|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| قـواعـدٌ في التكفير |
| ـ القاعدة الأولى:"الكفرُ العامُّ لا يستلزمُ دائماً كُفرَ المُعَيَّن". |
|
|
الشرح: أي أن التكفير العام الوارد في النصوص الشرعية، لا يصح حمله
دائماً على الأشخاص بأعيانهم ممن قد وقع في ذلك الكفر، لاحتمال
وجود موانع التكفير بحقهم وانتفاء لوازمه.
فأن يقال: هذا القول كفر أو هذا الفعل كفر، أو من فعل كذا أو قال
كذا فهو كافر؛ فهذا كله تكفيرٌ عام لا يستلزم دائماً أن يكون كل من
قال هذا القول أو فعل ذلك الفعل هو كافر بعينه؛ لاحتمال وجود العلة
الآنفة الذكر التي تُحيل من تكفيره بعينه، وهي انتفاء لوازم
التكفير ووجود موانعه في حق ذلك الشخص المعين.
فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" أتاني جبريل،
فقال: يا محمد إن الله -تبارك وتعالى- لعن الخمر، وعاصرها،
ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها،
وساقيها، ومستقيها "[1]. فهذا لعن عام.
وبالمقابل فقد جاء في صحيح البخاري، عن عمر بن الخطاب -رضي الله
عنه- أن رجلاً كان على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كان اسمه
عبد الله، وكان يلقب حماراً، وكان يُضحك رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- ، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد جلده في الشراب، فأُتي
به يوماً فأمر به فجُلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر
ما يؤتَي به، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- :" لا تلعنوه فوالله
ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله".
فرغم أن شارب الخمر قد لُعن لعناً عاماً، إلا أن النبي -صلى الله
عليه وسلم- منع من إنزال هذا اللعن بحق الصحابي لوجود عِلة مانعة
تمنع من لعنه بعينه؛ وهي أنه يحب الله ورسوله، علماً أن هذا
الصحابي كان من المدمنين على شرب الخمر بدليل قول الرجل من القوم:"
ما أكثر ما يُؤتى به".
وفي المقابل فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" مدمن
الخمر كعابد وثن"[2]. لكن هذا الحكم العام ـ عابد وثن ـ لا يجوز
حمله على الصحابي لوجود حسنة عنده ترجح على تلك السيئة، وتمنع من
لحوق الوعيد بحقه؛ وهي حسنة حبه لله ولرسوله، فإن الحسنات يذهبن
السيئات.
وعن أبي هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُتي برجل قد
شرب، فقال:" اضربوه ". قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب
بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، فقال
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه
الشيطان " وفي رواية:" ولكن قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه
"[3].
فتأمل كيف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الدعاء عليه، وأمر
بالدعاء له، علماً أن الحكم العام في شارب الخمر الدعاء عليه
باللعن والطرد من رحمة الله.
وكذلك لما ظاهر حاطب بن أبي بلتعة كفار قريش على النبي -صلى الله
عليه وسلم- ، وفعل الكفر ـ كما كنا قد بيناه من قبل ـ فمما تشفع له
حسنة بدر العظيمة " لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما
شئتم فقد غفرت لكم "، وهو إلى جانب أنه من أهل بدر، كان متأولاً في
فعلته، صادق الباطن .. لم تُعرف عنه الخيانة من قبل .. كل ذلك كان
شافعاً له ومانعاً من إنزال حكم الكفر أو النفاق في حقه.
وكذلك النفر ـ وعلى رأسهم قدامة بن مظعون ـ الذين أولوا قوله
تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَات}المائدة:93. فشربوا الخمر، وقالوا: هي حلال، وكانوا
في الشام، فأرسل عمر في طلبهم، واستشار فيهم الناس فقالوا: يا أمير
المؤمنين نرى أنهم كذبوا على الله، وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به
الله، فاضرب أعناقهم، وعلي -رضي الله عنه- ساكت، فقال: ما تقول يا
أبا الحسن فيهم ؟ قال: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين
لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، قد كذبوا على الله
وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله. فاستتابهم فتابوا فضربهم
ثمانين ثمانين. وقال عمر لقدامة: أخطأت استك الحفرة، أما إنك لو
اتقيت، وعملت الصالحات لم تشرب الخمر[4].
وذلك أن تحريم الخمر كان بعد موقعة أحد، فقال بعض الصحابة: فكيف
بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فأنزل الله هذه الآية
مبيناً أن من طعم الشيء قبل تحريمه ليس عليه شيء إذا ما اتقى وآمن
وعمل صالحاً، إلا أن قدامة ومن معه، تأولوا الآية وحملوها على
أنفسهم، وظنوا أن الآية تشملهم، فأحلوا لأنفسهم الخمر!
والشاهد هنا أنهم رغم استحلالهم للخمر وهو كفر، إلا أنهم لم
يَكفُروا ولم يُكفَّروا بأعيانهم ـ قبل قيام الحجة عليهم ـ بسبب
تأويلهم، وفهمهم الخاطئ لمراد الشارع من الآية.
وكذلك ما رواه ابن عباس من أن رجلاً أهدى لرسول الله -صلى الله
عليه وسلم- راوية خمر!! فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- :" هل
علمت أن الله -تبارك وتعالى- حرمها؟" فسارَّ ولم أفهم ما سار كما
أردت، فسألت أناساً إلى جنبه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- :"
بما ساررته؟ " قال:" أمرته أن يبيعها!! فقال النبي -صلى الله عليه
وسلم- :" إن الذي حرم شربها، حرم بيعها " ففتح المزادتين حتى ذهب
ما فيهما[5].
فهذا الرجل مما لا شك فيه أنه كان يعتقد حل الخمر بعد تحريمها، وهو
كفر، إلا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عذره ولم يكفره بعينه لعدم
بلوغه الخطاب الشرعي يتحريم الخمر وتحريم بيعها.
وكذلك قصة الرجل الذي أسرف على نفسه بالمعاصي، كما في الحديث
الصحيح الذي يرويه مسلم بسنده عن أبي هريرة، أن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- قال:" قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله، إذا ماتَ
فحرِّقوه، ثم اذروا نصفه في البرِّ ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر
الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات
الرجلُ فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البرَّ فجمع ما فيه، وأمر البحر
فجمع ما فيه، ثم قال: لمَ فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت
أعلم، فغفر الله له ".
فرغم أن الرجل قد قال الكفر .. وقد أوصى أبناءه به إلا أنه لم يكفر
بعينه ولم يطاله وعيد الكافرين؛ لوجود مانع الجهل بما يستحقه الله
تعالى من الصفات، ولكونه فعل ذلك بدافع الخوف والخشية من الله
تعالى .. فأقال الله تعالى ـ لأجل ذلك ـ عثرته، وعفا عنه.
قال ابن تيميه في الفتاوى 3/331: فهذا رجلٌ شك في قدرة الله وفي
إعادته إذا ذرى، بل اعتقد أنه لا يُعاد، وهذا كفرٌ باتفاق
المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن
يعاقبه فغفر له بذلك ا- هـ.
وقال ابن حزم في الفصل 3/252: فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله
-عز وجل- يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره،
وخوفه، وجهله ا- هـ.
وعن واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى
حنين ونحن حديثو عهد بكفر، وكانوا أسلموا يوم فتح مكة، قال: فمررنا
بشجرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط،
وكان للكفار سدرة يعكفون حولها، ويعلقون بها أسلحتهم، يدعونها ذات
أنواط، فلما قلنا ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" الله أكبر،
قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً
كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم
"[6].
فرغم أن مقولتهم كفر، وهي شبيهة بمقولة بني إسرائيل لموسى: اجعل
لنا إلهاً كما لهم آلهة، إلا أنهم بأعيانهم لم يكفروا، وعذروا
لحادثة عهدهم بالكفر، واكتفى النبي -صلى الله عليه وسلم- بتعليمهم
وزجرهم من أن يعودوا ثانية لمثل هذه المقولة.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب:" ونحن حدثاء عهد بكفر "؛ أي قريبو
عهد بكفر، ففيه دليل أن غيرهم لا يجهل هذا، وأن المنتقل من الباطل
الذي اعتاده قلبه لا يأمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادات
الباطلة ا- هـ.
وقال الشيخ محمد حامد الفقي: ليس ما طلبوه من الشرك الأصغر، ولو
كان منه لما جعله -صلى الله عليه وسلم- نظير قول بني إسرائيل {اجعل
لنا إلهاً} وأقسم على ذلك، بل هو من الشرك الأكبر كما أن ما طلبه
بنو إسرائيل من الشرك الأكبر، وإنما لم يكفروا بطلبهم لأنهم حدثاء
عهد بالإسلام، ولأنهم لم يفعلوا ما طلبوه ولم يقدموا عليه ..[7].
ونحو ذلك حديث عدي بن حاتم -رضي الله عنه- وفيه أنه قال: أتيت رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي:" يا عدي
اطرح هذا الوثن من عنقك " فطرحته فلما انتهيت إليه وهو يقرأ
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ
اللَّهِ} حتى فرغ منها، قلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال -صلى الله عليه
وسلم- :" أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويُحلون ما حرم الله
فتستحلونه "، قلت: بلى، قال:" فتلك عبادتهم "[8].
مما يُستفاد من الحديث الأمور التالية:
1- أن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- جاء النبي -صلى الله عليه وسلم-
مسلماً مقراً بالشهادتين؛ لأنه كان قبل ذلك مهدور الدم، وما عصم
دمه إلا إسلامه.
2- أن عدياً كان قد تنصر، وكان حديث عهد بالكفر؛ أي أنه كان عاجزاً
عن معرفة كل ما يدخل في التوحيد من أيامه الأولى.
3- بسبب ما تقدم نجد أن عدياً قد وقع بنوعين من الشرك الأكبر، كل
واحد منهما يُخرج صاحبه من الملة لو اقترف بعد علم بالنص الشرعي
الذي يفيد التحريم.
أولهما: ارتداؤه للصليب ـ بعد أن دخل في الإسلام ـ وهذا من الشرك
الأكبر؛ لذا سماه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالوثن الذي يُعبد من
دون الله -عز وجل- .. ومع ذلك فقد اكتفى النبي -صلى الله
عليه وسلم- بأن قال لعدي:" اطرح هذا الوثن من عنقك "، من دون أن
يحكم عليه بعينه أنه كافر أو قد كفر وارتد، وعليه أن يدخل الإسلام
من جديد بتلفظ الشهادتين ..!
ثانياً: إن عدياً كان يجهل أن طاعة الأحبار والرهبان في التحليل
والتحريم من دون سلطان من الله يدخل في معنى العبادة التي لا يجوز
أن يُصرف شيء منها لغير الله تعالى، وأنه من الشرك الأكبر .. إلى
أن بين له النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وأعلمه أن طاعة الأحبار
والرهبان، والتحاكم إليهم من دون الله تعالى في التحليل والتحريم
هو عبادة لهم وشرك بالله تعالى .. ومن دون أن يحكم عليه بالكفر
والارتداد، أو يلزمه بضرورة تجديد إسلامه وإيمانه .. وذلك لأنه كان
حديث عهد بكفر.
وكذلك الذي يتلفظ الكفر خطأ كزلّة وسبق لسان من غير قصد وإرادة
منه[9]، فرغم أن مقولته كفر، إلا أنه بعينه يعذر فلا يكفر؛ لتجاوز
الشارع عن الخطأ الغير متعمد، كما في الحديث الذي أخرجه مسلم عن
النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين
يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاة فانفلتت منه وعليها
طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلها قد أيس من
راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال
من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح ".
وكذلك فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إن الله
تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه "[10].
