الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
قـواعـدٌ في التكفير
ـ القاعدة الثالثة:" الرضى بالكُفرِ، كُفْرٌ "[1].
  الشرح: من رضي بالكفر أو حسنه، أو أقر بشرعيته وشرعية حكمه من غير إكراه ولا تقية معتبرة، كفَرَ ظاهراً وباطناً وإن زعم بلسانه أنه من المسلمين.
والعلة في كفره أنه رضي مالا يُرضي الله، وأحب ما كرهه الله، وحسَّن ما قبحه الله، وأحل ما حرم الله، وهذا عين الكفر البواح.
قال تعالى:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}النساء:140.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: إن معنى الآية على ظاهرها، وهو أن الرجل إذا سمع آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فجلس عند الكافرين المستهزئين من غير إكراه ولا إنكار ولا قيامٍ عنهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره فهو كافر مثلهم، وإن لم يفعل فعلهم لأنّ ذلك يتضمن الرضى بالكفر، والرضى بالكفر كفر.
وبهذه الآية ونحوها استدل العلماء على أن الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادعى أنه يكره ذلك بقلبه لم يُقبل منه؛ لأن الحكم على الظاهر وهو قد أظهر الكفر فيكون كافراً[2].
قال ابن جرير في التفسير 4/330: وقد نزَّل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله، ويستهزئ بها وأنتم تسمعون آيات الله يُكفر بها، ويُستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتوه منها، فأنتم إذاً مثلهم فـي ركوبهم معصية الله ا- هـ.
وقال القرطبي في كتابه"الجامع" 5/418:" إنكم إذاً مثلهم"، من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضى بالكفر كفر، فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية ا- هـ.
قلت: فإن كان المجلس يمارس فيه الكفر، فهو كافر مثلهم، وإن كان المجلس يُمارس فيه المعاصي التي هي دون الكفر، فهو عاص ليس بكافر، فمدار الحكم على ما يُدار ويحصل في المجلس.
فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر ". ومعلوم أن من يجلس على مائدة يُشرب عليها الخمر لا يكفر، وإنما يأخذ حكم من يشرب الخمر!
فقد رفع لعمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- قوم يشربون الخمر فأمر بجلدهم، فقيل له: إن فيهم صائماً! فقال: ابدؤا به، أما سمعتم قول الله تعالى:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُم}[3].
فجعل حاضر المنكر كفاعله؛ لأن جلوسه معهم من غير إكراه ولا إنكار قرينة دالة على الرضى بحالهم وفعلهم، فعوقب بمثل ما عوقبوا به.
ومن الأدلة كذلك على أن الراضي بالشيء كفاعله، قوله تعالى:{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ .كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}المائدة:79.
جاء في التفسير: أن بني اسرائيل لما وقعت في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داوود وعيسى ابن مريم.
وقال ابن عباس: خالطوهم بعد النهي في تجاراتهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض.
قلت: إذا كان هذا حال من يخالطهم ويجالسهم بعد أن ينهاهم وينكر عليهم، فما يكون القول فيمن يخالطهم ولا ينهاهم، ولا ينكر عليهم .. لا شك أنه أشد جرماً وظلماً، وأولى باللعن والطرد من رحمة الله!
وكذلك قوله تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}التوبة:65-66.
فقوله:{إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُم}. قيل أنها نزلت في رجل اسمه" مخاشن بن حمير"، كان يسير مجانباً للمستهزئين، ولم يمالئهم بالحديث، لكنه ضحك لهم ولم ينكر عليهم..!
وكان يقول: اللهم إني أسمع آية أنا أعنى بها تقشعر الجلود وتجب منها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، قال عكرمة: فأصيب يوم اليمامة فما من أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره[4].
فتأمل الخطر الذي أصاب هذا الرجل جراء ضحكه لهم، الذي اعتبر في نظر الشارع قرينة خفية على الرضى بصنيعهم، ولولا أن تغمده الله برحمته وعفوه لكان من الخاسرين الهالكين.
وفي السنة، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تتخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقبله فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" مسلم.
فقوله -صلى الله عليه وسلم- " وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل "؛ لأنه ليس وراء إنكار القلب سوى الرضى والإقرار، لذا ينعدم مطلق الإيمان.
قال ابن تيميه في الفتاوى 28/127: تغيير المنكر يكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة باليد. فأما القلب فيجب بكل حال، إذ لا ضرر في فعله، ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن.
وقيل لابن مسعود: من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً ا- هـ.
وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- :" إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها "[5].
فمرد الأمر في هذا الجانب إلى النية وما ينعقد في النيات، كما قال -صلى الله عليه وسلم- :" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرءٍ ما نوى " متفق عليه.
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إنما الدنيا لأربعة نفر؛ عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي به ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء"[6].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ". مفهوم المخالفة أن من لم تسره الحسنة، ولا تسيئه السيئة لا يكون مؤمناً.
