الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
قـواعـدٌ في التكفير
9ـ الموالاة.
  الموالاة: ضد المعاداة، وهي تعني: الحب والمناصرة، والحلف ويندرج تحتها معانٍ، منها: الركون، والتودد، والمداهنة، واتخاذ الآخرين بطانة وهذه المعاني والدلالات لكلمة الموالاة جاء ذكرها في الكتاب والسنة.
وموالاة المؤمنين بعضهم بعضاً من دون الكافرين واجبة، وموالاتهم للكافرين محرمة.
والموالاة في الشريعة نوعان: موالاة كبرى، وموالاة صغرى.

ـ الموالاة الكبرى: تفضي بصاحبها إلى الكفر الأكبر، والخروج من الملة، وصفة هذا النوع من الموالاة تكون بنصرة الكفار والتحالف معهم ضد المسلمين، أو بمعاونتهم على إنزال العذاب والفتنة بالمسلمين، وكذلك تكون بحبهم وحب من يحبهم، ومعاداة وبغض من يبغضهم ويعاديهم، فينعقد الولاء والبراء على أساس موالاة الكفار ومعاداتهم؛ فمن والى الكفار والوه وأحبوه، وقربوه، ومن عاداهم عادوه وأبغضوه، وأبعدوه .. فهذا النوع من الموالاة للمشركين كفر أكبر يُعد من أشد النواقض نقضاً للإيمان، والأدلة على ذلك كثيرة منها:
قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم}المائدة:51
عن محمد بن سيرين، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر، قال: فظنناه يريد هذه الآية:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء}المائدة:51.[1].
والولاية الواردة في الآية يراد بها ولاية التناصر والتحالف، وليس ولاية العقيدة والدين، كما دل على ذلك سبب النزول[2].
قال ابن كثير في التفسير: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان أحد بني عوف ابن الخزرج له من حلفهم مثل الذي لعبد الله ابن أبي فخلعهم إلى رسول الله، وتبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم، ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة ا- هـ.
وقال سيد قطب رحمه الله في الظلال: إن معنى الولاية التي ينهى الله الذين آمنوا أن تكون بينهم وبين اليهود والنصارى، إنها تعني التناصر والتحالف معهم، ولا تتعلق بمعنى اتباعهم في دينهم، فبعيد جداً أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في
الدين، إنما هو ولاء التحالف والتناصر ا- هـ.
وفي قوله تعالى:{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم} قال الشوكاني في التفسير: أي فإنه من جملتهم وفي عدادهم وهو وعيد شديد فإن المعصية الموجبة للكفر هي التي قد بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية.وقوله:{إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين} تعليل للجملة التي قبلها: أي أن وقوعهم في الكفر هو بسبب عدم هدايته سبحانه لمن ظلم نفسه بما يوجب الكفر كمن يوالي الكافرين ا- هـ.
وقال تعالى:{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} المائدة:81.
قال ابن تيمية في الفتاوى 7/17: فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب. ومثله قوله تعالى:{لا تتخذوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم}المائدة:51. فإنه أخبر في تلك الآية أن متوليهم لا يكون مؤمناً، وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم، فالقرآن يصدق بعضه بعضاً ا- هـ.
وقال تعالى:{لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاة}آل عمران:28.
قال الشوكاني في التفسير: وقول:{فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْء} أي من ولايته في شيء من الأشياء، بل هو منسلخ عنه بكل حال ا- هـ.
ولا تنسلخ ولاية الله مطلقاً إلا عن الكافرين المجرمين، كما قال تعالى:{وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُون}الأنفال:34.
وقال تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِير}الأنفال:73. قال البغوي في التفسير: فالفتنة في الأرض قوة الكفر، والفساد الكبير ضعف الإسلام ا- هـ.
وقال القرطبي في التفسير: الفساد الكبير ظهور الشرك ا- هـ.
وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}النساء:97.
وقال تعالى:{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِين} النحل:29.
قال عكرمة: نزلت هذه الآية بالمدينة في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا، فأخرجتهم قريش إلى بدر كرها فقتلوا بها.
وفي صحيح البخاري، عن ابن عباس: أن أناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فيأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضربه فيقتله، فأنزل الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِم}.
