الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
قـواعـدٌ في التكفير
ـ قول أهل العلم في الكفر دون كفر، والفسق دون فسق، والظلم ظلم.
  في قوله -صلى الله عليه وسلم- :" الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل". قال ابن تيميه في الفتاوى 7/67: قال ابن عباس وأصحابه: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وكذلك قال أهل السنة كأحمد وغيره ا- هـ.
وعن طاووس، قال: قلت لابن عباس:{ومن لم يحكم بما أنزل الله} فهو كافر؟ قال: هو به كفر وليسس كمن كفر بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله. وقال: كفر لا ينقل عن الملة[1].
وعن ابن جريح عن عطاء قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.
قال محمد بن نصر: قالوا: وقد صدق عطاء، قد يسمى الكافر ظالماً، ويسمى العاصي من المسلمين ظالماً، فظلم ينقل عن ملة الإسلام، وظلم لا ينقل. قال: وكذلك الفسق فسقان، فسق ينقل عن الملة وفسق لا ينقل عن الملة، فيسمى الكافر فاسقاً، والفاسق من المسلمين فاسقاً قال تعالى:{وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} . يريد الكفار دل على ذلك قوله:{كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا}. ونسمي الفاسق من المسلمين فاسقاً ولم يخرج من الإسلام. قال تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} . فقال العلماء في تفسير الفسوق هنا: هي المعاصي. قالوا: فلما كان الظلم ظلمين، والفسق فسقين، كذلك الكفر كفران. أحدهما: ينقل عن الملة، والآخر لا ينقل عن الملة، وكذلك الشرك شركان: شرك في التوحيد ينقل عن الملة، وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء[2].

 


[1] قوله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. قال ابن عباس: أنزلها الله في الطائفتين من اليهود، ففيهم والله أنزل وإياهم عنى الله -عز وجل- . وقال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر.
وعن البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وابي مجلز، وأبي رجاء العطاري، وعكرمة، وعبيد الله بن عبد الله، والحسن البصري وغيرهم، قالوا: نزلت في أهل الكتاب. زاد الحسن البصري فقال: وهي علينا واجبة.
وعن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي الله لهذه الأمة.
والذي اختاره ابن جرير الطبري في تفسيره: أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب.[ انظر تفسير ابن كثير ].
ـ مما سبق تتضح الأمور التالية:
1- أن الآيات نزلت في كفار أهل الكتاب، وهي تشمل غيرهم ممن وقع بنفس فعلهم وتبديلهم لحكم الله.
2- أن الآيات إذا أُطلقت فهو يُراد منها: الكفر الأكبر، والفسق الأكبر، والظلم الأكبر؛ لأنها نزلت في أهل الكتاب الذين بدلوا وجحدوا ما أنزل الله. وهذا بخلاف ما عليه أهل الإرجاء الذين يصرفون الآيات ابتداءً إلى الكفر دون كفر، والظلم دون ظلم، والفسق دون فسق .. وكأنها نزلت في ذلك!
3- عند حمل الآيات على المسلمين، يُنظر لحالهم وواقعهم؛ فإن كانوا وقعوا في الإعراض أو التبديل أو الجحود لحكم الله على النحو الذي وقع فيه أهل الكتاب .. فإنه يتعين حينئذٍ أن يُحمل عليهم: الكفر الأكبر، والفسق الأكبر، والظلم الأكبر، وإن لم يُصرحوا بعظمة لسانهم أنهم يجحدون حكم الله؛ إذ لسان الواقع والحال يكون في كثير من الأحيان أصدق تعبيراً عن الجحود أو الإعراض والتكذيب لحكم الله تعالى من لسان المقال.
أما إن كانوا ممن يحكمون بما أنزل الله، وتظهر منهم القرائن القولية والعملية على حبهم للحكم بما أنزل الله، وعلى حرصهم على تطبيقه وتنفيذه .. وأنهم يبذلون جل طاقتهم في سبيل ذلك .. ثم هم في مسألة أو بعض المسائل لم يحكموا فيها بما أنزل الله لهوى أو ضعف أو تأويل .. فهؤلاء هم الذين يُحمل عليهم قول ابن عباس وغيره من أهل العلم: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم، والله تعالى أعلم.
4- إذا كان ابن عباس يقول: أن الآيات نزلت في كفار أهل الكتاب؛ أي أنها نزلت ويُراد منها الكفر الأكبر .. إذاً من يقصد بقوله: كفر دون كفر، وإنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ؟! لا شكّ أنه كان يقصد الحكام المسلمين المعاصرين له يومئذٍ من بني أمية .. ويقصد الرد على خوارج ذلك الزمان الذين حملوا الآيات وأنزلوها بغير حق ولا برهان على حكام بني أمية الذين ظهرت منهم نوع مخالفة لحكم الله .. فرد عليهم بمقولته المشهورة تلك.
والذي وقع فيه بنو أمية من مخالفة لنظام الحكم في الإسلام قد أشار إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله:" أول ما يُفقد من الدين الحكم " أي نظام الحكم من شوري إلى ملك وراثي عضوض .. وقال -صلى الله عليه وسلم- :" أول من يغير سنتي رجلٌ من بني أمية ". أي تغيير سنته -صلى الله عليه وسلم- في اعتماد الشورى لاختيار الخليفة إلى نظام وراثي .. ومع ذلك لم يقل أحد من أهل العلم بكفر معاوية -رضي الله عنه- أو بكفر أولاده ـ ومن جاء بعدهم من الحكام ـ الذين حكموا المسلمين بالوراثة!
5- إذا تبين لنا ذلك .. وعلمنا الظروف التي أطلق فيها ابن عباس مقولته " كفر دون كفر " ومن المراد من مقولته هذه .. علمنا بالضرورة أنه لا يجوز أن تُحمل مقولته هذه على طواغيت الحكم المعاصرين الذين اجتمعت فيهم جميع نواقض الإسلام .. وفاقوا حكام أهل الكتاب في كثير من خصال الشر .. كما لا يجوز أن يُقاسوا على حكام بني أمية أو العباسيين .. كما يفعل ذلك مشايخ الإرجاء!!
[2] نقلاً عن الفتاوى لابن تيمية: 7/227-239.

   
F ¥ E