قال ابن تيميه في الفتاوى 7/41: فإن لم يكن مبغضاً لشيء من المحرمات أصلاً، لم يكن معه إيمان أصلاً ا- هـ.
وفي السيرة: أن خالد بن الوليد لما وصل إلى العرض في مسيره إلى أهل اليمامة لما ارتدوا، قدّم مائتي فارس، وقال: من أصبتم من الناس فخذوه، فأخذوا "مجاعة" في ثلاثة وعشرين رجلاً من قومه، فلما وصل إلى خالد، قال له: يا خالد، لقد علمت أني قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حياته فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس، فإن يك كذاباً قد خرج فينا فإن الله يقول:{ولا تزر وازرة وزر أخرى}.
فقال: يا مجاعة، تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه، وأنت أعز أهل اليمامة، وقد بلغك مسيري، إقراراً له ورضاء بما جاء به، فهل لا أبيت عذراً، وتكلمت فيمن تكلم، فقد تكلم ثمامة فرد وأنكر، وتكلم أليشكري. فإن قلت أخاف قومي، فهلا عمدت إلي أو بعثت إلي رسولاً ؟!
فقال: إني رأيت يا ابن المغيرة أن تعفو عن هذا كله ؟
فقال خالد: قد عفوت عن دمك ولكن في نفسي حرج من تركك! [7].
فانظر كيف أن خالد بن الوليد -رضي الله عنه- اعتبر مجاعة راضياً ومقراً بأمر الكذاب مسيلمة، وأنه بذلك قد غير وبدل عما كان عليه من إسلام، لمجرد بقائه في سلطان مسيلمة من غير إكراه ولا إنكار أو ضرورة، علماً أن مجاعة لم يتفوه بكلمة تنم عن رضاه بأمر مسيلمة الكذب!
وفي ذلك يقول سيد قطب رحمه الله: مجرد الاعتراف بشرعية منهج أو وضع أو حكم من صنع غير الله، هو بذاته خروج من دائرة الإسلام لله، فالإسلام لله هو توحيد الدينونة له دون سواه [8].
فإذا علم ذلك، فليتق الله أولئك الذين ـ يحسبون أنهم يُحسنون صنعاً ـ ممن يجالسون المستهزئين بدين الله في المجالس التي يسمونها مجالس التشريع، يُشاركونهم التصويت على شرع الله تعالى، والاستخفاف بدين الله!
وليتق الله أولئك الذين يعترفون طواعية ـ من غير إكراه ـ بشرعية الكفر، وشرعية الأحزاب الكافرة الملحدة، وشرعية حقها في أن تسوس البلاد والعباد بالكفر، لو اختارتها أكثرية الناس ..!
وليتق الله أولئك الذين يجعلون المخلوق فوق الخالق تحت عنوان إن الحكم إلا للإنسان .. وأن حكم الإنسان يعلو حكم الله!
وليتق الله أولئك الذين يتشدقون عن الحريات، واحترام الحريات .. ولو كانت هذه الحريات تعني الارتداد عن الدين، والتطاول على ذات الله -عز وجل- ..!
فلا يحسبن هؤلاء ـ بصنيعهم هذا وإن تسموا بالمسلمين ـ أنهم من الله في شيء، أو أن لهم حظاً في دين الله، أو أنهم بمفازة من العذاب!
قال تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}الأنفال:25.
قال القرطبي في التفسير 7/391: قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب ا- هـ.

ـ القرائن الدالة على الرضى والاعتقاد:
قبل الحديث عن القرائن الدالة على الرضى أو الاعتقاد، لا بد من الإشارة أولاً إلى العلاقة بين الظاهر والباطن من حيث دلالة كل منهما على الآخر، وتأثر كل منهما بالآخر.
فأقول: قد دلت النصوص الشرعية على أن الظاهر فرع عن الباطن ودليل عليه، وأن كلاً منهما يؤثر ويتأثر بالآخر، ويدل عليه فإن كان الباطن فاسداً كان الظاهر فاسداً، وإذا كان الباطن صالحاً كان الظاهر صالحاً ولا بد .. وعلى قدر فساد الباطن يكون فساد الظاهر، وكذلك على قدر فساد الظاهر يكون فساد الباطن!
فلا يجوز أن يُفترض ظاهر فاسد مقروناً بباطن صالح، أو باطن فاسد مقروناً بظاهر صالح، والأدلة على هذه العلاقة المتبادلة بين الظاهر والباطن كثيرة جداً، منها قوله تعالى:{ألم ترَ كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبة أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء تؤتي أُكلها كلَّ حينٍ بإذن ربها ويضرب الله الأمثالَ للناس لعلهم يتذكرون}إبراهيم:24.
هذا مثل لكلمة التوحيد والإيمان ضربه الله تعالى للناس لعلهم يتذكرون؛ فكما أن الإيمان له ظاهر وباطن؛ ظاهر على الجوارح وباطن في القلب كذلك هذه الشجرة الطيبة لها ظاهر متمثل في فروعها وغصونها الوافرة الممتدة في السماء، ولها باطن يتمثل في الجذور الممتدة والضاربة في أعماق الأرض.
