الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
قـواعـدٌ في التكفير
10ـ الإيمان.
  الإيمان لغة: التصديق، وحقيقته: اعتقاد، وقول، وعمل يزيد بالطاعات والعمل الصالح، وينقص بالمعاصي والعمل الطالح.
والعمل منه ما يعتبر شرطاً لصحة الإيمان، ومنه ما يعتبر مكملاً للإيمان، والزيادة أو النقصان في الإيمان مداره على هذا النوع من العمل.
هذا ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وأقوال سلف وصالحي الأمة، وإليك بيان ذلك:
1- دخول الاعتقاد في الإيمان: لا خلاف بين جميع أهل العلم أن من لم يعتقد الإيمان هو كافر خارج من الملة .. وإن أتى ظاهراً بالقول والعمل.
قال تعالى:{إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون . اتخذوا أيمانهم جُنةً فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون . ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطُبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} المنافقون:1-3. فكفروا بسبب أنهم قالوا بلسانهم بالإيمان ما ليس في قلوبهم .. وهم إذ يقولون بالإيمان لا يقولون به على وجه الاعتقاد، وإنما يقولون به على وجه الاتقاء والنفاق ليدفعوا عن أنفسهم حكم الكفر والردة .. وبالتالي حكم السيف ..!
وقال تعالى:{إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً} النساء:145. وقال تعالى:{وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم} التوبة:68. والنفاق هو إبطان الكفر والجحود في القلب وإظهار الإسلام على الجوارح نفاقاً خوفاً من سيف الحق .. أو من ملاحقة نظرات الناس له بالازدراء والاحتقار!
وهذا خداع منهم وما يخدعون إلا أنفسهم كما قال تعالى:{يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} البقرة:9.
قال القرطبي في التفسير: مخادعتهم ما أظهروه من الإيمان خلاف ما أبطنوه من الكفر، ليحقنوا دماءهم وأموالهم، ويظنون أنهم قد نجوا وخدَعوا ا- هـ .
وفي الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره، قوله -صلى الله عليه وسلم- :" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ".
فدل أن مرد قبول الأعمال ـ بما في ذلك الإيمان ـ إلى النية المنعقدة في القلب والباعثة على العمل ..
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" ما من أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار " البخاري.
وفي رواية عند البخاري كذلك:" أبشروا وبشروا من وراءكم أنه من شهد أن لا إله إلا الله صادقاً بها دخل الجنة " .
منطوق الحديث ومفهومه يقضي ويلزم بأن من يشهد أن لا إله إلا الله .. لكنه لا يكون صادقاً بها، معتقداً لها في قلبه .. لا يدخل الجنة، ولا يكون من أهلها، وإنما هو من أهل النار .
فالأدلة على دخول الاعتقاد في الإيمان .. والتي تدل كذلك أن الإيمان لا يصح ولا يستقيم إلا بعد أن ينعقد الاعتقاد الصادق للإيمان في القلب .. هي أكثر من أن تحصر في هذا الموضع.
ومما يُستفاد مما تقدم بطلان مذهب مرجئة الكرامية الخبيث الذي يحصر الإيمان في
الإقرار باللسان؛ والذي من لوازمه أن يعد المنافقين من المؤمنين الذين يدخلون الجنة يوم القيامة ..!
وهذا المذهب الخبيث الضال وإن كان لا يوجد في زماننا من يتبناه اسماً وشعاراً، إلا أنه يوجد من يتبناه تأصيلاً وتقعيداً وهم لا يشعرون .. وعلامتهم أنك لو أشرت إلى كفر الشيوعيين، والعلمانيين الذين يعتقدون الكفر والباطل .. لقالوا لك من فورهم: كيف تكفرهم وقد أتوا بالإقرار باللسان بشهادة أن لا إله إلا الله ..؟!!

2- دخول القول في الإيمان: نعني بالقول هنا الإقرار باللسان بشهادتي التوحيد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
ومن الأدلة الدالة على دخول القول في الإيمان وكشرط من شروطه، قوله -صلى الله عليه وسلم- لعمه أبي طالب كما في صحيح مسلم وغيره:" يا عم قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة " قال: لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك .. وأبى أن يقول لا إله إلا الله ! فأنزل الله:{إنك لا تهدي من أحببت ولكنَّ الله يهدي من يشاء}. وقوله تعالى:{ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أُولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم من أصحاب الجحيم}.