فمقتضى الآيات ـ كما قرر ذلك أهل العلم والتفسير ـ أن هؤلاء الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قد ماتوا على الكفر والشرك بسبب مظاهرتهم للمشركين على المسلمين. ومما يقوي ذلك أن العباس عم النبي -صلى الله عليه وسلم- ، كان قد أسر مع من أسر من المشركين يوم بدر، فعومل معاملة المشركين لمظاهرته للمشركين على النبي -صلى الله عليه وسلم- رغم قوله أنه مسلم، وطلب منه أن يفدي نفسه شأنه شأن بقية الأسرى من المشركين.
كما أنه لم يقبل عذره بأنه خرج مكرهاً مع المشركين لمقاتلة المسلمين، لأنه كان ممن يستطيعون حيلة ويهتدون سبيلاً للهجرة والنفاذ من سلطان المشركين قبل أن يقع عليه هذا الإكراه، لكنه لم يفعل.
وفي السيرة أن خالد بن الوليد لما وصل إلى العرض في مسيره إلى أهل اليمامة لما ارتدوا قدَّم مائتي فارس، وقال: من أصبتم من الناس فخذوه، فأخذوه"مجاعة" في ثلاثة وعشرين رجلاً من قومه، فلما وصل إلى خالد، قال له: يا خالد، لقد علمت أني قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حياته فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس، فإن يك كذاباً قد خرج فينا فإن الله يقول:{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.
فقال: يا مجاعة، تركت اليوم ما كنت عليه أمس! وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه، وأنت أعز أهل اليمامة، وقد بلغك مسيري، إقراراً له ورضاء بما جاء به، فهل لا أبيت عذراً، وتكلمت فيمن تكلم، فقد تكلم ثمامة فرد وأنكر، وتكلم أليشكري.. فإن قلت: أخاف قومي، فهلاّ عمدت إليَّ أو بعثت إليَّ رسولاً ؟!
فقال: إن رأيت يا ابن المغيرة أن تعفو عن هذا كله، فقال: قد عفوت عن دمك، ولكن في نفسي حرج من تركك!![3].
ومن نواقض الإسلام التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتبه: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين[4].
ولحفيده الشيخ سليمان بن عبد الله: فالذي يتسبب بالدفع عنهم حميةً، أو يشير بكف المسلمين عنهم، من أعظم الموالين المحبين للكفار من المرتدين والمنافقين ..!
ويكفي في ذلك ما رواه أحمد، والترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم، والطبراني والحاكم وصححه، عن ابن مسعود، قال: لما كان يوم بدر جيء بالأسرى وفيهم العباس، فقال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" ما تأمرون في هؤلاء الأسرى؟" فقال أبو بكر: قومك يا رسول الله وأهلك. وفي حديث أنس عن أحمد، نرى أن تعفو عنهم وتقبل منهم الفداء.
فقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدمهم فاضرب أعناقهم، فدخل النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يرد عليهم شيئاً فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال:" أنتم عالة، فلا ينفلتن أحدٌ منهم إلا بفداءٍ أو ضرب عنق". فأنزل الله:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْض}.
وأما من يشير بكف المسلمين عنهم، فإن كان مراده بذلك تأليفهم على الدخول في الإسلام، أو دخولوا فيه أو واعدوه بالدخول فيه عن قريب، وكانت المصلحة في تركهم قليلة ونحوه يجوز ذلك. وإن كان المراد به أن لا يتعرض المسلمون لهم بشيء لا بقتال ولا نكال وإغلاظ ونحو ذلك، فهو من أعظم أعوانهم وقد حصلت له موالاتهم مع بعد الديار وتباعد الأقطار ..!
وأما قول السائل: هل يكون هذا موالاة نفاق أم يكون كفراً؟ إن كانت الموالاة مع مساكنتهم في ديارهم والخروج معهم في قتالهم ونحو ذلك، فإنه يحكم على صاحبها بالكفر[5]، كما قال تعالى:{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم}[6].
وللشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، قال كما في الرسائل المفيدة، ص64: وأكبر ذنب وأضله وأعظمه منافاة لأصل الإسلام نصرة أعداء الله ومعاونتهم والسعي فيما يظهر به دينهم وما هم عليه من التعطيل والشرك والموبقات العظام، وكذلك انشراح الصدر لهم وطاعتهم والثناء عليهم ومدح من دخل تحت أمرهم وانتظم في سلكهم، وكذلك ترك جهادهم ومسالمتهم وعقد الأخوة والطاعة لهم ا- هـ.