وكما أن الإيمان الباطن يتأثر ويؤثر بالإيمان الظاهر سلباً وإيجاباً، كذلك هذه الشجرة الطيبة فإن ظاهرها يتأثر ويتقوى بما تمده به الجذور من غذاء تمتصه من أعماق التربة لترسله غذاءً خالصاً إلى فروعها وغصونها وأوراقها .. وكذلك الجذور تتأثر بما تفرزه لها الفروع والغصون، والأوراق من غذاء وحياة، فتأمل لو حجبت الشمس، وكذلك الهواء والأكسجين عن شجرة كيف سيكون مصير هذه الشجرة إلى الذبول والضعف والموات .. وهكذا الإيمان في القلب وعلاقته بجوارح الجسد التي هي له بمثابة الجذوع، والغصون، والأوراق .. إذا حجبت عن غذاء العبادة والانقياد لأوامر الشريعة فإنه سيؤدي حتماً إلى ضعف وموت الإيمان الظاهر والباطن معاً.
وعليه وعلى أصحابه يُحمل قوله تعالى:{إنك لا تُسمع الموتى ولا تُسمع الصم الدعاء}النمل:80.
وقال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}آل عمران:31.
فمن صدق في حبه لله -عز وجل- ظهر أثر ذلك ـ ولا بد ـ في انقياد الجوارح الظاهرة للأوامر الشرعية؛ فعلى قدر المحبة القلبية قوة وضعفاً يكون الانقياد، وتكون المتابعة الظاهرة لهدي الشريعة المحمدية.
ومما يدل كذلك على أثر الظاهر على الباطن، وعلى العلاقة المتبادلة بينهما، قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح:" ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب "البخاري.
فالحديث له منطوق ومفهوم كلاهما دل عليهما الحديث؛ أما المنطوق فهو أن صلاح الظاهر وكذلك فساده ناتج عن صلاح القلب أو فساده.
وأما المفهوم: فإن صلاح الظاهر هو دليل صادق على صلاح الباطن، وكذلك فساد الظاهر يعتبر دليلاً على فساد الباطن.
هذا قول أهل السنة والجماعة الذين يقولون: الإيمان اعتقاد وقول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالذنوب والمعاصي.
وقد وشذ عنهم المرجئة الذين لم يدخلوا العمل في مسمى الإيمان، وقالوا: الإيمان هو قول وتصديق، وغلاتهم قالوا: هو تصديق في القلب فقط، ورتبوا على هذا الفهم الخاطئ فصل العلاقة بين الظاهر والباطن، واعتبروا المرء الذي يأتي بالكفر ظاهراً من دون أن يعتقد استحلاله باطناً[9]، هو مؤمن صحيح الإيمان؛ لعدم تلازم الظاهر مع الباطن، وهذا باطل بلا خلاف عند أهل الحق.
قال ابن تيميه رحمه الله في الفتاوى 14/120: وهنا أصول تنازع الناس فيها، منها أن القلب هل يقوم به تصديق أو تكذيب ولا يظهر قط منه شيء على اللسان والجوارح، وإنما يظهر نقيضه من غير خوف؟
فالذي عليه السلف والأئمة وجمهور الناس أنه لا بد من ظهور موجب ذلك على الجوارح، فمن قال: أنه يصدق الرسول ويحبه ويعظمه بقلبه ولم يتكلم قط بالإسلام ولا فعل شيئاً من واجباته بلا خوف، فهذا لا يكون مؤمناً في الباطن؛ وإنما هو كافر.
وزعم جهم ومن وافقه أنه يكون مؤمناً في الباطن وأن مجرد معرفة القلب وتصديقه
يكون إيماناً يوجب الثواب يوم القيامة بلا قول ولا عمل ظاهر، وهذا باطل شرعاً وعقلاً، وقد كفَّر السلف كوكيع وأحمد وغيرهما من يقول بهذا القول، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :" إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب "، فبين أن صلاح القلب مستلزم لصلاح الجسد، فإذا كان الجسد غير صالح دل على أن القلب غير صالح، والقلب المؤمن صالح، فعلم أن من يتكلم بالإيمان ولا يعمل به لا يكون قلبه مؤمناً؛ وذلك أن الجسد تابع للقلب فلا يستقر شيء في القلب إلا ظهر موجبه ومقتضاه على البدن ولو بوجه من الوجه ا- هـ.
وقال رحمه الله في "الصارم "، ص34: الإيمان أو النفاق أصله في القلب، وإنما الذي يظهر من القول والفعل فرعٌ ودليل عليه؛ فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه، فلما أخبر سبحانه أن الذين يلمزون النبي -صلى الله عليه وسلم- والذين يؤذونه من المنافقين ثبت أن ذلك دليل على النفاق وفرعٌ له، ومعلوم أنه إذا حصل فرع الشيء ودليله حصل أصله المدلول عليه، فثبت أنه حيثما وجد ذلك كان صاحبه منافقاً، سواء كان منافقاً قبل هذا القول أو حدث له النفاق بهذا القول ا- هـ.