فالذي منع أبا طالب عن الإقرار بشهادة التوحيد ليس لكونه مكذباً بالنبي -صلى الله عليه وسلم- أو لاعتقاده بطلان رسالته ودعوته .. لم يكن لذلك، وإنما ـ كما أفاد النص ـ حتى لا تعيره قريش بأن الذي حمله على الإقرار بشهادة التوحيد الجزع من الموت .. وأبى أن يقولها إلى أن مات كافراً.
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " متفق عليه.
قال النووي في الشرح 1/212: فيه أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ا- هـ.
وقال ابن تيمية في الفتاوى 7/609: الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطناً وظاهراً عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير علمائها ا- هـ.

3- دخول العمل في الإيمان: حيث دلت نصوص عديدة على دخول العمل في مسمى الإيمان، كما قال تعالى:{وما كان الله ليضيع إيمانكم} البقرة:143. والمراد صلاتكم، فسمى الصلاة ـ وهي عمل ـ إيماناً .
قال القرطبي في التفسير 2/157:{وما كان الله ليضيع إيمانكم}؛ أي صلاتكم . فسمى الصلاة إيماناً لاشتمالها على نية وقول وعمل . وقال مالك: إني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان ا- هـ.
وفي الحديث من رواية أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سُئل أي العمل أفضل ؟ فقال:" إيمان بالله ورسوله "البخاري. فسمى الإيمان عملاً وعده أفضل الأعمال .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان "مسلم. فعد -صلى الله عليه وسلم- إماطة الأذى عن الطريق ـ وهو عمل ـ من شعب الإيمان، وكذلك الحياء.
ومن حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- لوفد عبد قيس قال -صلى الله عليه وسلم- :" آمركم بالإيمان بالله .. أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟" قالوا الله ورسوله أعلم، قال:" شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس "متفق عليه. ففسر الإيمان بالعمل؛ والعمل الظاهر على الجوارح .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" ليس بمؤمن من لا يأمن جاره غوائله "مسلم.
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه " البخاري. فنفى مسمى الإيمان عمن لا يأمن جاره بوائقه وأذاه .. مما دل أن من الإيمان أن يأمن الجار بوائق وشرَّ جاره .. وهو عمل.
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرقُ وهو مؤمن، ولا يشرب الخمرَ حين يشربُها وهو مؤمنٌ " متفق عليه.
قال ابن رجب في جامع العلوم 1/105: فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمى الإيمان لما انتفى اسمُ الإيمان عن مرتكب شيءٍ منها؛ لأن الاسم لا ينتفي إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته ا- هـ.
من هذه النصوص وغيرها نص علماء الأمة وسلفها أن الإيمان: اعتقاد، وقول، وعمل . وإليك بعض أقوالهم:
قال البخاري في صحيحه: هو قول وفعل، ويزيد وينقص.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى المسلمين في الأمصار: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص.
قال ابن رجب في كتابه القيم " جامع العلوم "1/144: أنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكاراً شديداً، وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولاً محدثاً: سعيد بن الجبير، وميمون بن مهران، وقتادة، وأيوب السختياني، وإبراهيم النخعي، والزُّهري، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم.
وقال الثوري: هو رأي محدث، أدركنا الناس على غيره . وقال الأوزاعي: كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل ا- هـ.
قال الشافعي في كتابه الأم: كان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم، ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزي واحد من الثلاث إلا بالآخر ا- هـ.
قال ابن تيمية في الفتاوى 7/144: قال أبو القاسم الأنصاري شيخ الشهرستاني في " شرح الإرشاد " لأبي المعالي بعد أن ذكر قول أصحابه: قال: وذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات فرضها ونفلها، وعبروا عنه بأنه إتيان ما أمر الله به فرضاً ونفلاً والانتهاء عمن نهى عنه تحريماً وأدباً .
قال: وهذا قول مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ومعظم أئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين ا- هـ.