ـ موالاة دون موالاة: وهي مولاة صغرى لا تخرج صاحبها من الملة، وصفتها: أن تكون أقل ظهوراً من المولاة الكبرى؛ كأن يكون عند المرء شيء من الود والميل للكفار والمنافقين من أجل مآرب مادية أو روابط عرقية وقبلية .. ونحو ذلك.
كما في الصحيحين من قصة الإفك، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :" من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي ـ يريد رأس النفاق عبد الله بن أُبي ـ والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً "؟. فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أعذرك منه، إن كان من إخواننا من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فأخذت سعد بن عبادة غيرة!
قالت عائشة رضي الله عنها: كان قبل ذلك أمرءأً صالحاً، ولكن أخذته حمية، لأن ابن أُبي كان كبير قومه.
فقال سعد: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله!!
فقام أسيد بن حضير، فقال: كذبت لعمر الله، فإنك منافق تجادل عن المنافقين! وثار الحيان حتى نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجعل يسكّنهم.
فرغم هذه الحمية التي أخذت سعد بن عبادة، ودخوله في هذا النوع من الجدال عن المنافقين إلا أنه لم يكفر ولم يكن موالٍ لهم الموالاة الكبرى التي تخرجه من الملة
قال ابن تيميه في الفتاوى 7/523: وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم فتكون ذنباً بنقص به، إيمانه، ولا يكون به كفراً، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة[7]، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وأنزل الله فيه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّة}الممتحنة:1.
وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أبي في قصة الإفك، فقال: لسعد بن معاذ: كذبت والله لا تقتله ولا تقدر على قتله، قالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية. وكذلك قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه، إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين، هو من هذا الباب.
وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدخشم: منافقاً! وإن كان قال ذلك لما رأى فيه من نوع معاشرة ومودة للمنافقين ا- هـ.
ولكن هذا النوع من الموالاة ـ وإن لم يكن كفراً ـ إذا اتسعت دائرته ليأخذ طابع التعاون والتحالف مع الكفار والمنافقين على أمن وسلامة المسلمين، فإنه حينئذٍ يدخل إطار الموالاة الكبرى التي تخرج صاحبها من الملة .. فالحذر فإن الصغائر بريد إلى الكبائر، والموالاة الصغرى غالباً ما تكون ـ مع التهاون ـ بريداً إلى الموالاة الكبرى.

 


[1] قاله ابن كثير في التفسير.
[2] كما يدعي مشايخ الإرجاء؛ حيث يعتبرون الموالاة التي تخرج صاحبها من الملة هي موالاة الكفار في الدين والعقيدة .. وما سوى ذلك فهي موالاة عملية لا تخرج صاحبها من الملة!!
وهذا بعيد ومعارض لدلالات أدلة الكتاب والسنة؛ لأن استحسان دين الكفار وعقيدتهم كفر مستقل وإن لم يتبعه موالاة، فتحسين الكفر والرضى به شيء، والموالاة شيء آخر .. وإن كان كلاهما كفراً أكبر مخرجاً عن الملة.
[3] مجموعة التوحيد:299. قلت: تأمل كيف أن خالد بن الوليد -رضي الله عنه- اعتبر مجاعة مقراً بأمر مسيلمة الكذاب وراضٍ بدعوته لمجرد بقائه في سلطان مسيلمة الكذاب من غير عجز، ولا إخبار، علماً أن مجاعة لم يصرح بالقول بأي كلمة تدل على رضاه بمسيلمة ودعوته!
[4] الرسائل الشخصية:213.
[5] لأن موالاته لهم ظاهرة، أما موالاة النفاق هي التي يكون صاحبها في سلطان المسلمين ومع ذلك يدخل في موالاتهم ومعاونتهم خفية وسراً حتى لا ينكشف أمره ونفاقه؛ وهذا أيضاً كافر عند الله .. وعند العباد لو عُرف عنه ذلك.
[6] مجموعة التوحيد، رسالة " أوثق عرى الإيمان ".