ومن ذلك أيضاً قوله -صلى الله عليه وسلم- :" من أتى عرافاً أو
كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد "[11].
وفي المقابل فقد صح أن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت يا رسول
الله، إنا قومٌ حديثُ عهد بجاهلية، وقد جاءنا الله بالإسلام، ومنا
رجالٌ يأتون الكهان، قال:" فلا تأتيهم "[12]. فلم يحمل النبي -صلى
الله عليه وسلم- عليه لحكم العام، الذي هو كفر من أتى كاهنا فصدقه
بما يقول بل اكتفى بتعليمه ونهيه عن ذلك، وعذره لحداثة عهده
بجاهلية وكفر.
ونحو ذلك سجود الصحابي للنبي -صلى الله عليه وسلم- ظناً منه أن ذلك
يجوز أن يُصرف للنبي -صلى الله عليه وسلم- .. لكن النبي -صلى الله
عليه وسلم- نهاه عن ذلك، واكتفى بتعليمه بأن السجود عبادة لا يجوز
أن يُصرف لغير الله تعالى .. ومن دون أن يحكم عليه بالكفر
والارتداد عن الدين!
وكذلك قول الصحابي للرسول -صلى الله عليه وسلم- : ما شاء الله
وشئت! فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" أجعلتني لله نداً
بل ما شاء الله وحده ". فرغم أن المقولة كفر وشرك إلا أن الصحابي
لعدم علمه أن هذه المقولةتندرج تحت الشرك .. كان معذوراً، ولم يكفر
بعينه، ولم يُحمل عليه حكم الكفر والشرك.
وغيرها من الأدلة الكثيرة التي تدل على صحة القاعدة الآنفة الذكر؛
وهي أن الكفر العام، والتكفير العام لا يستلزم دائماً كفر أو تكفير
المعين؛ لاحتمال ثبوت موانع التكفير ـ أو بعضها ـ في حقه والتي
تمنع من تكفيره، أو لحوق الوعيد به .. والحمد لله الذي تتم بفضله
الطيبات الصالحات.
ـ أقوال أهل العلم وإجماعهم على صحة هذه القاعدة:
قال ابن تيميه رحمه الله: حقيقة الأمر في ذلك أن القول قد يكون
كفراً، فيطلق القول بتكفير صاحبه ويقال من قال كذا فهو كافر، لكن
الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي
يكفر تاركها ..
والأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة
لمعرفه الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها،
وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين
مجتهداً في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائناً من كان،
سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب
النبي -صلى الله عليه وسلم- وجماهير أئمة الإسلام، وما قسموا
المسائل إلى مسائل أصول يكفر بانكارها، ومسائل فروع لا يكفر
بانكارها ..!
ولعن المطلق لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة
له، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق، ولهذا كان الوعيد المطلق
في الكتاب والسنة مشروطاً بثبوت شروط وانتفاء موانع ..
وكنت أبين لهم أنما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول
بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق، لكن التفريق بين الإطلاق
والتعيين، من فعل كذا فله كذا، وهي منزلة قول من قال من السلف من
قال كذا فهو كذا، ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه: بتوبة، أو
حسناتٍ ماحية أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة[13]ا- هـ.
ـ استدراك وتنبيه:
قولنا أن التكفير العام لا يستلزم دائماً تكفير الشخص المعين؛ هذا
يعني أنه أحياناً يستلزم حمل الكفر العام على الشخص المعين،
ويستلزم تكفيره بعينه؛ وذلك عندما تنتفي عنه موانع التكفير، وتتوفر
فيه شروطه، فإذا انتفت عنه الموانع وتحققت فيه الشروط، فحينئذٍ
يتعين تكفيره بعينه ولا بد .. إذ أحكام الله تعالى لا يجوز أن تبقى
معلقة ـ لا واقع لها ـ ومن دون أن تأخذ طريقها إلى مستحقيها ممن
يقعون فيما يوجبها من غير مانعٍ شرعيٍ معتبر.
وهذا يستلزم منا أن نبين ـ بشيء من التفصيل ـ موانع تكفير المعين،
وشروطه .. فإلى ذلك.
ـ موانع تكفير المعين:
اعلم أن العجز الذي لا يمكن دفعه ـ مع بذل الجهد لدفعه ـ يُسقط
التكليف ـ أياً كان نوعه ـ فيما قد تم العجز به إلى حين تحقق
القدرة على دفع ذلك العجز.
وأيما سبب يحقق هذا العجز بوصفه المتقدم فهو يُعتبر في الشريعة
مانعاً من موانع لحوق الوعيد بالمعين إلى حين إزالته بقيام الحجة
الشرعية .. سواء كان هذا السبب متعلقاً بالشخص ذاته؛ كأن يكون
أبكماً لا يقدر على سماع أو فهم الخطاب .. أو كان خارجاً متعلقاً
بالبيئة التي يعيش فيها أو الزمن الذي يعيش فيه.
أما إذا توفرت لدى المخالف الاستطاعة والقدرة على دفع السبب الذي
أدى به إلى المخالفة أو الوقوع في المحظور، ثم هو ـ ركوناً إلى
الدنيا وانشغالاً بها وزينتها ـ لا يعمل على دفعه، ولا يبذل جهده
المستطاع للتخلص منه، فإنه حينئذٍ لا يجوز أن يُعتبر مانعاً من
موانع لحوق الوعيد، كما لا يعذر صاحبه لو وقع في المخالفة، ويكفر
بعينه إن كانت المخالفة أو المحظور الذي وقع فيه من الكفر الأكبر.
والدليل على ذلك قوله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
اسْتَطَعْتُم}التغابن:16. وقوله تعالى:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ
نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا}البقرة:286. قال ابن كثير في التفسير: أي
لا يُكلَّف أحدٌ فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم
وإحسانه إليهم ا- هـ.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" وما
أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم "متفق عليه.
وعن عبد الله بن أبي أوفى، قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه
وسلم- ، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلمني ما
يجزئني منه، قال:" قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله،
والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله". قال: يا رسول الله هذا
لله عز وجل فما لي؟ قال:"قل اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني"
فلما قام، قال هكذا بيده، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :"
أما هذا فقد ملأ يده من الخير"[14].
فرغم أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، والصلاة لا تصح إلا
بها، إلا أن هذا الرجل عذر لعجزه عن أن يحفظ من القرآن شيئاً.
وكذلك الرجل الذي سأله النبي -صلى الله عليه وسلم- :" كيف تقول في
الصلاة؟" قال:أتشهد وأقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من
النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي -صلى
الله عليه وسلم- :"حولها ندندن"[15].
من هذه النصوص وغيرها استخرج أهل العلم القاعدة الفقهية التي
تقول:"الميسور لا يسقط بالمعسور".
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: فالله تعالى يعلم أن هذا مستطيع
يفعل ما استطاعه، فيثيبه، وهذا مستطيع لا يفعل ما استطاعه، فيعذبه،
فإنما يعذبه لأنه لا يفعل مع القدرة، وقد علم الله ذلك منه، ومن لا
يستطيع لا يأمره ولا يعذبه على ما لم يستطيعه[16].
وقال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام 2/5: إن من كلف بشيءٍ من
الطاعات فقدر على بعضه وعجز عن بعضه، فإنه ياتي بما قدر عليه،
ويسقط عنه ما عجز عنه ا- هـ.
وقال ابن تيمية في كتابه القيم رفع الملام، ص114: إن العذر لا يكون
عذراً إلا مع العجز عن إزالته، وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق،
فقصر فيه، لم يكن معذوراً ا- هـ.
ومن موانع تكفير المعين التي تحدث عند صاحبها العجز في معرفة مراد
الشارع فيما قد خالف فيه:
1- عدم بلوغه الخطاب الشرعي: فمن وقع في المخالفة أو الكفر بسبب
عدم بلوغه الخطاب الشرعي، فإنه لا يطاله الوعيد ولا يكفر حتى تقوم
عليه الحجة ببلوغه الخطاب الشرعي ـ قال الله قال رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- ـ فيما قد خالف فيه، فإن قابله بالجحود
والنكران، أو الإعراض والاستهانة، فإنه حينئذٍ يكفر بعينه، ولا بد.
كالذي أهدى النبي -صلى الله عليه وسلم- خمراً بعد تحريمها، فهذا لا
شك أنه كان يعتقد حلها، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- عذره لعدم
بلوغه الخطاب الشرعي الذي يفيد تحريم الخمر.
وكذلك الذين كانوا يصلون نحو بيت المقدس بعد تحويل القبلة إلى
الكعبة، حيث كانوا يعتقدون وجوب الصلاة نحو بيت المقدس، لكنهم
كانوا معذورين لعدم بلوغهم النص الذي يأمر بتحويل القبلة إلى
الكعبة المشرفة.
كما في الحديث، لما أنزل الله تعالى:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا
وُجُوهَكُمْ شَطْرَه}البقرة:144. كان المسلمون في قباء يصلون الفجر
نحو بيت المقدس، فمر رجل من بني سليمة، فناداهم وهم ركوع:ألا إن
القبلة قد حولت إلى الكعبة ـ مرتين ـ فمالوا كما هم ركوع إلى
الكعبة[17].
وكذلك قصة الرجل الذي أسرف على نفسه بالمعاصي، وأمر بنيه بأن
يحرقوه، ويذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، وشك في أن الله قادر
على جمعه وإعادته، وهذا كفر بواح ـ كما تقدم ـ لكن الله عذره وغفر
له لجهله وعدم بلوغه العلم الشرعي ـ نذارة الرسل ـ الذي يعرفه أن
الله قادر على كل شيء، وعلى ما يستحقه الله تعالى من كمال الأسماء
والصفات.
قال تعالى:{رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ
لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل}النساء:165. وقال
تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولاً}الإسراء:15.
قال الشنقيطي في الأضواء 3/471: ظاهر هذه الآية الكريمة أن الله جل
وعلا لا يُعذب أحداً من خلقه لا في الدنيا والآخرة حتى يبعث رسولاً
ينذره ويحذره فيعصي ذلك الرسول، ويستمر على الكفر والمعصية بعد
الإنذار والإعذار ا- هـ.
وقال ابن حزم في الأصول والفروع ص131: فنص الله تعالى على أن
النذارة إنما تلزم من بلغته، وأنه تعالى لا يعذب أحداً إلا بعد
إرسال الرسل.
فصح بهذا أن من لم تبلغه الدعوة إما لانقزاح مكانه، وإما لقصر مدته
إثر مبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه لا عذاب عليه ولا يلزمه
شيء، وهذا قول جمهور أصحابنا ا- هـ.
وكذلك الأربعة الذين يحتجون يوم القيامة بعدم بلوغهم نذارة الرسل،
لعلة قاهرة لا يستطيعون دفعها، كما في الحديث:" أربعة يحتجون يوم
القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في
فترة. فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً. وأما
الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام ولا أعقل شيئاً. وأما الذي مات
في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه،
فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً،
ومن لم يدخلها سحب إليها[18].
فهؤلاء ـ على اختلاف أسباب جهلهم بالخطاب الشرعي ـ جميعهم يشتركون
في صفة واحدة؛ وهي عدم القدرة على بلوغ أو فهم الخطاب الشرعي ..!
وكذلك فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من حلف بغير
الله فقد كفر أو أشرك ". وبالمقابل روى ابن عمر: أنه سمع النبيُّ
-صلى الله عليه وسلم- عمرَ مرة وهو يقول: وأبي، وأبي. فقال:" إن
الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم "[19].
فدل الحديث أن قول الكفر لا يستلزم دائماً أن يكون قائله كافراً أو
مشركاً، ودل كذلك أن عمر -رضي الله عنه- كان معذوراً لأنه لم يكن
قد سمع من قبل نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحلف بغير الله
-تبارك وتعالى- ، لذلك نجد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، قد
عذره، واكتفى بتعليمه ونهيه.