وقال ابن رجب في كتابه " فتح الباري شرح صحيح البخاري " 1/5: وأكثر العلماء قالوا: هو قول وعمل، وهذا كله إجماع من السلف وعلماء أهل الحديث، وقد حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين عليه، وحكى أبو ثور الإجماع عليه أيضاً .
وقال الأوزاعي: كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل، وحكاه غير واحدٍ من سلف العلماء عن أهل السنة والجماعة . وممن حكى ذلك عن أهل السنة والجماعة: الفضيلُ بن عياض، ووكيع بن الجراح .
وممن روي عنه أن الإيمان قول وعمل: الحسن، وسعيد بن جبير، وعمر ابن عبد العزيز، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والزهري، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، ومالك، الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وغيرهم ا- هـ.

ـ ولكن هل العمل شرط لصحة الإيمان أم أنه مكمل له ؟
لعل قائلاً يقول: إذا كان العمل إيماناً أو هو من الإيمان .. فهل يلزم من انتفائه انتفاء الإيمان؟
أقول: الذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف أن العمل بعضه يعتبر شرطاً لصحة الإيمان ينتفي الإيمان بانتفائه، وبعضه يعتبر مكملاً للإيمان لا ينتفي الإيمان عن صاحبه بانتفائه إنما ينتفي كماله وتمامه.
فالعمل الذي فعله من متطلبات التوحيد وتركه يعتبر من نواقضه، أو فعله يعتبر من نواقض التوحيد وتركه من متطلباته، أقول: هذا النوع من العمل لا يصح الإيمان إلا به، ولا يسمى المرء مسلماً إلا بفعله، فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهي عنه.
ومن الأعمال التي ينتفض بها الإيمان وينتفي عن صاحبه بسببها، عبادة غير الله تعالى أو السجود لنصم أو قبر، أو قول الكفر من دون إكراه أو جهل يعذر، أو الاستهزاء بدين الله -عز وجل- وأسمائه الحسنى، أو مجالسة المستهزئين بدين الله تعالى من غير إكراه، ولا إنكار، ولا قيام، أو شتم الله ورسوله، أو إرادة التحاكم إلى الطاغوت، أو الحكم بغير ما أنزل الله، أو سن القوانين والتشريعات المضاهية لشرع الله تعالى، أو حراسة قوانين الكفر والشرك وفرضها على البلاد والعباد، أو موالاة الكفار ومظاهرتهم على المسلمين، وكذلك من ينتفي عنه جنس العمل أو الطاعة، أو فعَل السحر، أو ترَك الصلاة .. وهذه كلها أعمال وكل واحد من هذه الأعمال ينفي عن صاحبه مطلق الإيمان، وإن أدعى بلسانه أنه لا يستحل ذلك، كما أن القيام بنقيض هذه الأفعال وضدها يعتبر شرطاً لصحة الإيمان وشرطاً لثبوته[1].
قال تعالى:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}النحل:106. وقال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ.لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}التوبة:66.وقال:{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ}التوبة:74.
قال ابن تيمية في الفتاوى 7/557: من سب الله ورسوله طوعاً بغير كره، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعاً غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافر باطناً وظاهراً، وإن من قال إن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمناً بالله وإنما هو كافر في الظاهر فإنه قال قولاً معلوم الفساد بالضرورة من الدين ا- هـ.
وفي الفتاوى كذلك 7/209: قال عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل: سئل أبي عن رجل قال: يا ابن كذا وكذا أنت ومن خلقك. قال أبي ـ أحمد بن حنبل ـ: هذا مرتد عن الإسلام، قلت لأبي: تضرب عنقه؟ قال :نعم، نضرب عنقه ا- هـ.
ومن الأدلة كذلك على التكفير بالعمل، قوله تعالى:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُم}النساء:140. وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم}المائدة:51.
وقوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً}النساء:60.
وقوله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}المائدة:44.
وقوله تعالى:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} النساء:65.
قال ابن القيم في كتابه التبيان، ص270: أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قبله، عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم إيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج؛ وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الإنشراح وتنفسح له كل الإنفساح وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض ا- هـ.