ومن الأدلة أيضاً على علاقة الظاهر بالباطن وأن الظاهر مرآة للباطن، قوله -صلى الله عليه وسلم- :" إن العبد إذا أخطأ خطيئة ـ وفي رواية: إذا أذنب ذنباً ـ نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وإن عاد فيها حتى تعلو قلبَه، وهو الرّان الذي ذكر الله {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[10].
فانظر كيف أن الذنب الظاهر يترك أثره السيء على القلب مباشرة بطبع نكتة سوداء فيه، فإن ازدادت الذنوب زيد فيها على قدر الذنوب كمّا ونوعاً حتى تعلو جميع القلب وتستحوذ عليه، وتحول بينه وبين الهداية وفهم الحق!
ومنه نعلم كذب من يدعي أن قلبه مليء بالإيمان وهو أبيض مثل الثلج مع أن ظاهره لا يدل إلا على الفجور والفسوق والطغيان!
وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- :" تُعرض الفتنُ على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلبٍ أشربها نُكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير على قلبين: أبيض بمثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً ـ أي كلون الرماد من الربدة ـ كالكوز، مجخياً ـ أي مائلاً منكوساً ـ لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه[11]" مسلم.
فدل أن من لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً فإن قلبه ميت لا حياة فيه ولا إيمان، فهو قلب يعلوه سواد الفتن والريب والذنوب، وهو مثله مثل بقعة شديدة السواد فإذا أضيفت إليها نكتة سوداء أخرى لا تكاد ترى أو تعرف، فإضافتها وعدمها سواء، بخلاف قلب المؤمن فإنه ذو إحساس مرهف تجاه السيئات والذنوب، فهو لأدنى سيئة تداهمه تراه يقلق ويشتد عليه كربه وهمه؛ وكأنه قد داهمه جيش من العدو .. فيسارع إلى التوبة والإنابة والإستغفار!
فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن"، مفهوم الحديث أن من لا تسره الحسنة ولا تسيئه السيئة لا يكون مؤمناً.
لذا كان الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ أكثر الناس حساسية من الذنوب والخطايا، فكان أحدهم إذا مارس المباحات يشعر بتغير قلبه .. وتكدر إيمانه عليه، وما ذلك إلا لقوة الإيمان واليقين عندهم.
كما في الحديث، عن حنظلة الأسيدي ـ وكان من كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ـ قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة قال: قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله ما تقول؟! قال: قلت: نكون عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنها رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : وما ذاك؟ قلت: نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنها رأي عين،فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشِكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، ثلاث مرات " مسلم.
وعن ابن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصاحب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحدٌ يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل"البخاري.
قلت: وما ذلك إلا لقوة إيمانهم وصفاء قلوبهم، وشدة حساسيتهم من المنكر والزلل، رضي الله عنهم أجمعين.
وعن أنس -رضي الله عنه- قال:" إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الموبقات؛ يعني المهلكات " البخاري. وذلك للفارق الضخم بين إيمان الصحابة وإيمان الأجيال التي تلت بعدهم ..!
وكذلك كان أحدهم يتمنى أن يسقط من الثريا وأن يكون حُمَمَة وأن لا يتكلم عما توسوس به نفسه من سوء، وعندما أخبروا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال:" ذاك صريح الإيمان "مسلم. أي هذا الحرج مما تجدونه من الوسوسة لهو دليل صريح على صدق إيمانكم، فدل أن من يتكلم بالكفر البواح .. من دون أن يُسيئه ذلك .. ومن دون أن يجد في صدره الحرج مما اقترفت يداه .. أنه كافر فاقد لأصل الإيمان.

ـ القرائن الدالة على الباطن:
الرضى مقره القلب وهو أمر باطني لا سبيل لنا إلى معرفته والحكم عليه إلا من خلال قرائن لفظية وعملية ظاهرة على الجوارح تدل عليه، فمن أتى بشيء منها كان دالاً على حقيقة باطنة وحقيقة ما وقر في قلبه، وهي:
ـ قرائن لفظية:
وهي أشد القرائن دلالة على حقيقة الباطن، كأن يعبر المرء عن نفسه ـ من غير إكراه ـ بكلام صريح يدل على رضاه بالكفر واستحلاله له، كالذي يحسن الشرائع الوضيعة التي تضاهي شرع الله تعالى، ويعتبرها الشرائع الأفضل التي بها يتحقق التقدم والإزدهار وغير ذلك من العبارات التي تدل على حقيقة ما وقر في القلب واطمأنت إليه النفس، وهذا لا خلاف بين أحد من علماء الأمة على كفره وأنه أتى بما يخرجه من دائرة الإسلام.