ومثله الذي قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- ما شاء الله وشئت، فقال
له النبي -صلى الله عليه وسلم- :" أجعلتني لله نداً، بل قل ما شاء
الله وحده ".
ومثله أيضاً الذي سجد للنبي -صلى الله عليه وسلم- ، فنهاه، وقال
له:" لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح أن يسجد بشر لبشر لأمرت
المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها"[20]. فاكتفى -صلى الله
عليه وسلم- بتعليمه، ولم يحمل عليه كفر من سجد لغير الله تعالى.
ومثل هذا لا يقال لمن بلغه الخطاب الشرعي ثم يتعمد مخالفته، وبخاصة
إن أدت به هذه المخالفة إلى الكفر. كما في الحديث، عن عبد الله بن
عمرو، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أصاب غنيمة،
أمر بلالاً فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه. فجاء
رجل بعد ذلك بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا أصبنا
من الغنيمة، فقال:" أسمعت بلالاً ينادي؟" ثلاثاً، قال:نعم!! قال:"
فما منعك أن تجيء به؟!" فاعتذر! فقال:" كن أنت تجيء به يوم
القيامة، فلن أقبله عنك "[21].
فتأمل كيف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعذره، وذلك بسبب
مخالفة الخطاب الشرعي بعد بلوغه إياه، علماً أن مخالفته هي دون
الكفر، فكيف لو ارتقت إلى درجة الكفر، لا شك أنه أولى بأن لا
يُعذر.
ونحو ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم:" والذي نفسُ
محمدٍ بيده لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة، يهوديٌّ، ولا نصرانيٌّ،
ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ إلا كان من أصحابِ النار". فعلق
العذاب ودخول النار على من يسمع به -صلى الله عليه وسلم- وبدعوته
ثم هو لا يؤمن.
ـ تنبيه: من كان جهله بالخطاب الشرعي ناتجاً عن تقصير وإهمال منه
يستطيع دفعه، لكن إيثاره للدنيا ومشاغلها ومتاعها، جعله لا يفعل
ولا يبذل جهده المستطاع لدفع الجهل عنه فيما يجب عليه تعلمه، فمثل
هذا لو وقع في الكفر بسبب جهله، لا يعذر، لقوله تعالى:{الَّذِينَ
يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً
أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ}إبراهيم:3. وقوله تعالى:{ذَلِكَ
بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ
وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}النحل:107.
ثم أن العذر ـ كما أسلفنا من قبل ـ يكون مع العجز وانتفاء القدرة،
لا مع القدرة والاستطاعة، فتنبه.
2- التأويل أو الفهم الخطأ للمراد من النص: فمن وقع في المخالفة أو
الكفر بسبب التأويل أو الفهم الخاطئ للمراد من النص، وكان النص
يحتمل هذا الفهم من جهة مدلولاته اللغوية .. لا يكفر حتى تقوم عليه
الحجة الشرعية بإزالة ما أشكل عليه فهمه من النص الشرعي.
كالذي حصل لقدامة بن مظعون ومن معه؛ حيث أنهم استحلوا شرب الخمر ـ
وهذا كفر ـ بناء على فهمهم الخاطئ للمراد من النص، إلا أنهم
بأعيانهم لم يكفروا لشبهة التأويل التي كانت عندهم .. وقد تقدمت
قصتهم.
وعن عدي بن حاتم، لما نزلت هذه الآية:{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ
الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَد}، قال: أخذت
عِقالاً أبيض، وعقالاً أسود، فوضعتهما تحت وسادتي، فنظرت فلم
أتبين، فذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فضحك! فقال:"
إن وسادَك لعريض طويل، إنما هو الليل والنهار "[22].
فمما لا شك فيه أن الصحابي كان يستمر في طعامه إلى ما بعد ظهور
الفجر الصادق، بناء على فهمه الخاطئ للآية الكريمة، والنبي -صلى
الله عليه وسلم- لما علمه وبين له المراد من الآية لم يأمره
بالقضاء، وعذره لشبهة التأويل التي كانت عنده.
وعن أسماء بنت عميس، قالت: قلت يا رسول الله، إن فاطمة بنت أبي
حبيش استحيضت منذ كذا وكذا، فلم تصلِّ، فقال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- :" سبحان الله! هذا من الشيطان، لتجلس في مِركنٍ، فإذا
رأيت صفرةً فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً، وتغتسل
للمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر غسلاً، وتتوضأ في ما
بين ذلك "[23].
قلت: رغم أن ترك الصلاة من أكبر الكبائر، قد دلت النصوص على كفر
تاركها إلا أن هذه المرأة لم يطالها شيء من ذلك، بل لم تؤمر بإعادة
ما تركته من الصلوات؛ وذلك أنها كانت تعتقد أن من كانت في مثل
حالتها تسقط عنها الصلاة، متأولة النصوص الشرعية التي تنهى المرأة
عن الصلاة وهي حائض .. إلى أن بلغها النص الشرعي الذي أفادها بأن
حالتها ليست من الحيض الذي يمنع من الصلاة!
وعن أسلم أبي عمران، قال: غزونا من المدينة، نريد القسطنطينية وعلى
الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم مُلصقو ظهورهم بحائط
المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مَهْ، مَه، لا إله إلا
الله، يُلقي بيديه إلى التهلكة!
فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار؛ لما نصر
الله نبيه، وأظهر الإسلام، قلنا: هلُمَّ نقيم في أموالنا ونُصلحها،
فأنزل الله تعالى:{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا
بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فالالقاء بأيدينا إلى التهلكة:
أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد [24].
فالناس تأولوا الآية وحملوها خطأ على من ينغمس ـ بمفرده ـ في صفوف
جند المشركين .. وهذا معناه أنهم حرموا حالة مشروعة بناء على فهمهم
وتأويلهم الخاطئين للنص .. بينما أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-
يُصحح لهم فهمهم الخاطئ للآية، وأنها لم تنزل في المعنى الذي
أرادوه، وإنما نزلت فيمن يقيم في ماله، وينشغل به وبتنميته عن
الجهاد في سبيل الله .. كما أنه لم يحمل عليهم وعيد من حرم حلالاً
أو أمراً مباحاً!
وكذلك لما تأول بعض الناس قوله تعالى:{عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا
يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}المائدة:105. ووضعوها
في غير موضعها، ورأوا فيها دليلاً على اعتزال الناس، وعدم الاشتغال
بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر .. قال أبو بكر الصديق -رضي
الله عنه- ، بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا أيها الناس! إنكم
تقرأون هذه الآية، وتضعونها على غير موضعها {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ
ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإنما سمعنا النبي -صلى الله عليه
وسلم- يقول:" إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشكَ
أن يعمَّهم الله بعقاب "، وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- يقول:" ما من قومٍ يُعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن
يُغيروا، ثم لا يُغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب "[25].
ونحو ذلك ما أخرجه البخاري في الأدب المفردن عن طلق بن حُبيب، قال:
كنت أشد الناس تكذيباً بالشفاعة، فسألت جابراً، فقال: يا طُليق
سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:" يخرجون من النار بعد دخول
" ونحن نقرأ الذي تقرأ.
وفي رواية عند أحمد: فإن الذي قرأت أهلها هم المشركون، ولكن قوم
أصابوا ذنوباً فعُذبوا بها ثم أُخرجوا ..[26].
فطلق من كبار التابعين ومع ذلك كان يكذب بالشفاعة ـ رغم ثبوتها
بالكتاب والسنة! ـ متأولاً بعض نصوص الكتاب التي نزلت وقيلت في
المشركين .. فحملها متأولاً على عصاة أهل القبلة .. إلى أن صحح له
خطأه جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- ..!
ـ تنبيه: ليس كل تأويل يعذر صاحبه ويمنع من تكفيره، فمن كان كفره
بسبب تأويل لا تحتمله لغة النص ولا الدلائل والقرائن المحيطة به،
كتأويلات الباطنية الغلاة وغيرهم لشعائر الدين، فمثل هذا النوع من
التأويل ـ هو في حقيقته تحريف وتكذيب وجحود ـ لا يعذر صاحبه،
ويوقعه في الزندقة والكفر البواح ولا بد، وتسمية تحريفهم تاويلاً
لا ينفعهم في شيء ..!
فإن قيل: هل للتأويل المستساغ حدٌّ معلوم وثابت بحيث نحكم على كل
من تجاوزه ببطلان تأويله، وعدم عذره بالتأويل ..؟
أقول: لا يوجد حد معلوم وثابت للتأويل المستساغ بحيث يكون كل من
تجاوزه يكون قد وقع في الإثم والحرج ولا بد؛ فما يكون تاويلاً
مستساغاً لشخص قد يكون غير مستساغ لشخص آخر، بحكم ما لدى كل منهما
من العلم .. أو الشبهات التي تُحيط بكل منهما .. وبحسب المسألة
ذاتها وما يكتنفها من غموض أو إشكالات .. فقد تكون معلومة لشخص ـ
وهي بالنسبة له من المحكمات ـ فلا يُعذر بالتأويل .. وقد تكون
مجهولة لآخر ـ وهي بالنسبة له من المتشابهات ـ فيعذر بالتأويل ..!
ولكن يمكن القول أن التأويل المعتبر له ـ في الغالب ـ قرائن تدل
عليه: كأن يكون التأويل الخاطئ محتملاً من حيث الدلالات اللغوية
للخطاب .. ومن حيث انسجامه مع كليات وأصول الشريعة .. أو أن يكون
معتمداً في تأويله على نصوص مرجوحة أو منسوخة لا يعرف النصوص
الراجحة أو الناسخة .. أو عامة لا يعرف مخصصها .. أو مطلقة لا يعرف
مقيدها .. فالتأويل الخاطئ المحفوف بمثل هذه القرائن في الغالب
يكون تأويلاً مستساغاً وصارفاً للكفر عن المرء لو وقع في الكفر
بسببه .. ويقوي ذلك ويضعفه القرائن المحيطة بالمتأول ذاته؛ هل
الأصل فيه تتبع المتشابهات وتقديمها على المحكامات .. وهل يُعرف
عنه شيء من تأويلات الزنادقة الغلاة أم لا .. وهل يعرف عنه تحكيم
العقل على النقل .. وهل يشتهر عنه أنه من أهل البدع والأهواء .. أم
أن أصوله سنية سلفية .. ثم أنه كبا وزل في مسالة أو بعض المسائل ..
وأيهما أكثر صوابه أم خطؤه .. وهل خطأه مقصود لذاته أم هو من قبيل
الاجتهاد الخاطئ، هذه الأمور وغيرها كلها معتبرة عند تحديد المعذور
بالتأويل من غيره ممن لا يعذر، والله تعالى أعلم.
3- حداثة عهده بالكفر: فمن وقع في المخالفة أو الكفر بسبب حداثة
عهده بالكفر، يعذر إلى أن تقوم عليه الحجة الشرعية، وتبلغه نذارة
الرسل فيما قد خالف فيه؛ لأنه لا يستطيع أن يتعلم جميع ما فرض عليه
من عقائد وشرائع في الأيام الأولى من إسلامه، وقد تقدم أن العجز
وانتفاء الاستطاعة يرفع التكليف، ومن كان هذا وصفه يتوقع منه أن
يبدر منه ما يُعد من الكفر، ظناً منه أن ذلك لا يتعارض مع الإسلام.
كالذين قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين: اجعل لنا ذات
أنواط كما لهم ذات أنواط، وكانوا حديثي عهد بكفر، وقد أسلموا يوم
فتح مكة؛ أي أنهم لما قالوا مقولتهم تلك لم يكن قض مضى على إسلامهم
ـ على الراجح من أقوال المؤرخين ـ أكثر من خمسة عشر يوماً فقط ..