[7] فعل حاطب بن أبي بلتعة يعتبر مولاة كبرى تخرج صاحبها من الملة، لأنه ظاهر أعداء الله المشركين على النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، كما في رواية الطبري من طريق الحارث عن علي في هذه القصة، فقال: أليس قد شهد بدراً؟ " قال عمر: بلى، ولكنه نكث وظاهر أعداءك عليك. ولم ينكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على عمر مقولته بأن حاطباً قد ظاهر المشركين، كما أنه لم يسلم لعمر بأن حاطباً قد نافق وكفر، فحاطب -رضي الله عنه- رغم أنه قد فعل الكفر، إلا أنه بذاته لم يكفر وذلك للأسباب التالية:
أولاً: أن حاطب بن أبي بلتعة فعل فعلته متأولاً، وظن أن لا ضرر فيه، وظهر ذلك بقوله للنبي -صلى الله عليه وسلم- :" ما فعلت كفراً ولا ارتداداً ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" قد صدقكم ". والتأويل يكون أحياناً مانعاً من موانع تكفير المعين.
ثانياً: كان حاطب صادقاً مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فلم يجحد ما بدر منه، فكان ذلك دليلاً على سلامة نيته وبراءته من النفاق؛ إذ النفاق من علاماته ان صاحبه إذا حدث كذب .. فعد ذلك سبباً من الأسباب التي جعلت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقيل عثرته ويقبل عذره، بينما المرأة حاملة الرسالة لجحودها أنها تحمل رسالة إلى المشركين، أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتلها يوم فتح مكة ومن دون أن تستتاب، فليس الصادق المقر كالجاحد المنكر.
ثالثاً: أن لحاطب حسنة كبيرة ـ أنعم وأعظم بها من حسنة ـ تشفعت له، وساعدت على إقالة عثرته؛ وهي أنه من أهل بدر، وممن شهد المشاهد مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ، كما في الحديث:" إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لن يدخل النار رجلٌ شهد بدراً والحديبية ". وحاطب ممن شهد بدراً والحديبية، كما في الحديث الذي يرويه مسلم، أن عبداً لحاطب جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يشكو حاطباً، فقال: يا رسول الله! ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" كذبت، لا يدخلها، فإنه شهد بدراً والحديبية".
وحسنة حاطب هذه ليست لأحد بعده ممن لا يمكن له أن يشهد مشهداً كبدر، وما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- لحاطب لا يصح ولا يمكن أن يقال لغيره ممن لو ارتكب ما ارتكبه حاطب لانعدام الحسنات التي عند حاطب .. ولوجود القرائن والظروف المحيطة بحاطب.
رابعاً: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن حاطب:" إنه قد صدقكم" هو من خصوصياته -صلى الله عليه وسلم- ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، أما ما عدا النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يستطيع أن يحكم على القلوب أو السرائر بالصدق أو الكذب وبخاصة إن خالف الظاهر الباطن، لذلك فما كان من عمر -رضي الله عنه- سوى أن يحكم على ظاهر حاطب ـ وليس له غير ذلك ـ فقال:" دعني أضرب عنق هذا المنافق" ومن رواية الطبري:" ولكنه نكث وظاهر أعداءك عليك". هذا الظاهر لعمر الذي لا يعرف غيره، أما الباطن الذي لا يعلمه إلا الله ومن يعلمه الله عن طريق الوحي دل عكس ذلك كما بين النبي -صلى الله عليه وسلم- .
خامساً: لم تُعرف لحاطب سوابق تدل على أنه فعل هذا الفعل أكثر من مرة .. بخلاف الجاسوس المدمن المحترف الذي يحترف التجسس ويمتهنه .. وهذا معتبر عند الحكم على الأعيان والمواقف.
هذه الأسباب مجتمعة هي التي منعت من تكفير حاطب -رضي الله عنه- بعينه رغم أن فعله كان كفراً، ومنه يُعلم خطأ من يقيس حكم الجاسوس على حاطب وما فعله حاطب -رضي الله عنه- ويُصنف على أنه من الكفر دون كفر، والموالاة دون موالاة!!
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: إظهار الموافقة للمشركين على ثلاثة أحوال، منها: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم، وإنما حمله على ذلك إما طمع في رئاسة أو مال أو مشحة بوطن أو عيال أو خوف مما يحدث في المال، فإنه في هذه الحال يكون مرتداً ولا تنفعه كراهته لهم في الباطن، وهو ممن قال الله فيهم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} . [مجموعة التوحيد: 296].

   
F ¥ E