت وأحسنت .. فمن الله تعالى وحده، وله الفضل كله .. {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} هود:88. وهو حسبي ونعم الوكيل.

وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

 


[1] تأمل هل تجد حالة تفريق بين زوجين بسبب ارتداد أحدهما عن الدين، علماً أن مجتمعاتنا تغص بالمرتدين والزنادقة الملحدين .. والمرأة التي تطلب التفريق بسبب حصول الردة لزوجها .. تُرمى ـ في كثيرٍ من مجتمعاتنا ـ بالجنون، وتُعاقب بالسجن وغير ذلك .. وهذا كله بفعل مذهب أهل التجهم والإرجاء الذي لاقى رواجاً وقبولاً كبيرين عند طواغيت الحكم ؟!
خطر المرجئة ـ وبخاصة في هذا الزمان ـ ليس محصوراً على بُعد الخلاف النظري الكلامي في المسائل التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة .. ولو كان الأمر كذلك لهان الخطب .. ولما عنيناهم بالرد .. وإنما هو يمتد ويمتد إلى أن يُلامس واقع الناس وحياتهم .. وطريقة تعاملهم مع ربهم -عز وجل- .. ومع أنفسهم .. ومع غيرهم من الناس ..!
بسبب أهل التجهم والإرجاء ومذهبهم الخبيث .. ترى كثيراً من شباب الأمة يستحسنون العمل كجنود وجواسيس عند طواغيت الحكم الظالمين .. ولا يتورعون من التجسس على المؤمنين الموحدين لصالح الطواغيت الآثمين بحجة أن الآخرين ولاة أمر شرعيين تجب طاعتهم وموالاتهم ونصرتهم على كل من يُخالفهم .. كما أفهمهم ذلك مشايخ الإرجاء، عليهم من الله ما يستحقون!!
[2] المسألة لها ضوابطها .. كما سنبينه لاحقاً إن شاء الله.
[3] صحيح سنن ابن ماجه:"170".

   
F ¥ E