وقد تقدمت قصتهم.
ونحو ذلك حديث معاوية بن الحكم السلمي، عندما قال للنبي -صلى الله
عليه وسلم- : إنا قومٌ حديث عهدٍ بجاهلية، وقد جاءنا الله
بالإسلام، ومنا رجالٌ يأتون الكهان، قال -صلى الله عليه وسلم-
:"فلا تأتهم".
وعنه قال: صليت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فعطس رجلٌ من
القوم، فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكلَ
أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم،
فعرفت أنهم يصمتوني. قال: فلما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
ـ بأبي وأمي ما ضربني، ولا كهرني، ولا سبني ـ ثم قال:" إن هذه
الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس هذا، إنما هو التسبيح
والتكبير، وقراءة القرآن "[27].
فتأمل كيف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عذره، ولم يأمره بقضاء
الصلاة، وذلك لجهله وحداثة عهده بجاهليةٍ .. كما أفاد سؤاله عن
رجال من قومه يأتون الكهان!
وكذلك قصة عدي بن حاتم لما جاء النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-
مسلماً وفي عنقه صليب .. وكان حديث عهد بكفر، وقد تقدمت قصته.
قال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى 20/60-61: إن الداخل في
الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها،
وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر
أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطق ذلك وإذا لم
يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجباً لم يكن
للعالم والأمير أن يوجبه ابتداءً، بل يعفو عن الأمر و النهي بما لا
يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان كما عفا النبي -صلى الله عليه
وسلم- عما عفا عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار
المحرمات وترك الأمر بالواجبات، لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان
العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا بإمكان الشرط.
ومن هنا يتبين سقوط كثير من الأشياء وإن كانت واجبة أو محرمة في
الأصل لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو
التحريم، فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجباً في الأصل ا-
هـ.
4- العيش في منطقة نائية، يتعذر وصول العلم إليها: فمن كان يعيش في
منطقة نائية يتعذر وصول العلم إليها كالبادية، وأدغال إفريقيا،
ونحوها من البلدان والمناطق التي يسود فيها الجهل بنذارة الرسل ..
فلا العلم يصله، ولا هو يستطيع أن يصل إلى العلم .. ثم هو بسبب ذلك
يقع في المخالفة أو الكفر .. فإنه يعذر بجهله إلى أن تقوم عليه
الحجة الشرعية فيما قد خالف فيه، ويتمكن من طلب العلم الشرعي من
مظانة.
ومن الأدلة التي يُستحسن الاستدلال بها على هذا المانع؛ مانع
اعتبار الزمان والمكان وما يسود فيهما من علم أو جهل بالشريعة،
وأثر ذلك على لحوق الوعيد بالمعين، قوله -صلى الله عليه وسلم- :"
إنكم اليوم في زمانٍ كثيرٌ علماؤه، قليل خطباؤه، من ترك عُشر ما
يَعرفُ فقد هوى، ويأتي من بعدُ زمانٌ كثيرٌ خطباؤه، قليلٌ علماؤه،
من استمسك بعشر ما يَعرفُ فقد نجا "[28].
فتأمل كيف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فرق بين الزمان الذي يكثر
فيه العلماء، وحكم على من يترك عشر ما يعرف في ذلك الزمان بالهلاك
والعذاب .. وبين الزمان الذي يقل فيه العلماء، وأن المتمسك بعشر ما
يعرف من أهل ذلك الزمان ـ بسبب قلة العلماء ـ بأنه قد نجا وفاز ..!
وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- :" يَدْرِسُ الإسلام كما يدرس وشي
الثوب، حتى لا يُدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليسرى
على كتاب الله -عز وجل- في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية،
وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير، والعجوز، يقولون: أدركنا
آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها ".
قال صلة بن زفر لحذيفة ـ راوي الحديث ـ ما تغني عنهم لا إله إلا
الله، وهم لا يدرون ما صلاة، ولا نسك، ولا صدقة ؟ فأعرض عنه حذيفة،
ثم ردها عليه ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في
الثالثة، فقال: يا صلة تنجيهم من النار ثلاثاً[29].
فالحديث فيه دليل على العذر بالجهل، وفيه دليل على أن من كان يعيش
في زمان أو مكان درست فيه تعاليم الإسلام .. لا العلم يصله ولا هو
يستطيع أن يصل العلم .. ثم هو بسبب ذلك لا يدري ما صلاة، ولا صيام
.. فإنه يُعذر .. وشهادة التوحيد تنفعه إن شاء الله.
ولا يُستفاد من الحديث ـ ما فهمه وذهب إليه أهل التجهم والإرجاء ـ
بأن تارك العمل بأركان الإسلام ـ وغيرها من الأعمال ـ مسلم، وهو من
أهل الجنة .. بغض النظر عن السبب أو المجتمع الذي يعيش فيه .. وإن
كان يعيش في مجتمعات قد استفاض فيها العلم، وسهل طلبه لمن نشده
وأراده[30].
لذا نقول: إذا كان المرء ـ الذي يعيش في المناطق النائية عن العلم
ومظانه ـ يستطيع أن يرحل إلى الأماكن التي يتوفر فيها العلم الشرعي
ـ ولا يوجد ما يعيقه عن ذلك ـ ثم إيثاراً للدعة والأوطان، والأموال
لا يتحرك له ساكن، ولا يبذل جهده في دفع الجهل عنه، فهذا لو وقع في
الكفر بسبب تقصيره هذا، لا يعذر بالجهل، لتوفر الاستطاعة لديه على
دفعه .. لكنه لا يفعل!
فالمسلم خُلق لغاية ـ ترخص في سبيلها كل الغايات والمقاصد ـ لا
يجوز له أن يغفل عنها، أو يتوانى في طلبها وتحقيقها على الوجه الذي
يُرضي ربنا -سبحانه وتعالى- ، ألا وهي إفراد الله تعالى وحده بالعبادة،
كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ} الذاريات:56. وقال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا
لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ
عَمَّا يُشْرِكُونَ}التوبة:31. وقال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا
لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ
وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ
الْقَيِّمَةِ}البينة:5. فالله تعالى لم يخلقنا إلا لشيء واحد ..
ولم يأمرنا إلا بشيء واحد .. ألا وهو عبادته وحده -سبحانه وتعالى-
بالمعنى الشامل للعبادة التي تستغرق جميع المساحة الزمانية
والمكانية التي يعيشها الإنسان، والشاملة لجميع ما يحبه
الله تعالى من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.
وغاية كهذه لا يجوز للعبد أن ينشغل عنها بشيء أو يصده عنها شيء ..
أو يتعذر عنها بعذر يستطيع دفعه، قال تعالى:{يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ
فَاعْبُدُونِ}العنكبوت:56. فالله تعالى وسع على عباده الأرض
ليعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً، فإن ضاقت عليهم في بقعة من الأرض
تحركوا وهاجروا إلى بقعة أخرى تتحقق فيها سلامة العبادة والدين ..
فحيثما تتحقق لهم سلامة العبادة والدين على الوجه الأكمل والأفضل
الذي يُرضي ربنا -عز وجل- تعينت الإقامة وحط الرحال في ذلك
المكان .. والهجرة ما شُرعت من ديار الكفر والفسق والظلم إلا
لتحقيق هذه الغاية العظمى.
قال ابن حزم رحمه الله في الأحكام 5/112: من بلغه ذكر النبي -صلى
الله عليه وسلم- ، وما جاء به، ثم لا يجد في بلاده من يخبره عنه،
ففرض عليه الخروج عنها إلى بلادٍ يستبرئ فيها الحقائق، وكل من كان
منا في بادية لا يجد فيها من يعلمه شرائع دينه، ففرض على جميعهم من
رجل أو امرأة أن يرحلوا إلى مكان يجدون فيه فقيهاً يعلمهم دينهم،
أو أن يُرحلوا إلى أنفسهم فقيهاً يعلمهم أمور دينهم، وإن كان
الإمام يعلم ذلك فليرحل إليهم فقيهاً يعلمهم ا- هـ.
5- الخطأ الغير مقصود: أيضاً من موانع تكفير المعين، الخطأ الغير
مراد؛ كأن يكون قد صدر الخطأ عنه سهواً، أو زلة لسان من دون أن
يقصده أو يريده، فمثل هذا يعذر لقوله تعالى:{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ
قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}الأحزاب:5.
ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم- :" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان
".
ومن الأدلة كذلك التي ترفع الحرج عن الخطأ الغير مقصود، قول الرجل
عندما وجد راحلته، وعليها طعامه وشرابه، وكان قد أيس منها، فقال من
شدة فرحه:" اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح " وقد
تقدم.
ونحو ذلك الذي يخطئ ويتلعثم في تلاوة القرآن فيزيد وينقص، فهو
معذور بخطئه، بينما لو تعمد الزيادة أو النقصان عن قصد وإرادة،
يكفر بعينه ولا بد.
وكذلك الذي يدوس على شيءٍ يظنه من متاع البيت، ثم يتبين له أنه
القرآن الكريم .. فهذا خطأ غير مقصود، لا حرج فيه إن شاء الله ..
بينما لو داس عليه مع علمه بأن هذا المداس عليه هو كتاب الله يكفر
بعينه من ساعته، ولا بد.
وقولنا خطأ غير مقصود؛ أي أنه لا يقصد الوقوع في الخطأ، وليس لا
يقصد الكفر من هذا الخطأ؛ لأن من قصد الوقوع أو التلفظ بالخطأ،
وكان ذلك الخطأ كفراً، فإنه يكفر سواء قصد الكفر أم لم يقصده ..
فهناك فرق بين من يقصد ويتعمد الوقوع في الخطأ، وهو شرط لازم للحوق
الوعيد، وبين من يقصد الكفر من وراء قصده لذاك الخطأ، وهذا ليس
شرطاً للحوق الوعيد أو التكفير .. ولم يقل به إلا أهل التجهم
والإرجاء .. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
6- الاجتهاد: وكذلك الخطأ الصادر عن اجتهاد؛ كأن يُخطئ العالم
المجتهد، لعلة معتبرة[31]، فيحل حراماً، أو يحرم حلالاً، أو يحكم
بغير ما أنزل الله، ظاناً أنه بذلك قد أصاب الحق الذي يرضاه الله،
فإنه يعذر لاجتهاده، وهو مأجور فإذا أخطأ فله أجر، وإذا أصاب فله
أجران، كما في الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه
قال:" إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر
" متفق عليه.
وفي الصحيحين، عن أبي سعيد الخدري قال: جاء بلال إلى النبي -صلى
الله عليه وسلم- بتمرٍ برني[32]، فقال له النبي -صلى الله عليه
وسلم- :" من أين هذا " قال:كان عندنا تمر رديء، فبعت منه صاعين
بصاع، فقال:" أوِّه، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري
فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به ".
وفي المقابل فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" يلعن
الله آكل الربا وموكله، وشاهديه، وكاتبه، وقال: هم سواء "مسلم.
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" درهمهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد
عند الله من ستة وثلاثين زنية "[33]. إلا أن هذا الحكم العام لا
يجوز حمله على الصحابي، لظنه واجتهاده أن صنيعه لا يدخل تحت مسمى
الربا، لذلك نجد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد عذره وأقال
عثرته واكتفى بتعليمه وتصحيح خطئه.
وكذلك الذين بلغهم قول النبي -صلى الله عليه وسلم- :" إنما الربا
في النسيئة " مسلم. فاستحلوا ـ بناءً على فهمهم لهذا الحديث ـ بيع
الصاعين بالصاع يداً بيد، مثل ابن عباس وأصحابه، أبي الشعثاء،
وعطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وغيرهم، من أعيان المكيين
الذين هم صفوة الأمة علماً وعملاً[34].