وكذلك تارك الصلاة، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تارك الصلاة كافر مشرك، وأن آخر ما يفقد من الدين الصلاة، وأن المرء لا يصح إيمانه إلا بالصلاة[2].
عن عبد الله بن شقيق -رضي الله عنه- ، قال:كان أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ، لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر، غير الصلاة[3].
ولا يصح أن يقال أن الكفر الوارد هنا يراد به الكفر العملي الأصغر وليس الكفر الأكبر، فهذا بعيد جداً عن الصواب، ولو كان الأمر كذلك لاستوى ترك الصلاة مع ترك كثير من الطاعات التي يعتبر تركها كفراً عملياً أصغر، ولما تميزت الصلاة عن غيرها من الطاعات، علماً أن الصلاة ـ بأدلة الكتاب والسنة ـ هي أعظم أركان الإسلام بعد شهادتي التوحيد.
وحديث عبد الله بن شقيق واضح أن مراد الصحابة هو الكفر الأكبر وليس الكفر الأصغر، بدليل أنهم كانوا يرون ترك كثير من الأعمال غير الصلاة كفراً أصغر أو كفراً عملياً أصغر، فعلم من ذلك أن نفي اجتماعهم على شيء من الأعمال أنه كفر سوى الصلاة .. أن مرادهم هو حصول الكفر الأكبر البواح وليس سواه.
وقال حنبل: حدثنا الحميدي قال: وأخبرت أن ناساً يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقراً بالفرائض واستقبال القبلة[4]، فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين. قال الله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين}. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الله[5].
وقال ابن تيميه رحمه الله في الفتاوى 7/287: لو قدر أن قوماً قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- : نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك، ونقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه؛ فلا نصلي ولا نصوم، ولا نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم، ولا نفعل شيئاً من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضاً، ونقاتلك مع أعدائك، هل كان يتوهم عاقل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملون الإيمان، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة، ويرجى لكم أن لا يدخل أحدكم النار، بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك ا- هـ.
وقال محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به، فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما، فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه، فهو منافق وهو شر من الكافر الخالص، لقوله تعالى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّار} [6].
فعلم مما تقدم أن العمل بالتوحيد ـ وما يدخل في معناه من الأعمال كشرط لصحتة كالصلاة ـ يعتبر شرطاً لصحة الإيمان وشرطاً لثبوته، وما سوى ذلك من الأعمال فهي تعتبر مكملة للإيمان .. يزداد الإيمان بفعلها، كما ينقص ويضعف بتركها.
ومن الأدلة الدالة على أن الإيمان يزيد ويقوى بالطاعات، ويضعف وينقص بالذنوب والمعاصي، قوله تعالى:{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا}الأنفال:2. وقوله تعالى:{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}التوبة:124. وقوله تعالى:{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً}مريم:76. وقوله تعالى:{لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ}الفتح:4. وقوله تعالى:{وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}الأحزاب:22. وغيرها كثير من الآيات.
وفي الحديث، عن جندب بن عبد الله، قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن فتيان، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيماناً[7].
وعن أنس بن مالك قال: غدا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، قالوا: يا رسول الله! هلكنا ورب الكعبة. قال:" وما ذاك؟" قالوا: النفاق النفاق! قال:"ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟" قالوا: بلى. قال: ليس ذاك النفاق". ثم عاودوه الثانية، فقالوا:يا رسول الله! هلكنا ورب الكعبة. قال:" وما ذاك؟" قالوا:النفاق النفاق! قال:" ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟" قالوا:"بلى. قال:" ليس ذاك بنفاق". ثم عاودوه الثالثة، فقالوا مثل ذلك، فقال لهم:"ليس ذلك بنفاق". فقالوا: يا رسول الله! إنا إذا كنا عندك كنا على حال، وإذا خرجنا من عندك همتنا الدنيا وأهلونا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" لو أنكم إذا خرجتم من عندي تكونون على مثل الحال التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة في طرق المدينة"[8].