والقرائن اللفظية: منها ما يكون تعبيراً صريحاً عن الكفر البواح .. فهي لا تحتاج إلى تبينٍ أو تحرٍّ عن قصد صاحبها .. إذ لا وجه لها غير الكفر، ولا مناص من الإمساك عن تكفير صاحبها، كالشاتم لله ولرسوله، ونحو ذلك ..!
ومنها ما يكون محتملاً ومتشابهاً يحتمل الكفر من وجه، ويحتمل غيره من وجه آخر؛ فهو ليس إلى الكفر قولاً واحداً وليس إلى دونه قولاً واحداً .. ففي مثل هذه الحالة وما يُشابهها من حالات يتعين تحري قصد صاحبها؛ حيث لا يُجزم بكفر قائلها إلا بعد محاججته ومعرفة قصده من إطلاقه المريب والمشكل ذاك.

ـ قرائن عملية:
وهي أعمال الجوارح الظاهرة التي تدل على حقيقة الباطن وما وقر فيه، وهي في كثير من الأحيان تكفي للحكم على باطن المرء من دون أن يُستنطق بعبارات الاستحلال أو الرضى القلبي؛ أي من دون إضافة القرائن اللفظية.
من هذه القرائن العملية:
1ـ الجلوس في مجالس الكفر والاستهزاء بالدين:
كما تقدم فإن الجلوس في مجالس المستهزئين بالله وآياته ورسوله من غير إكراه ولا إنكار، هو قرينة دالة على الرضى بكفرهم وقبح صنيعهم وبالتالي فهو كافر مثلهم، كما قال تعالى:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} النساء:140.
قال القرطبي في التفسير 5/418: لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضى بالكفر كفر، فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء ا- هـ.
وقال الشوكاني في التفسير 1/527: قوله:{إنكم إذاً مثلهم} أي إنكم إن فعلتم ذلك ولم تنتهوا فأنتم مثلهم في الكفر ا- هـ. وكذلك قال غيرهم من أهل التفسير.
فتأمل قول القرطبي رحمه الله:" من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم " حيث اعتبر مجرد الجلوس ـ من غير إكراه ولا إنكار ـ هو قرينة دالة على الرضى بفعلهم.
وقد تقدم كلام سليمان آل الشيخ حيث قال:" فهو كافر مثلهم، وإن لم يفعل فعلهم؛ لأن ذلك يتضمن الرضى بالكفر، والرضى بالكفر كفر ".
وكذلك مقولة خالد بن الوليد لمجاعة:" يا مجاعة تركت اليوم ما كنت عليه أمس وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه وأنت أعز أهل اليمامة، وقد بلغك مسيري، إقراراً له ورضاء بما جاء به " علماً أن مجاعة لم يتفوه بكلمة واحدة تنم عن رضاه بأمر مسيلمة الكذاب، لكن لما كان بقاؤه في سلطانه من غير إكراه ولا إنكار عُد ذلك قرينة دالة على رضاه بما جاء به الكذاب.

2ـ الاستهزاء والطعن بالدين ولو كان على وجه اللعب.
كما قال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ.لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}التوبة:66.
فدل أ ن كل من استهزأ بالله وآياته ورسوله ـ ولو على وجه الخوض واللعب لا الجد ـ فهو كافر في الظاهر والباطن، واستهزاؤه قرينة دالة على فساد باطنة، وإن لم يعترف بلسانه أنه يستحل ما بدا منه من استهزاء، وأنه فعل ما فعل على وجه الخوض واللعب، والترفيه عن النفس .. لا الجد والاعتقاد .. فلو كان باطنه فيه إيمان لمنعه من الإستهزاء بدين الله على أي وجه من الأوجه!
قال ابن تيميه في الفتاوى 7/220: فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبين الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام ا- هـ.
فانظر كيف اعتبر شيخ الإسلام أن الاستهزاء الظاهر لا يصدر إلا ممن شرح صدره بهذا الاستهزاء، وأنه قرينة دالة على انتفاء مطلق الإيمان من القلب، ولو كان فيه إيمان لمنعه عن ذلك.
وقال في "الصارم"، ص31: وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسله كفر، فالسب المقصود بطريق الأولى، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاداً أو هازلاً فقد كفر ا- هـ.
قال أبو بكر بن العربي في الجامع لأحكام القرآن 8/197: فإن الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأمة ا- هـ. سواء استحل أو لم يستحل، أو اعتقد أو لم يعتقد ؛ فاشتراط الاستحلال أو الاعتقاد في مثل هذه المواضع كشرط للتكفير هو من مذهب أهل الإرجاء والتجهم الذين المرجئة الذين يخرجون العمل من مسمى الإيمان!

3ـ إظهار الكفر من غير إكراه، ولا تقيّة مُلزمة:
كما في قوله تعالى:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}النحل:106.
فدل أن كل من أظهر الكفر البواح من غير إكراه ولا تقية ملزمة فقد شرح بالكفر صدراً، سواء أقر بذلك أو لم يقر، فإن لسان الحال يكذب لسان المقال.