قال ابن تيمية رحمه الله: لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحداً منهم
بعينه أو من قلده ـ بحيث يجوز تقليده ـ تبلغهم لعنة آكل الربا،
لأنهم فعلوا ذلك متأولين تأويلاً سائغاً في الجملة.
وكذلك ما نقل عن طائفة من فضلاء المدنيين من إتيان المحاش، مع ما
رواه أبو داود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" مَن أتى
امرأة في دبرها فهو كافر بما أُنزل على محمد "[35].
وكذلك عندما قتل أسامة الرجل الذي قال:" لا إله إلا الله " ظناً
منه أنه قالها تعوذاً من السيف، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم-
أنكر عليه صنيعه، إلا أنه لم يوجب عليه قوداً ولا دية، فعذره
لاجتهاده وعدم بلوغه النص الذي يدل على تحريم إعمال الظن في مثل
هذه المواضع.
بينما عندما سأل المقداد بن الأسود النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ،
فقال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني، فضرب
إحدى يدي بالسيف، فقطعها ثم لاذمني بشجرة، فقال:أسلمت لله، أفأقتله
يا رسول الله لله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- :" لا تقتله "، قال: فقلت يا رسول الله إنه قد قطع يدي، ثم
قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله ؟ قال:" لا تقتله، فإن قتله فإنه
بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي
قال"متفق عليه. أي إنه بمنزلتك قبل أن تقتله مسلم آمن بأمان
الإسلام، وأنت بمنزلته حلال الدم ـ يُقاد منك لقتلك النفس التي حرم
الله ـ كما كان قبل أن يقول كلمة الإسلام حلال الدم .. فلم يعذره
النبي -صلى الله عليه وسلم- لبلوغه نص التحريم الذي لا ينفع معه
اجتهاد ولا تأويل.
وكذلك ابن عمر، كان يقطع الخفين للمرأة المحرمة، ثم حدثته صفية بنت
أبي عبيد أن عائشة حدثتها: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، قد
كان رخص للنساء في الخفين، فترك ذلك[36].
وكان من وصايا النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أمر أميراً على جيش،
أن قال له:" وإذا حاصرت أهل حصنٍ فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله،
فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري
أتصيب حكم الله فيهم أم لا " مسلم.
منطوق الحديث: أن حكمه قد لا يوافق حكم الله، فيكون من جهة حكم
بغير ما أنزل الله، لكنه معذور ومأجور لاجتهاده.
ونحو ذلك اجتهاد الصحابة واختلافهم على مراد النبي -صلى الله عليه
وسلم- لما أمرهم بأن " لا يُصلينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة "
فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نُصلي حتى نأتيها،
وقال بعضهم: بل نُصلي، لم يُرد منا ذلك، فذُكر ذلك للنبي -صلى الله
عليه وسلم- فلم يُعنف واحداً منهم. البخاري.
فلم يُعنف النبي -صلى الله عليه وسلم- واحداً منهم؛ لأن النص
والنصوص الأخرى ذات العلاقة بالصلاة تقبل مثل هذا الاجتهاد
والاختلاف.
ونحو ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت
الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً، ثم وجدا الماء في
الوقت، فأعاد احدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد:"
أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك "، وقال للذي توضأ وأعاد:" لك الأجر
مرتين "[37].
قال ابن تيمية رحمه الله في كتابه رفع الملام، ص56: فإن من نشأ
ببادية، أو كان حديث عهد بإسلام، وفعل شيئاً من المحرمات غير عالم
بتحريمها، لم يأثم، ولم يحد، وإن لم يستند في استحلاله إلى دليل
شرعي.
فمن لم يبلغه الحديث المحرم، واستند في الإباحة إلى دليل شرعي،
أولى أن يكون معذوراً، ولهذا كان هذا مأجوراً محموداً لأجل اجتهاده
ا- هـ.
ـ تنبيه: ما تقدم لا يحمل على الجاهل الذي لا يملك أدوات الاجتهاد
فيما يُفتي فيه، ولا المبتدع صاحب الهوى الذي يعرف الحق بأدلته
القطيعة، ثم تراه ينحرف عنه، ويفتي بخلافه، لإرضاء سلاطين الجور
والكفر، أو المأرب مادي دنيوي، فمن كان هذا وصفه لا يُعذر بمانع
الاجتهاد، فقد بشر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أمثالَه بالنار
فقال:" القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار؛ فأما الذي
في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في حكمه، فهو
في النار، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار "[38].
وكون المجتهد المعذور المأجور له أجر إذا أخطأ، لا يعني أنه يجوز
تقليده فيما أخطأ فيه، إذا عُلم خطؤه عند من يقلده، فتقليد العلماء
في الحق والباطل، والصواب والخطأ هو من سنن أهل الكتاب الذين
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، كما قال تعالى:
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ
اللَّه}التوبة:31 . وذلك لما أطاعوهم في تحليل الحرام، وتحريم
الحلال!
7- الإكراه: كذلك من أظهر الكفر تحت ظروف الإكراه ـ وقلبه مطمئنٌ
بالإيمان ـ ليس عليه شيء، وهو ممن يشملهم العذر، لقوله تعالى:{مَنْ
كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ
وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ
بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ} النحل:106. وقوله تعالى:{لا يَتَّخِذِ
الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ
الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي
شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ
اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}آل عمران:28.[39].
قال ابن جرير في التفسير 3/228:{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ
تُقَاة}، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا
لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ماهم
عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل[40].
وقال ابن عباس:التقاة التكلم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان ا- هـ.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"إن
الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا
عليه"[41].
وكذلك عندما أخذ المشركون عماراً -رضي الله عنه- ، فلم يتركوه حتى
نال من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذكر آلهتهم بخير. فلما أتى
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:" ما وراءك؟" قال:شرٌ يا رسول
الله، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. فقال رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- :" فكيف تجد قلبك؟ " قال: أجد قلبي مطمئناً
بالإيمان. قال:" فإن عادوا فعد "[42].
أما الذي يطمئن قلبه بما يُكره عليه من الكفر، لا يعذر بالإكراه،
لقوله تعالى:{وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً
فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. ولأن
القلب وما وقر فيه لا سلطان للمخلوق عليه، فالإكراه سلطانه على
الجوارح وليس على القلوب وما يستقر في القلوب.
8- من أظهر الكفر لدفع كفرٍ أكبر وأغلظ: وذلك عندما يقع في خيار
بين أمرين كلاهما كفر لا بد من تقديم أحدهما على الآخر، فحينها
يقضي الشرع بتقديم أقلهما كفراً وضرراً لدفع أشدهما وأغلظهما كفراً
وضرراً[43].
وصورة ذلك تتحقق عندما تُبتلى الأمة بطاغوت كفره مغلظ بعضه فوق
بعض، تشتد فتنته وبلوته على البلاد والعباد، ولا مجال لاستئصاله
وإراحة العباد من شره إلا بعد الانغماس في صفه وعسكره، والتظاهر
بما يوهمه أنك من جنده وبطانته إلى أن تتمكن من عنقه وقتله ..
وهذه مسألة كنا نحسب أنها منتهية وواضحة لا تستحق البحث أو الجدال
لوضوحها وبخاصة عند الجماعات الجهادية التي تحتاج إلى كل جزئية من
جزئيات الفقه الإسلامي، لكي تستفيد منه وتستخدمه في عملية المواجهة
الضخمة التي تخوضها ضد طواغيت الكفر والإلحاد في الأرض، الذين
يحرسون الجاهلية المعاصرة بكل ما يملكون من قوة ووسائل ..!!
ولكن بشيء من التأمل والمتابعة وجدنا أن المسألة مثار جدلٍ واختلاف
عند كثير من الإخوان، يأبى بعضهم التسليم بالمسألة بزعمٍ مفاده أن
الكفر لا يجوز إظهاره إلا في حالة الإكراه المباشر المعروفة صورته
والمبينة من قبل ..!!
لذا وجدنا أنفسنا مضطرين للبيان وبحث المسألة بشيء من التفصيل
والتدقيق .. والله تعالى المستعان، نستلهم منه وحده تعالى السداد
والتوفيق.
فأقول: لا حرج على المسلم إن دعت الضرورة إلى استئصال طاغوت وإمام
كبير من أئمة الكفر والظلم أن ينغمس في عسكره وصفوف جنده، ويتظاهر
على أنه منهم، على نية استئصال الطاغوت وإراحة الأمة من شره وكفره
المغلظ، وذلك للأسباب والأدلة التالية:
أولاً: لدلالة النصوص الشرعية على جواز ذلك، منها ما أخرجه البخاري
في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- :" مَن لكعب بن الأشرف ؟ فإنه قد آذى الله ورسوله " فقام
محمد ابن مسلمة فقال: يا رسول الله، أتحبُّ أن أقتله ؟ قال:" نعم
"، قال: فأذنْ لي أن أقول شيئاً، قال:" قلْ "، فأتاه محمد بن مسلمة
فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقةً، وإنه قد عنَّانا، وإني قد
أتيتُك أستسلفُك، قال: وأيضاً والله لتملُّنه ، قال: إنا قد
اتبعناه فلا نحبُّ أن ندعَهُ، ننظر إلى أي شيءٍ يصير أمره، وقد
أردنا أن تسلفنا وسقاً أو وسقين .. إلى آخر الحديث وفيه: فلما
استمكن منه قال: دونَكم، فقتلوه . ثم أتَوا النبيَّ -صلى الله عليه
وسلم- فأخبروه .
قال ابن حجر في الفتح 7/392: وفي رواية الواقدي:" سألنا الصدقة،
ونحن لا نجد ما نأكل .. قال كعب لأبي نائلة: أخبرني ما في نفسك، ما
الذي تريدون في أمره؟ قال: خذلانه والتخلي عنه، قال: سررتني " .
قلت: لا شك أن هذا الكلام الذي دار بين أصحاب النبي -صلى الله عليه
وسلم- وبين عدو الله اليهودي كعب بن الأشرف فيه من الكفر الظاهر،
مالا يمكن إظهاره أو التلفظ به في الظروف العادية، والذي أباح
للصحابة إظهار ما أظهروه هو استئصال طاغوت اشتد أذاه لله ورسوله
-صلى الله عليه وسلم- ..!
ومظاهر الكفر بادية في هذا الحديث من جهات عدة:
منها: قول محمد بن مسلمة:" سألنا الصدقة ونحن لا نجد ما نأكل .."
وهذا مفاده رمي النبي -صلى الله عليه وسلم- بالظلم والجور، وأنه
يسأل الناس دفع الصدقات وهم لا يجدون ما يأكلون .. وهذا لا شك أنه
كفر.
ومنها: قوله:" وإنه قد عنَّانا "؛ أي أتعبنا بسؤاله لنا الصدقة
ونحن لا نجد ما نصدقه .. هذا المفهوم من سياق الكلام، وهذا لا شك
انه كفر لتضمنه التذمر وعدم الرضى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وما
جاءهم به من عند ربه ..
ومنها: أن هذا المفهوم من قوله " قد عنَّانا " المتقدم الذكر هو
الذي حمل كعباً على أن يقول:" وأيضاً والله لتملنَّه " أي سيأتي
اليوم الذي تملون فيه النبي ودعوته بسب هذا الظلم وهو سؤاله لكم
الصدقة وأنتم لا تجدون ما تصدقونه ..
ومنها: قوله:" فلا نُحبُّ أن ندعه ننظر إلى أي شيءٍ يصير أمره "،
أي أن وقوفنا معه قائم على اعتبار العاقبة، فإن كانت العاقبة له
كنا معه وأصابنا الخير بسبب ذلك، وإن كانت العاقبة لغيره تركناه
وتخلينا عنه .. فنحن ننظر إلى أي شيءٍ يصير أمره .. وهذا لا شك أنه
كفر.