فانظر كيف أن إيمانهم كان يتغير عليهم عندما كانوا ينشغلون بالدنيا وزينتها، عما هم عليه من قوة الإيمان واليقين عندما يكونون في حضرة النبي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ، حتى بلغ منهم الحال أن يخشوا على أنفسهم النفاق، مما دل أن الإيمان تتغير أحواله زيادة ونقصاناً بحسب الحال والعمل والبيئة التي يعيش فيها صاحب هذا الإيمان.
ومن حديث الشفاعة الصحيح الذي يرويه أبو سعيد الخدري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، جاء فيه أن الرب عز وجل يقول للمؤمنين بعد أن أخرجوا من النار من يعرفون من أهل الإيمان:" أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار حتى يقول: من كان في قلبه مثقال ذرة " قال أبو سعيد: فمن لم يصدق بهذا فليقرأ هذه الآية:{إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}النساء:40.
فدل أن الإيمان يتفاضل عند الناس بحسب أعمالهم؛ فلا يستوي من كان إيمانه يزن جبلاً بمن يزن إيمانه ديناراً، ومن كان إيمانه يزن ديناراً بمن يزن إيمانه ذرة.
سُئل ابن عمر -رضي الله عنه- : هل كان الصحابة يضحكون؟ فقال:نعم، والإيمان في قلوبهم أمثال الجبال .. رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

ـ مسألة: ثم أنه حصل خلاف، هل الإيمان يتضمن الإسلام أم لكل منهما معناه المختلف عن الآخر؟
أقول: خلاصة القول في المسألة، والذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة، أن الإيمان أحياناً يطلق ويكون له معنى مغايراً للإسلام، وكذلك الإسلام فإنه أحياناً يطلق ويكون له معنى مغايراً للإيمان. وأحياناً يُطلق الإيمان ويكون شاملاً ومتضمناً للإسلام، وكذلك الإسلام يُطلق ويكون شاملاً ومتضمناً للإيمان.
1- الحالة التي يكون فيها الإيمان مغايراً للإسلام، والإسلام مغايراً للإيمان: في هذه الحالة يكون الإيمان مكانه القلب ويتضمن الأعمال القلبية: كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشره، والحب في الله والكره في الله .. وغيرها من الأعمال القلبية.
أما الإسلام فيكون مكانه الجوارح ويتضمن الأعمال الظاهرة: من صلاة، وصوم، وحج، وزكاة، وجهادٍ وغير ذلك من أعمال الجوارح الظاهرة.
من الأدلة على ذلك، سؤال جبريل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عن الإسلام والإيمان، قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ". قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال:" أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ". قال:صدقت. رواه مسلم.
فتأمل كيف فسر الإسلام بأمر ظاهر؛ وبأعمال ظاهرة تُمارس على الجوارح الظاهرة، بينما فسر الإيمان بأمر باطن، وبأعمال قلبية.
وكذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:" اللهم من أحييته منا، فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا، فتوفه على الإيمان "[9]. ففرق بين الإسلام والإيمان.
قال ابن رجب في جامع العلوم 1/108: لأن العمل بالجوارح إنما يتمكن منه في الحياة، فأما عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب ا- هـ.
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم " البخاري. وهذه أعمال ظاهرة على الجوارح الظاهرة.
وفي صحيح مسلم أن رجلاً سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، أي المسلمين خير؟ قال:" من سلم المسلمون من لسانه ويده ". بينما عندما سئل عن المؤمن قال:" من أمنه على أموالهم وأنفسهم ". ففسر المسلم بأمر ظاهر؛ وهو أن يسلم المسلمون من لسان ويده، وكلاخما من العمال الظاهرة. بينما فسر المؤمن بأمر باطن؛ وهو أن يأمنه الناس، والأمان مكانه القلب، ومن الأعمال الباطنة.
وفي حديث عمرو بن عبسة، أن رجلاً قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- : ما الإسلام؟ قال:" إطعام الطعام ولين الكلام ".قال: فما الإيمان؟ قال:" السماحة والصبر". ففسر الإسلام بأمر ظاهر؛ وهو إطعام الطعام، ولين الكلام. بينما فسر الإيمان بأمر باطن؛ لأن السماحة والصبر مكانها القلب، وهما من أعمال القلب.