قال ابن تيميه رحمه الله في الفتاوى 7/220: فإنه جعل كل من تكلم بالكفر من أهل وعيد الكفار، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن قيل: فقد قال تعالى:{وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} قيل: وهذا موافق لأولها فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدراً، وإلا ناقض أول الآية آخرها، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره وذلك يكون بلا إكراه لم يستثن المكره فقط، بل كان يجب أن يستثنى المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعاً فقد شرح بها صدراً وهي كفرا- هـ.
فانظر قوله:" إذا تكلم بكلمة الكفر طوعاً فقد شرح بها صدراً " فاعتبر من يتكلم بالكفر طوعاً من غير إكراه قرينة دالة على كفر الاعتقاد وفساد الباطن وهو انشراح الصدر بالكفر.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في تفسيره للآية: فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفاً أو مداراة، أو مشحة بوطنة، أو أهله أو عشيرته، أو ماله، أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره، والآية تدل على هذا من جهتين:
الأولى: قوله تعالى:{إلا من أكر}، فلم يستثن الله إلا المكره، والثانية قوله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَة}، فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين، أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظاً من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين[12].
ومما يستدل به كذلك على كفر من يتكلم بالكفر طوعاً من غير إكراه، قوله تعالى:{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ}التوبة:74. وقوله تعالى:{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ}التوبة:12.
قال ابن تيميه في الصارم، ص17: فثبت أن كل طاعن في الدين فهو إمام في الكفر ا- هـ.
وقال القرطبي في التفسير 8/82: استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدين؛ إذ هو كافر؛ والطعن أن ينسب إليه ما لا يلق به، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين.
روي أن رجلاً قال في مجلس علي -رضي الله عنه- : ما قُتل كعب بن الأشرف إلا غدراً، فأمر علي بضرب عنقه.
قال علماؤنا: هذا يقتل ولا يستتاب إن نسب الغدر للنبي -صلى الله عليه وسلم- ، لأن ذلـك زندقة ا- هـ.
فتأمل كيف أن المرء يحكم على فساد باطنه واعتقاده، لمجرد كلمة ينطق بها لا يلقي لها بالاً.
صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال:" إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه "[13].
نسأل الله تعالى أن يحفظنا من الزلل، وأن يختم لنا بعمل يكتب لنا به رضاه إلى يوم نلقاه، إنه سميع قريب مجيب.

4ـ التحاكم إلى الطاغوت:
كذلك من القرائن الدالة على فساد الباطن، وانتفاء الإيمان من القلب العدول عن حكم الله -عز وجل- إلى التحاكم إلى الطاغوت، وشرائع الطاغوت، كما في قوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً}النساء:60.
فدل أن من يتحاكم إلى الطاغوت[14] طواعية، ويعدل عن التحاكم إلى شرع الله تعالى رغم يُسر ذلك له .. فإن إيمانه الذي يدعيه ويزعمه بلسانه هو عبارة عن ادعاءٍ كاذب وزعم لا أصل له في القلب، إذ لو كان صادقاً بأنه مؤمن لما تحاكم طوعاً إلى الطاغوت وشرائع الطاغوت معرضاً عن شرع الله تعالى.
قال الشنقيطي في"أضواء البيان"4/83: من أصرح الأدلة في هذا: أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكمون إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة في الكذب ما يحصل منه العجب؛ وذلك في قوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوت}.
وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم ا ـ هـ. وللشيخ ـ رحمه الله ـ كلام نفيس في تفسيره لقوله تعالى:{وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}فراجعه إن شئت.
وقال سيد قطب رحمه الله تعالى في الظلال 2/694: إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان أن يتحاكم الإنسان إلى ما آمن به وإلى من آمن به.
فإذا زعم أنه آمن بالله وما أنزل، وبالرسول وما أُنزل إليه ثم دعي إلى هذا الذي آمن به ليتحاكم إلى أمره وشرعه ومنهجه كانت التلبية الكاملة هي البديهية الفطرية، فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية ويكشف عن النفاق، وينبئ عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان ا- هـ.
وقال الشوكاني في الفتح 1/482: فيه تعجيب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل على رسول الله، وهو القرآن، وما أنزل على من قبله من الأنبياء، فجاؤوا بما ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها ويوضح أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلاً، وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت وقد أُمروا فيما أنزل على رسول الله وعلى من قبله أن يكفروا به ا- هـ.
قلت: تأمل كيف أنهم بسبب عدولهم عن التحاكم إلى الله ورسوله ليتحاكموا إلى الطاغوت وشرائع الطاغوت .. حُكم على فساد اعتقادهم وكذب ادعائهم الإيمان، علماً أنهم لم يتلفظوا بالعبارات التي تنم عن اعتقادهم واستحلالهم التحاكم إلى الطاغوت، بل لما سُئلوا قالوا:{ما أردنا إلا إحساناً وتوفيقا}سورة النساء:62.