ومنها: قول أبي نائلة ـ وكان مع محمد بن مسلمة في المهمة ـ :" نريد
خذلانه والتخلي عنه "، لا شك أنه من الكفر البواح الذي لا يحتمل
تأويلاً ولا صرفاً .. ولو قيل هذا الكلام في الظروف الطبيعية لكفر
صاحبه .
ومنها: قول عدو الله ورسوله كعب:" لتملنَّه ..وسررتني " هو من
الطعن والاستهزاء بالرسول -صلى الله عليه وسلم- الظاهر .. ومع ذلك
لم ينكر عليه الصحابة، وبقوا معه وفي مجلسه إلى أن تمكنوا من تنفيذ
مهمتهم فيه ..
والشاهد أن الجلوس في مجالس الكفر والاستهزاء بالدين من غير إنكار
ولا إكراه ولا قيام هو كفر أكبر، ومع ذلك الصحابة فعلوه ليتمكنوا
من استئصال الكفر الأكبر المتمثل في الطاغية كعب بن الأشرف لعنه
الله.
ومنها: أن استئذان الصحابة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ النبيَّ في أن
يقولوا فيه كلاماً؛ أي الكلام الذي يفيد الذم والتجريح الذي لا
يجوز أن يُقال في الحالات الطبيعية إلا إذا آثر صاحبه الكفر على
الإيمان .. وإلا فإن الكلام المباح لا يحتاج إلى استئذان !
وهذا المعنى يوضحه ابن حجر في الفتح حيث يقول: قوله" فأذن لي أن
أقول شيئاً، قال قل .." كأن استأذنه أن يفتعل شيئاً يحتال به، ومن
ثم بوب عليه المصنف " الكذب في الحرب " وقد ظهر من سياق ابن سعد
للقصة أنهم استأذنوا أن يشكوا منه ويُعيبوا رأيه ..!
وفي مرسل عكرمة:" وأذَنْ لنا أن نصيب منك فيطمئن لنا، قال: قولوا
ما شئتم!" انتهى.
وفي رواية موسى وأبي إسحاق، التي يذكرها ابن كثير في البداية
والنهاية بتمامها 4/8، ومما جاء فيها: قال فرجع محمد بن مسلمة فمكث
ثلاثاً لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق نفسه، فذُكر ذلك لرسول الله
-صلى الله عليه وسلم- فدعاه فقال له: لمَ تركت الطعام والشراب ؟
فقال يا رسول الله قلت لك قولاً لا أدري هل أفي لك به أم لا . قال:
إنما عليك الجهد . قال: يا رسول الله، إنه لا بد لنا أن نقول، قال:
فقولوا ما بدا لكم فأنتم في حلٍّ من ذلك ..! انتهى.
قال الشيباني في السير 1/189:" فأئذن لنا فلنقل، فإنه لا بد لنا
منه "؛ أي نخدعه باستعمال المعاريض، وإظهار النيل منك . انتهى .
قلت: فالحديث ـ بمجموع طرقه، وكما فهمه العلماء ـ حجة قوية في
المسألة، إن تُمكن من رد وجه من أوجه الاستدلال به، فإنه لا يمكن
رد مجموع أوجه الاستدلال به الآنفة الذكر ..والله تعالى أعلم.
دليل آخر: وهي قصة مقتل الطاغية خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي،
وكان قد جمع الجموع لغزو النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة،
وتمام الحديث كما أخرجه أحمد وغيره، عن عبد الله بن أُنَيْس قال
دعاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال:" إنه قد بلغني أن خالد
بن سفيان الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني فائته فاقتله ـ وفي رواية:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مَن لسفيان الهذلي يهجوني
ويشتمني ويؤذيني ـ قال: قلت يا رسول الله انعته لي حتى أعرفه قال
إذا رأيته وجدت له قشعريرة قال: فخرجت متوشحاً سيفي حتى وقعت عليه
وهو بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منزلاً، وحين كان وقت العصر فلما رأيته
وجدت ما وصف لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من القشعريرة،
فأقبلت نحوه وخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة فصليت وأنا أومئ
برأسي الركوع والسجود، فلما انتهيت إليه قال من الرجل ؟ قلت: رجل
سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك في ذلك . قال: أجل، أنا في ذلك
قال فمشيت معه شيئاً حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف حتى قتلته ثم
خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه، فلما قدمت على رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- فرآني، قال: أفلح الوجه . قلت: قتلته يا رسول الله .
قال: صدقت، ثم قام معي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدخل بي
بيته فأعطاني عصاً فقال: أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس .. آية
بيني وبينك يوم القيامة، إن أقل الناس المتخصرون يومئذٍ . قال:
فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فضُمت معه
في كفنه، ثم دفنا جميعاً "[44].
فتأمل قوله:" رجل سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك في ذلك "؛ أي
جئتك لأنصرك وأكثر سوادك في قتالك للنبي -صلى الله عليه وسلم- ..
وهذا لا شك أنه لفظ كفري، ولو أنه قيل في الحالات الطبيعية ـ لغير
ضرورة استئصال هذا الطاغوت ـ لكان كفراً أكبر ..
ثم تأمل لو تُرك هذا الطاغوت وهدفه، كم كان سيكلف الدعوة الإسلامية
وهي في مهدها، وأوائل نشوئها ..؟!
ومن الأدلة كذلك: أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- لنعيم بن مسعود
أن يخذل عن المسلمين يوم وقعة الأحزاب .. وكان مما قاله نعيم بن
مسعود لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي لكم،
وفراقي محمداً، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقاً أن أبلغكموه
نصحاً لكم فاكتموه عني ..[45].
فإن قيل هذه المقولة:" قد عرفتم ودي لكم، وفراقي محمداً .." لا
تفيد الكفر، أقول: إن مجرد الجلوس والإقامة في مجالس الكفر
والاستهزاء والطعن، والحرب على الله ورسوله .. من غير إنكار ولا
قيام هو كفر، لقوله تعالى:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي
الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا
وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا
فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ
جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ
جَمِيعاً}النساء:140. أي إن أبيتم إلا الجلوس معهم من غير إنكار
فأنتم مثلهم في الكفر .. فكيف والصحابي -رضي الله عنه- قد ضم إلى
جلوسه في مجالس الكفر والحرب على الله ورسوله، مقولته الآنفة الذكر
.. لاشك أن هذا من الكفر البواح لا شك فيه.
ولكن الذي برر كل ذلك هو أن نية الصحابي نعيم بن مسعود -رضي الله
عنه- كانت أن يخذل عن المسلمين، ويفرق بين الأحزاب التي تحالفت على
حرب الرسول -صلى الله عليه وسلم- والدعوة الإسلامية .. وهذه مهمة
جليلة فوائدها عامة، تهون أمامها مثل العبارة الآنفة الذكر عنه
-رضي الله عنه- .
قال الشيباني في السير 1/185: وإذا دخل المسلم دار الحرب بغير
أمان، فأخذه المشركون فقال لهم: أنا رجل منكم، أو جئت أريد أن
أقاتل معكم المسلمين، فلا بأس بأن يقتل من أحب منهم، ويأخذ من
أموالهم ما شاء .. انتهى . ثم استدل بقصتي مقتل الطاغوتين: خالد بن
سفيان الهذلي، وكعب بن الأشرف ..
قلت: قوله أنا رجل منكم، أو جئت أريد أن أقاتل معكم المسلمين .. هو
كفر، وهو مستساغ ـ عند الشيباني ـ من أجل أن يقتل منهم من أحب،
وإذا كان الأمر كذلك فمن باب أولى أن يكون ذلك مستساغاً وجائزاً من
أجل استئصال طاغوت اشتد كفره وطغيانه وأذاه على المسلمين ..!
ثانياً: أن قواعد الشريعة الكلية جاءت بمبدأ دفع الضرر، وبارتكاب
أخف الضررين ودفع أعلاهما ضرراً، وهذا يشمل جميع مسائل الدين؛
الأصول والفروع منها، ومن هذه المسائل التي يشملها مسألتنا هذه .
وصورة ذلك عندما يُخير المرء بين كفرين لا بد له من أحدهما، ولا بد
له من دفع أحدهما بالآخر، فحينئذٍ الفقه والنقل والعقل كل ذلك يقول
لك: أنظر أكثرهما وأغلظهما كفراً فادفعه واستأصل شأفته بالأقل
كفراً كما هو في مسألتنا؛ فالطاغوت جاثم على صدر ومقدرات الأمة
يمارس جميع صور الكفر والإجرام، والقتل .. وهو بذلك لا شك أنه يمثل
الكفر الأكبر المغلظ والمركب، ثم تبين أنه لا يمكنك استئصاله إلا
غيلة بارتكاب بعض صور الكفر المجردة الضيقة كما ورد ذلك في قصة
اغتيال الطاغوتين كعب بن الأشرف، وسفيان الهذلي .. فتفعل إن شاء
الله ولا حرج، هذا إن لم يتحول هذا الفعل في حقك إلى درجة الوجوب .
فإن أخذت الحمية بعض المتسرعين وقالوا: هذا مفاده إباحة بعض صور
الكفر .. !
قلت: فإن عدمه يلزمك السكوت والإبقاء والمحافظة على ما هو أغلظ منه
كفراً وخطراً على العباد والبلاد ..!!
فانظر أيهما أسلم وأرضى لدينك وآخرتك ..؟!!
فإن قالوا ـ كما ذُكر عن البعض ـ : أن الكفر لا يُباح إلا لضرورة
ملزمة، لأن المحظورات لا تُباح إلا بالضرورات، وإزالة الطاغوت حاجة
وليست ضرورة ..!!
أقول: الطاغوت الذي عطل العمل بشرع الله -عز وجل- ، وحارب
التوحيد وأهله، والذي لم يدع نوعاً من أنواع الكفر والفجور والطعن
بالدين إلا أتى بأعلاه وأوفره حظاً، فأهلك بذلك العباد والبلاد،
وسامهم سوء العذاب والذل، والفقر .. أقول الطاغوت الذي هذه بعض
صفاته تكون إزالته وإراحة الأمة من كفره وشره من قبيل الحاجيات،
مثله مثل تحصيل الغسالات والثلاجات ..؟!
إذا كانت إزالة هذا الطاغوت وأمثاله هو من الحاجيات، وليس من
الضرورات، فما هو الذي يكون ـ عندكم أيها الفقهاء! ـ من الضرورات
..؟!!
إذا كانت إزالة الطواغيت الذين يستشرفون خصائص الإلهية ويُعبدون من
دون الله لا ترقى عندكم إلى درجة الضرورة، فإنه لا يوجد عندكم شيء
اسمه ضرورة ..!!
علماً أن الدين ـ من لدن نوح -عليه السلام- إلى نبينا محمد -صلى
الله عليه وسلم- ـ يقوم على ركنين عظيمين: أولهما الكفر بالطاغوت
وإزالته واستئصاله وبغضه، والركن الثاني تحقيق العبودية المطلقة
لله -عز وجل- ، وهذا معنى لا إله إلا الله الذي لأجلها خلق
الله الخلق كله .. وهي غاية عظمى لا تعلوها غاية، ترخص في سبيلها
كل الغايات والمقاصد، فضلاً عن الوسائل والسبل .
أيكون أحد ركني الدين والتوحيد ـ عندكم يا فقهاء الإثارة! ـ من
الحاجيات لا يرقى إلى درجة الضرورات ..؟!!