وكذلك قوله، في "الصحيحين":" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وقوله -صلى الله عليه وسلم- :" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ". وقوله -صلى الله عليه وسلم- :" ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحب إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار". فعلق وجود الإيمان والشعور بحلاوته على أن يكون الله ورسوله أحب للمرء مما سواهما .. والحب من أعمال القلوب الباطنة.
وكذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأنصار:" لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق" رواه مسلم. والأحاديث في هذا الباب الدالة على هذا المعنى كثيرة.
2- الحالة التي يكون الإيمان فيها شاملاً ومتضمناً للإسلام، وكذلك يكون الإسلام شاملاً ومتضمناً للإيمان: في هذه الحالة يطلق الإيمان ويكون شاملاً للإسلام ومتضمناً له، وكذلك الإسلام يطلق ويكون متضمناً للإيمان؛ وفي هذه الحالة يكون الإيمان مكانه الباطن والظاهر، ويشمل الأعمال الظاهرة والباطنة، وكذلك الإسلام فإنه يكون مكانه الظاهر والباطن، ويشمل الأعمال الظاهرة والباطنة.
كما في قوله تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلام}آل عمران:19. وقوله تعالى:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه}آل عمران:85 . فالإسلام الذي لا يقبل الله ديناً
غيره، هو الإسلام الذي يتضمن الإيمان والإسلام، والأعمال الظاهرة والباطنة معاً مما يحبه الله تعالى، ولا يصح أن يقال غير ذلك.
وكذلك قوله تعالى:{فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}الذريات:36. فالمسلم والمؤمن هنا بمعنى واحد، وكل منهما متضمن للآخر، وهو كقوله -صلى الله عليه وسلم- في السلام على مقابر المسلمين:" السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمتأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون " مسلم.
قال النووي في الشرح 7/44: ولا يجوز أن يكون المراد بالمسلم في هذا الحديث غير المؤمن لأن المؤمن[10]إن كان منافقاً لا يجوز السلام عليه والترحم ا- هـ.
وكذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ، لوفد عبد القيس:" أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟"قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:" شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تُعطوا من المغنم الخمس ". ففسر الإيمان بالإسلام الظاهر، مما دل أن الإيمان أحياناً يُطلق بالمعنى الشامل والمتضمن للإسلام الظاهر.
وفي مسند الإمام أحمد، عن عمرو بن عبسة، قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فقال: يا رسول الله، ما الإٍسلام؟ قال:" أن تسلم قلبك لله[11]، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك"، قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال:" الإيمان ". قال: وما الإيمان؟ قال:أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت" قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال:"الهجرة". قال: فما الهجرة؟ قال:" أن تهجر السوء"، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال:"الجهاد"[12].
فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الإيمان داخلاً في الإسلام وهو أفضله، ثم أدخل الأعمال كالهجرة والجهاد في مسمى الإيمان وجعلها منه.
وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- :" لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة" البخاري. أي مسلمة مؤمنة، فالإسلام هنا يشمل الإيمان ويتضمنه؛ لأن من لوازم دخول الجنة تحقيق الإيمان، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم- لعمر:" يا ابن الخطاب! اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون " مسلم. وفي حديث آخر قال:" يا ابن عوف! اركب فرسك، ثم ناد: إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن[13].

ـ تنبيه: بقي أمر لا بد من ذكره والتنبيه إليه، وهو أن كل مؤمن مسلم، وذلك أن المؤمن الصادق في إيمانه لا بد من أن يدفعه إيمانه للعمل وأن تظهر آثاره على جوارحه بفعل الأركان والطاعات، والإنتهاء عما نهي عنه.
كما في الحديث الصحيح:" ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ".
قال ابن حجر في"الفتح" 1/128: خص القلب بذلك لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد ا- هـ.
لذلك فأيما امرءٍ يدعي الإيمان في قلبه ، وأنه يصدق بكل ما جاء به الإٍسلام، وهو بنفس الوقت لا يقوم بأركان الإسلام ولا بشيء من واجبات الإيمان ومتطلباته العملية، فهو كافر كذاب لأن الظاهر دليل على الباطن، وبرهان يدل عليه؛ فخراب الظاهر من خراب الباطن كما أن صلاح الظاهر من صلاح الباطن، فكل منهما للآخر لازم وملزوم.