قال الشوكاني: أي ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الإحسان لا الإساءة، والتوفيق بين الخصمين لا المخالفة لك[15]. فأنكروا أن يكون فعلهم ناتجاً عن اعتقاد جواز التحاكم لغير النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ولكنهم في هذا الإدعاء أيضا هم كاذبون {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من النفاق والكذب {فأعرض عنهم} سورة النساء:63.

5ـ الإعراض عن التحاكم إلى شرع الله -تبارك وتعالى- :
كما في قوله تعالى:{وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ.وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ}النور:48.
فدل أن إظهار الإعراض عن التحاكم إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- [16] قرينة دالة على فساد الباطن وانتفاء الإيمان من القلب، ومن كان هذا حاله لا ينفعه لو ادعى بلسانه ألف مرة أنه مؤمن وقد آمن بالله وبالرسول، بينما هو في واقع الحال يكذب ادعاءه هذا بإعراضه عن حكم الله وحكم رسوله.
ولو كان مؤمناً صادق الإيمان ـ كما يدعي ـ لقال سمعنا وأطعنا .. وانقاد لحكم الله ورسوله، كما قال تعالى عن المؤمنين:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}النور:51.
قال ابن تيميه في الصارم، ص38: فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن، وأن المؤمن هو الذي يقول: سمعنا وأطعنا، فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره، مع أن هذا ترك محض، وقد يكون سببه قوة الشهوة، فكيف بالنقص والسب ونحوه ا- هـ.
وكذلك قوله تعالى:{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}آل عمران:32.
فدل أن الذي يتولى ويدبر عن الطاعة لله ورسوله، لا يكون مؤمناً وإنما هو من الكافرين المعاندين.
قال ابن كثير في التفسير 1/366: فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر والله لا يحب من اتصف بذلك ا- هـ.
وقال الإمام أحمد: نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ثلاثة وثلاثين موضعاً، ثم جعل يتلو:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور:63. وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة؟ الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه[17].

6ـ طاعة المشركين فيما هو كفر:
كذلك من القرائن الظاهرة الدالة على فساد الباطن، وانتفاء الإيمان من القلب طاعة المشركين في تحليل الحرام أو تحريم الحلال، أو طاعتهم لذاتهم، أو طاعتهم في شيء مما هم عليه من الكفر.
كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} محمد:26.
فهؤلاء ارتدوا على أعقابهم كافرين ـ بعد أن آمنوا وتبين لهم سبيل الهدى ـ بسبب أنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر، فكان قولهم هذا قرينة ظاهرة تدل على فساد اعتقادهم وكفرهم في الباطن؛ لأن المرتد لا يصح أن يقال عنه مرتد وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان.
قال ابن كثير في قوله:{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى}؛ أي فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر[18].
قلت: هذا يعني أن الكفر والنفاق طرأ عليهم بسبب مقولتهم هذه بعد أن كانوا مؤمنين لأنهم لو كانوا منافقين قبل مقولتهم لا يصح أن يقال عنهم: فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر، فإن المنافق كافر لا إيمان له أصلاً .. فلا يُقال عنه ارتد بعد إيمانه!
ونحو ذلك قوله تعالى:{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} الأنعام:121. أي إن أطعتموهم في استحلال أكل ما حرم الله إنكم لمشركون مثلهم بعد أن كنتم مؤمنين[19]. فإن القرآن يصدق بعضه بعضاً.

7ـ حصول الحرج وانتفاء الرضى بحكم الله -عز وجل- :
كذلك حصول الحرج من التحاكم إلى حكم الله -عز وجل- ، كما في قوله تعالى:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}النساء:65.
فدل أن عدم التحاكم إلى الشريعة، وحصول الحرج، وانتفاء التسليم لها قرينة ظاهرة تدل على انتفاء الإيمان من القلب وكذب مدعيه، إذ لو كان صادقاً بدعوى الإيمان لرضي بشريعة الإسلام حكماً ولما أعرض عنها إلى سواها من شرائع الطاغوت، إذ أن الإيمان حافز لصاحبه بأن يرضى بحكم الله ورسوله وأن لا يختار عليه حكماً آخر، كما قال تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}الأحزاب:36. أما الذين يظنون أن لهم الخيرة من أمرهم في دفع أو قبول حكم الله ورسوله، أولئك ليسوا بمؤمنين.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قبله عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج، وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الإنشراح وتنفسح له كل الإنفساح وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض[20].
قلت: أما أن يخضع شرع الله للتصويت ولاختيار ـ على طريقة الديمقراطية ـ فهذا ليس من صنيع من آمن بالله ورسوله.
قال ابن كثير في التفسير 1/553: يقسم بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول -صلى الله عليه وسلم- في جميع الأمور، فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة ا- هـ.

8ـ من لوازم صدق الإيمان رد المنازعات إلى الله والرسول -صلى الله عليه وسلم- :
كما قال تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر} النساء:59.