ثالثاً: إذا كان ـ كما يقول الصحابي ابن مسعود -رضي الله عنه- ـ
يجوز للمرء أن يقول الكـلام الذي يدرأ عنه سوطاً أو سوطين .. فكيف
لا يجوز له أن يقول الكلام الذي يدرأ عنه وعن أمته الذبح والقتل،
والذل، والقهر، والكفر المغلظ بكل ضروبه وأنواعه ..؟!!
وإذا كان دفع سوط أو سوطين يُعتبر من الضرورات التي تبيح المحظورات
.. فكيف لا يكون دفع القتل والمجازر الجماعية بحق المسلمين وبحق
أطفالهم ونسائهم التي يقوم بها الطاغوت من الضرورات التي تُبيح
المحظورات ..؟!!
رابعاً: هذا الطريق سلكه الأعلام من مجاهدي الأمة ابتداء من
الصحابي محمد بن مسلمة، ونعيم بن مسعود، وأبي نائلة، وعبد الله بن
أُنيس .. مروراً بالبطل صلاح الدين الأيوبي الذي كان وزيراً في
الدولة الفاطمية العبيدية الكافرة، إلى أن تمكن من استئصال الكفر
المتمثل في شعوذة العبيديين، وتغيير الدولة كلها إلى دولة إسلامية
سنية مجاهدة .. انتهاء بالبطل خالد اسلامبولي ورفاقه الذين أراحوا
الأمة من خائن الأمة السادات ..!
والقول بخلاف ما قدمنا من لوازمه رمي هؤلاء الأبطال وغيرهم بالكفر
والعياذ بالله .. وهذا لا يقدم عليه عاقل يعز عليه دينه!!
ـ تنبيهات وضوابط تتعلق بهذا المانع:
من خلال ما تقدم نستخلص النقاط التالية:
1- لا يجوز إظهار الكفر إلا لضرورة استئصال كفر أكبر وأغلظ ..
والمتمثل في الطغاة المجرمين وكفرهم .. ولا نرى إظهار الكفر ـ بقول
أو عمل ـ من أجل إزالة كفرٍ مماثل له أو ما هو دونه ..!!
2- لا يُلجأ إلى هذه الوسيلة إلا إذا انتفت جميع الوسائل التي تمكن
من استئصال الطاغوت صاحب الكفر المركب والمغلظ .. أما إن توفرت
وسائل وسبل أخرى لا يجوز اللجوء إلى هذه الوسيلة ..!
3- في حال عُمل بهذه الرخصة يجب التحري ما أمكن في عدم التلفظ أو
الوقـوع في الكفر .. إلا ما دعت إليه الضرورة من غير زيادة أو توسع
..
4- في حال قُدر على استخدام المعاريض، وكانت تكفي لتنفيذ المهمة ..
لا يجوز اللجوء إلى الترخص في إظهار الكفر أو التلفظ به، لقوله
تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}التغابن:16.
5- ما يجوز في الجهاد لا يجوز في غيره من المواطن، وما يجوز
للمجاهد المقاتل لا يجوز لغيره القاعد .. وهذه مسألة بينة واضحة
تضافرت عليها أدلة الكتاب والسنة، بحثها مستقلاً يحتاج إلى بحث
وربما إلى مصنف مستقل ..!
9- الحسنات: وجود الحسنات، أو أن يكون للمرء سابقة إسلام وجهاد
وبلاء، وغير ذلك من الأمور الحسنة، فهي وإن كانت لا تعد من موانع
تكفير المعين، إلا أنها تتشفع لصاحبها عند ورود الشبهات، والكفر
المحتمل.
فالحسنات العظيمة مدعاة لتوسيع دائرة التأويل وإقالة العثرات
لصاحبها حين ينفع التأويل، كما حصل لحاطب بن أبي بلتعة، فإن بدراً
وغيرها من الحسنات، قد تشفعت له ونفعته يوم أن قال عمر فيه: دعني
يا رسول الله أقطع عنق هذا المنافق .. فإنه قد نافق، عندما أخطأ
بإفشاء سر زحف النبي -صلى الله عليه وسلم- لفتح مكة .. وإطلاع كفار
قريش على ذلك .. وكان متؤلاً في ذلك كما تقدم.
ونحو ذلك الخارجي الذي قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- : اتقِ الله
.. اعدل! فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- :" ويلك أولست أحق
أهل الأرض أن يتقي الله .. إذا أنا لم أعدل فمن يعدل؟!!" فقال خالد
بن الوليد -رضي الله عنه- : يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال -صلى
الله عليه وسلم- :" لا، لعله أن يكون يصلي .." والحديث رواه مسلم
وغيره، وشاهدنا منه أن تتأمل كيف أن الصلاة تشفعت لهذا الرجل،
ومنعت من قتله .. علماً أنه قال مقولة بحق سيد الخلق حملت خالداً
على أن يستأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يفصل عنقه عن جسده
..!
قال تعالى في حسنة الصلاة:{وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ
وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ
السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}هود:114.
أما عند مورد الكفر البواح ـ الذي لا يقبل صرفاً ولا تأويلاً ـ فإن
الحسنات مهما عظمت، فإنها لا يمكن أن تقاوم، كما لا يمكن أن تتشفع
لصاحبها، ولا تمنع ـ مستقلة ـ من تكفيره بعينه، كما حصل لقدامة بن
مظعون، ومن معه عندما استحلوا الخمر وشربوها متأولين، فقد أجمع
الصحابة على أنهم إذا لم يعودوا عن استحلالهم للخمر، وعن تأويلهم
الفاسد الذي حملهم على الاستحلال .. فإنهم قد كفروا وبدلوا وغيروا،
ويقتلون كفراً وردة، علماً أن قدامة كان من أهل بدر وأحد، وهو ممن
شهد المشاهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .. فتأمل كيف أن
بدراً تشفعت لحاطب، ولم تتشفع لقدامة ومن معه لو أصروا على
الاستحلال .. وهذه مسألة سنعود إليها ثانية بشيء من التفصيل إن شاء
الله.
ـ لوازم تكفير المعين وشروطه.
بعد أن بينا موانع تكفير المعين، نشرع ـ إن شاء الله ـ في بيان
لوازم وشروط تكفير المعين، وهي:
1- انتفاء موانع التكفير الآنفة الذكر: بحيث لا يكون كفره أو ما
أظهره من كفر بسبب يعذر لأجله؛ كأن يكون جاهلاً، أو حديث عهد
بالإسلام، أو متأولاً، أو مكرهاً وغير ذلك من الموانع التي تقدم
الحديث عنها.
2- التبين والتثبُّت: فمن شروط تكفير المعين، التبين من حقيقة كفر
ذاك المعين، حيث لا يجوز تكفيره بالظن أو الشبهات من دون بينة
ظاهرة تستلزم ذلك، كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا
قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
نَادِمِينَ} الحجرات:6. وقال تعالى:{وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي
مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً}النجم:28.
فلو نُقل لنا عن غائب معين ـ ممن نجهل حاله ـ أنه يقول الكفر أو
يفعله، أو يعتقده، لا يجوز لنا أن نكفره مباشرة بعينه لمجرد هذا
النقل ـ لاحتمال كذب ناقل الخبر، أو تحامله عليه، أو فهمه الخاطئ
لمراد ما سمعه أو رآه من ذاك المعين ـ حيث لا بد من التبين والتثبت
من صحة ما نقل عنه أولاً، ولا نجزم بكفره بعينه حتى تتوفر لدينا
جميع القرائن الدالة على كفره .. والتي تمكننا من تكفيره بعينه.
وكذلك قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا
لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ
عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ
كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ
عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيراً} النساء:94.
عن ابن عباس قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي -صلى
الله عليه وسلم- يرعى غنماً له، فسلم عليهم، فقالوا لا يسلم علينا
إلا ليتعوذ منا فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبيَّ -صلى الله
عليه وسلم- ، فنزلت هذه الآية{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا}[46].
وعنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للمقداد بعد أن قتل
رجلاً شهد أن لا إله إلا الله: كان رجلاً مؤمناً يخفي إيمانه مع
قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة من قبل"
البخاري.
أي كان يجب عليك أن تقبل ما أظهره من إيمان .. وتكف عن قتله ..
فالشبهة التي حملتك على قتله قد مررتَ بها وعايشتها .. فهل تحب أن
تُعامَل لأجلها .. كما عاملت هذا الرجل فقتلته لأجلها ..؟!
3- إقامة الحجة: لتكفير المعين لا بد ـ بعد التثبت والتبين ـ من
قيام الحجة الشرعية عليه فيما قد خالف فيه، إذا كان ممن يعذرون
بالجهل، أو كان ما ظهر منه من كفر بسبب عدم بلوغه الخطاب الشرعي ..
ثم يُقابل هذه الحجة بالرد، أو الإعراض، أو الجحود .. لقوله
تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولاً}الإسراء:15. وقال تعالى:{رُسُلاً مُبَشِّرِينَ
وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ
بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}النساء:165.
وهذا المعنى قد تقدمت الإشارة إليه.
والحجة تقوم عليه بأي وسيلة توصل إليه الدليل الشرعي ـ قال الله
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- ـ وبالقدر الذي يدفع عنه جهله
وعذره فيما قد خالف فيه[47].
هذه هي شروط ولوازم تكفير المعين فإذا تحققت وتوفرت بحق أي شخص
معين .. وانتفت قبلها الموانع الآنفة الذكر .. تعين تكفيره بعينه
ولا بد.
ـ شرط فاسد: هناك من يُضيف ـ إضافة لما تقدم ـ كشرط لتكفير المعين:
شرط " الاستتابة "؛ حيث يشترطون استتابته من كفره أو ما أظهره من
كفر ومخالفة قبل تكفيره .. وهذا شرط باطل، لم يقل به عالم معتبر،
وهو بخلاف ما دلت عليه النصوص الشرعية، وما جرى عليه عمل السلف.
قال تعالى:{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ
وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا
الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}التوبة:5. فحكم الله تعالى عليهم بالشرك
وسماهم مشركين قبل أن يتوبوا أو يُستتابوا ..!
ثم أن الاستتابة تكون من شيء، فإذا لم يُحكم عليه بحكم معين كالكفر
أو الردة، أو الفسوق ونحو ذلك .. فمما يُستتاب، ولما يُستتاب ..!
ويُقال كذلك: أن الاستتابة تكون فرصة أخيرة يُمنحها المخالف قبل
قيام الحد عليه ليراجع نفسه ويُعود إلى الحق والرشد .. وقد قدرها
بعض أهل العلم بثلاثة أيام للمرتد.
كما لا يجوز أن يُخلط بين إقامة الحجة وبين الاستتابة؛ فإقامة
الحجة ـ كما تقدم ـ تعني: إيصال المعلومة الشرعية التي تدفع العذر
أو العجز عن المخالف فيما قد خالف فيه، بينما الاستتابة ـ كما تقدم
ـ تعني أن يُمنح المخالف فرصةً أخيرة لمراجعة النفس والتوبة .. بعد
إقامة الحجة عليه .. وقبل أن يُقام عليه الحد .. وليس قبل أن يُحكم
عليه بالكفر أو الردة .. فتنبه لذلك!
[1] أخرجه الطبراني، والحاكم، صحيح الجامع
الصغير: 72.
[2] صحيح سنن ابن ماجه: 2720.
[3] صحيح سنن أبي داود: 3758.
[4] عند الطحاوي في " معاني الآثار " وبعض طرقه الأخرى في " فتح
الباري " من حد الخمر، عن إكفار الملحدين 95.
[5] صحيح سنن النسائي: 4349.
[6] أخرجه الترمذي، وابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في
التخريج.
[7] هامش كتاب فتح المجيد، طبع دار الكتب العلمية، ص141.
[8] عن تفسير البغوي: 3/285.