وليس كل مسلم مؤمناً؛ لاحتمال أن يكون المسلم منافقاً؛ يأتي بأركان الإسلام في الظاهر ـ نفاقاً ـ ويكون في الباطن كافراً حاقداً ملحداً لا يؤمن بشيء مما جاء به الإسلام.
فمثل هذا وإن كان في الآخرة كافراً مخلداً في نار جهنم وفي الدرك الأسفل منها، إلا أنه في الدنيا يعامل معاملة المسلمين بناء على ظاهره ما لم يُعرف نفاقه ويظهر.
ومما تقدم نستطيع أن نقول كذلك: أن كل مؤمن يدخل الجنة؛ لأن من كان صادق الإيمان في قلبه لزمه العمل ولا بد، وليس كل مسلم ـ بالمعنى المغاير للإيمان[14] ـ يدخل الجنة؛ لأنه لا يلزم بالضرورة من العمل الظاهر عمل الباطن.

ـ مسألة: فإن قيل هل يجوز بأن نشهد على المعين بأنه مؤمن ..؟
أقول: لا يجوز أن نشهد على معين على وجه الجزم ـ من غير نص ـ بأنه مؤمن؛ لأن الإيمان مقره القلب، ولا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب .. كما لا يجوز أن نشهد لمعينٍ ـ من غير نص ـ بأنه من أهل الجنة .. والمؤمن بيقين من أهل الجنة.
ولكن يجوز أن نشهد له بالإسلام بناء على ظاهره الذي يدل على إسلامه، كما في الحديث الصحيح:" من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم ". أي فذلكم المسلم الذي نحكم ونشهد عليه بالإسلام، والله تعالى أعلم.

 


[1] أنظر أدلة هذه الأعمال على وجه التفصيل في كتابنا " أعمال تخرج صاحبها من الملة ".
[2] أنظر أدلة المسألة على وجه التفصيل في كتابنا " حكم تارك الصلاة ".
[3] صحيح الترغيب والترهيب: 564.
[4] كما يقول ذلك مشايخ الإرجاء في هذا الزمان، ناسبين قولهم إلى السلف وأهل السنة .. والسلف منهم براء!
[5] عن الفتاوى لابن تيمية: 7/209.
[6] مجموعة التوحيد: 82.
[7] صحيح سنن ابن ماجة:52.
[8] هذا الشعور من الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ هو لكمال إيمانهم، ولسلامة قلوبهم من المرض، ولإحساسهم المرهف في كل ما يؤثر على إيمانهم سلباً، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ". فالشعور بالمرض ـ مهما دق أو خفي ـ هو من علامة سلامة القلوب والأبدان .. بخلاف مرضى القلوب فإنهم لا تسيئهم السيئات؛ لأنهم لا يشعرون بها .. حيث ترى أحدهم يفعل الموبقات ثم يظن أنه على إيمان أبي بكر وعمر ..!!
[9] أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح، والحاكم في صحيحه، ووافقه الذهبي.
[10] قلت: لعل الصواب أن يُقال " المسلم " بدلاً من كلمة " المؤمن "؛ لأن المؤمن لا يصح أن يُفترض فيه النفاق، فلا يجتمع في قلبٍ واحدٍ إيمان ونفاق مخرج من الملة، بخلاف المسلم فإنه يصح أن يُفترض فيه النفاق؛ لاحتمال استسلامه لأحكام الشريعة في الظاهر مع إضماره الكفر والنفاق في القلب، والله تعالى أعلم.
[11] تأمل كيف فسر الإسلام بأمر باطني؛ وهو استسلام القلب لله -عز وجل- .
[12] قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1/59: رواه أحمد، والطبراني في الكبير بنحوه، ورجاله ثقات.
[13] أخرجه أبو داود، صحيح الجامع: 7837.
[14] أما إن كان بالمعنى المتضمن للإيمان والاعتقاد، يكون كل مسلم يدخل الجنة وهو من أهلها.

   
F ¥ E