[9] من غير قصد ولا إرادة منه للكلام الخطأ، وليس للكفر .. أما من
تعمد قول الكلام الكفري فإنه يكفر وإن كان لا يقصد الكفر أو الوقوع
في الكفر .. فتنبه لذلك إذ هناك من أهل الإرجاء من يخلط بين من لا
يقصد التلفظ بالكلام الكفري، وبين من لا يقصد الكفر من كلامه
الكفري ويجعلونهما سواء .. ويستدلون على خطئهم هذا بالحديث المذكور
أعلاه!
[10] أخرجه أحمد، وغيره، صحيح الجامع الصغير: 1731.
[11] أخرجه أحمد، وهو حديث صحيح.
[12] صحيح سنن أبي داود: 823.
[13] الفتاوى: 3/230، 10/329، 23/41.
[14] صحيح سنن أبي داود: 742.
[15] صحيح سنن أبي داود: 710.
[16] عن شرح العقيدة الطحاوية، ط المكتب الإسلامي، ص271.
[17] أخرجه مسلم وغيره. والحديث فيه رد على من ينكر قبول خبر
الآحاد في العقائد؛ فهذا آحاد قُبل خبره في نقل خبر وأمر السماء ـ
من دون أدنى تردد أو تحفظ ـ فيما يخص أهم ركن في الإسلام بعد
الشهادتين .. مما دل أن هذا التفريق بين الآحاد وغيره بدعة محدثة
لم يكن يعرفها سلفنا الصالح الأول.
[18] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الجامع الصغير: 881.
[19] متفق عليه، صحيح سنن النسائي: 3526.
[20] أخرجه أحمد والنسائي، صحيح الجامع: 7725.
[21] صحيح سنن أبي داود:2359.
[22] متفق عليه، صحيح سنن أبي داود: 2059.
[23] صحيح سنن أبي داود: 283.
[24] صحيح سنن أبي داود: 2193.
[25] صحيح سنن أبي داود: 3644.
[26] أنظر صحيح الأدب المفرد: 629.
[27] صحيح سنن أبي داود: 823.
[28] السلسلة الصحيحة: 2510.
[29] صحيح سنن ابن ماجه: 3273.
[30] انظر كلام الشيخ ناصر في السلسلة الصحيحة:1/130. وقد رددنا
عليه في أكثر من موضع من كتبنا: كالانتصار، والعذر بالجهل، وحكم
تارك الصلاة .. فراجعها إن شئت.
[31] كأن يكون لم يبلغه النص الشرعي فيما قد خالف فيه، أو بلغه لكن
نسيه، أو بلغه لكن لا يصح عنده من حيث السند أو المتن، أو أنه صحيح
عنده لكن لا يعتقد أن فيه دلالة على ما أخذ عليه، أو أنه منسوخ، أو
مقيد .. ونحو ذلك من الاعتبارات التي تقيل عثرات العلماء فيما قد
أخطأوا ويُخطئون فيه .. ولشيخ الإسلام كلام نفيس حول هذه المسألة
في كتابه القيم " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " فليراجعه من شاء.
[32] وهو تمر جيد.
[33] السلسلة الصحيحة: 1033.
[34] أنظر رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لشيخ الإسلام، ص82.
[35] المصدر السابق.
[36] صحيح سنن أبي داود: 1616.
[37] صحيح سنن أبي داود: 327.
[38] صحيح سنن أبي داود: 3051.
[39] إظهار الكفر تحت ظروف الإكراه رخصة رخصها الشارع رأفة
بالعباد، فمن شاء أخذ بها، ومن شاء تركها، والأولى إن كان الإكراه
على الكفر الأخذ بالعزيمة، لقول أبي الدرداء: أوصاني خليلي -صلى
الله عليه وسلم- :" أن لا تشرك بالله شيئاً وإن قطعت أو حرقت .."
رواه ابن ماجه والبيهقي، صحيح الترغيب:566.
ولقوله -صلى الله عليه وسلم- :" ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان
" منها " أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار"متفق
عليه.
ولقوله -صلى الله عليه وسلم- :" قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر
له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل
نصفين ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه أو عظمه، فما يصده ذلك عن
دينه .." متفق عليه.
وكذلك ما حصل للصحابي عبد الله بن حذافة السهمي -رضي الله عنه- مع
الطاغية ملك الروم، وكان أسيراً عنده، ومما جاء في قصته، أن
الطاغية قال له: هل لك أن تنصر وأشركك في ملكي وسلطاني؟ فقال له
عبد الله: لو أعطيتني ما تملك وجميع ما ملكته العرب، على أن أرجع
عن دين محمد -صلى الله عليه وسلم- طرفة عين ما فعلت. قال: إذاً
أقتلك. قال: أنت وذاك. فأمر به فصُلب، وقال للرماة: ارموه قريباً
من يديه، قريباً من رجليه، وهو يعرض عليه ويأبى. ثم أمر به فأنزل،
ثم دعا بقدر فصب فيها ماء حتى احترقت، ثم دعا بأسيرين من المسلمين
فأمر بأحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، ثم أمر
به أن يلقى فيها. فلما ذهب به بكى، فقيل له: إنه قد بكى، فظن أنه
جزع، فقال: ردوه، فعرض عليه النصرانية، فأبى. فقال: ما أبكاك إذاً؟
قال: أبكاني أني قلت في نفسي تُلقى الساعة في هذه القدر فتذهب،
فكنت أشتهي أن يكون بعدد كل شعرة في جسدي نفس تُلقى في الله!!
قال له الطاغية: هل لك أن تقبّل رأسي وأخلي عنك؟ قال له عبد الله:
وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال:وعن جميع أسارى المسلمين!
قال عبد الله: فقلت في نفسي: عدو من أعداء الله، أقبل رأسه يخلي
عني وعن أسارى المسلمين، لا أبالي، فدنا منه فقبل رأسه، فدفع إليه
الأسارى!
فقدم بهم على عمر -رضي الله عنه- ، فأُخبر عمر بخبره، فقال عمر: حق
على كل مسلم أن يقبِّل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ، فقام عمر
وقبل رأسه. وهذا إجماع من الصحابة على تصويب فعل عبد الله ..
والدال على أن الأخذ بالعزيمة هو الأولى.
[40] يُضاف إلى ذلك شرط، وهو أنهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون
سبيلاً للخروج من سلطانهم، أما إن وجدت الاستطاعة على الخروج من
سلطانهم أو الهجرة، ولم يهاجروا، لا يُعذرون بالتقية والإكراه،
بدليل قصة الذين نزل فيهم قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ
تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ
كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا
أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا
فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}النساء:97.
[41] أخرجه أحمد، وغيره، صحيح الجامع: 1731.
[42] أقول: مما ينبغي التنبيه إليه أن الكفر لا يُعطى تحت ظروف
الإكراه إلا إذا كان التهديد محققاً، أو إمكانية تحقيقه ممكنة
وحاصلة لو تأخر في إعطاء ما طالبوه به، وكذلك أن يكون التعذيب
محرجاً وغير محتمل، وليس لمجرد تهديد قد لا يُنفذ، أو تعذيب يسير
يُطاق!
أما الذين يُعطون الكفر في ظروفٍ موهومة يحسبونها من ضروب الإكراه،
أو تحت تعذيب يسير يمكن تحمله بأقل صبر وثبات، ثم يستشهدون بقصة
عمار، فهم واهمون خاطئون؛ فعمار -رضي الله عنه- ذهب إليهم فأمرهم
ونهاهم، وقتلوا أبويه أمام عينيه، وحرَّقوه بالنار، وغطوه بالماء،
فأعطاهم ما أرادوا، كما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لقي
عماراً وهو يبكي، فجعل يمسح بين عينيه وهو يقول:" أخذك الكفار
فغطوك في الماء، فقلت كذا وكذا، فإن عادوا فقل ذاك لهم ". وعن عمرو
بن ميمون قال: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار.
وكان يحيى بن معين ـ ايام فتنة خلق القرآن ـ من جملة من ترخص لنفسه
وأخذ بالتقية، وقال: القرآن مخلوق! ولما دخل على الإمام أحمد رحمه
الله وهو مريض فسلم عليه فلم يرد السلام، فما زال يعتذر ويقول حديث
عمار، وقال الله تعالى:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ
مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ}، فقلب أحمد وجهه إل الجانب الآخر، فقال
يحي: لا يقبل عذراً، فلما خرج يحيى، قال احمد: يحتج بحديث عمار،
وحديث عمار مررت بهم وهم يسبونك، فنهيتهم فضربوني، وأنتم قيل لكم
نريد أن نضربكم!
فقال يحيى: والله ما رأيت تحت أديم السماء أفقه في دين الله منك!
[43] الكفر منه ما يكون أصغر لا يُخرج من الملة، ومن ما يكون أكبر
يُخرج صاحبه من الملة، والكفر الأكبر المخرج من الملة كذلك نوعان:
كفر مجرد وهو الذي لا يُضيف إلى كفره الحرب والكيد، والشتم والطعن
وغير ذلك، فيكون كفره محصوراً في نفسه من دون أن يمتد أذاه وشره
إلى الآخرين . وكفر مغلظ ومركب يمتد أذاه للآخرين؛ وهو الذي يضم
إلى كفره كفراً آخر يجعل بعضه فوق بعض كمحاربة الله ورسوله
والمؤمنين، وإضافة الطعن والسب، والهجاء، والقتل وغير ذلك من صور
الكيد والمكر الذي يزيد كفره كفراً وإثمه إثماً .. فكما أن الإيمان
يزداد بالطاعات، كذلك الكفر فإنه يزداد بالطغيان والظلم والكفر ..
وكذلك الردة: توجد ردة مجردة، وردة مغلظة على النحو المتقدم، ولكل
واحدٍ منهما المعاملة الخاصة به التي تختلف عن الآخر في الدنيا
والآخرة، وإن كان كلاهما يشتركان في صفة الخروج من الملة، والخلود
في نار جهنم يوم القيامة .
هذا هو التقسيم الصحيح، أما تقسيم الردة إلى ردة صغرى وردة كبرى،
موهماً أن من لردة ما يكون أصغر لا يُخرج صاحبه من الملة كالكفر ..
فهو تقسيم باطل وغير صحيح ولم يقل به أحد من السلف .. وقد تقدمت
الإشارة إلى ذلك.
قال ابن تيمية رحمه الله: ويُفرق في المرتد بين الردة المجردة
فيقتل إلا أن يتوب، وبين الردة المغلظة فيُقتل بلا استتابة .. وقد
رأينا سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام فرَّقت بين النوعين، فقبل
توبة جماعة من المرتدين، ثم أنه أمر بقتل مقيس بن حبابة يوم الفتح
من غير استتابة لما ضم إلى ردته قتل المسلم وأخذ المال ولم يتب قبل
القدرة عليه، وأمر بقتل العرنيين لما ضموا إلى ردتهم نحواً من ذلك،
وكذلك أمر بقتل ابن خطل لما ضم إلى ردته السبَّ وقتل المسلم، وأمر
بقتل ابن سرح لما ضم إلى ردته الطعن عليه والافتراء ا- هـ.
[44] ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 6/203 ، وقال: رواه أحمد وأبو
يعلى بنحوه، وفيه راوٍ لم يُسم وهو ابن عبد الله بن أُنيس، وبقية
رجاله ثقاة . وانظر السلسلة الصحيحة:2981 .
[45] انظر البداية والنهاية:4/113.
[46] أخرجه البخاري وغيره، أنظر تفسير ابن كثير.
[47] مسائل العذر بالجهل ومتعلقاتها بحثناها بشيء من التفصيل في
كتابنا " العذر بالجهل وقيام الحجة " فإن أردت الوقوف عليها،
فاطلبها هناك. |
|
|
|
|
F
¥
E |
|