من دلالات هذه الآية:" أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان، ضرورة انتفاء الملزم لانتفاء لازمة، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين، وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر "[21]. فجعل انتفاء الرد الظاهر إلى الله والرسول دليلاً على انتفاء الإيمان الباطن.
ومنه نعلم أن كل من أبى أن يرد النزاع إلى الله والرسول .. وآثر إلا أن يرده إلى شرائع وقوانين البشر .. كشرائع الأمم المتحدة وغيرها .. فهو ليس بمؤمن .. مهما زعم بلسانه خلاف ذلك!

9ـ انتفاء المتابعة الظاهرة:
فمن انتفت عنه المتابعة الظاهرة لهدي الشريعة علمنا يقيناً بفساد باطنه .. وكفره باطناً وظاهراًً، كما في قوله تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه}آل عمران:31.
فعلامة حب العبد لربه -عز وجل- اتباع نبيه -صلى الله عليه وسلم- في جميع ما جاء به من عند ربه، والحب يكون على قدر الاتباع والالتزام، فإذا قوي الحب في القلب قوي الاتباع الظاهر، وإذا قوي الاتباع الظاهر قوي الحب في القلب ولا بد، فكل منهما دليل على الآخر ولازم وملزوم له، وبالتالي فإن من ينتفى عنه مطلق الاتباع الظاهر لهدي الشريعة الإسلامية فإنه يكون قد أتى بالدليل الصريح الدال على انتفاء مطلق الحب من باطنه وقلبه، ولا ينتفي مطلق الحب لله إلا من قلب كل كافر لا يؤمن بالله العظيم .. ومن زعم بلسانه خلاف ذلك وأنه يحب الله من غير اتباع للنبي -صلى الله عليه وسلم- ، فصريح الآية يكذب زعمه وادعاءه.
قال ابن كثير في التفسير 1/366: هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله ا- هـ.
قال حنبل: حدثنا الحميدي، قال: أخبرت أن ناساً يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً .. قلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين. قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين} البينة:5.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الله[22].
فتأمل قول الحمدي: هدا الكفر الصراح، وقول الإمام أحمد: من قال هذا فقد كفر بالله .. هذا حكم القائل، فكيف إذا ضم إلى قوله الفعل؟ فهو لا شك أنه أصرح كفراً وجرماً!
ومنه يعلم الخطر الذي عليه مشايخ الإرجاء، الذين يقولون: إن الإيمان يتحقق بمجرد الإقرار ومن دونه أن يتبعه انقياد وعمل!!
وفي هذا يقول ابن تيميه في الفتاوى 7/287: لو قُدر أن قوماً قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- : نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك ونقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه؛ فلا نصلي ولا نصوم، ولا نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم، ولا نفعل شيئاً من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم بل نقتلك أيضاً، ونقاتلك مع أعدائك هل كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملو الإيمان، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار، بل كل مسلم يعلم بالإضرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك ا- هـ.
وعن أبي إسحاق الفزاري، عن الأوزعي قال: لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة[23].

10ـ عدم الحكم بما أنزل الله:
كما في قوله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} المائدة:44. فدل أن من أعرض عن الحكم بما أنزل الله، وقدم الحكم بالطاغوت وبشرائع الطاغوت ـ وكل حكم غير حكم الله فهو طاغوت ـ وعمل به، وفرضه على الناس، وقاتل دونه، فهو كافر ظاهراً وباطناً، سواء نطق بعبارات الاستحلال للحكم بغير ما أنزل الله أو لم ينطق، فالظاهر الفاسد دليل على باطنه الفاسد.
ومن كان هذا وصفه لا يجوز أن يحمل عليه قول ابن عباس -رضي الله عنه- : كفر دون كفر، أو ليس بالكفر الذي تذهبون إليه!
فهذا القول ليس مكانه أن يُحمل على طواغيت عُرفوا بشدة عدائهم لحكم الله -عز وجل- ، ولمن يُطالبهم بالحكم بما أنزل الله، وإنما يحمل على حكام مسلمين يحكمون بما أنزل الله في جميع شؤون الحياة ومرافق الحكم، وهم مع ذلك لم تظهر منهم قرائن الرد والإعراض عن حكم الله -عز وجل- ، ولا الكره لما أنزل الله .. ثم هم في مسألة معينة أو بعض المسائل لتأويل أو شبهة أو شهوة عارضة، أو ضعف، أو هوى لقريب ونحو ذلك لا يحكمون فيها بما أنزل الله، كما حصل لبعض حكام بني أمية والعباسيين وغيرهم .. فهؤلاء هم الذين يُحمل عليهم مقولة أهل العلم: كفر دون كفر، وليس بالكفر الأكبر الذي تذهبون إليه.
وقد أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك، فقال:" أول من يغير سنتي رجل من بني أمية "[24]. أي بغير سنته -صلى الله عليه وسلم- في اختيار الخليفة من نظام شوري إلى نظام وراثي!
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" أول ما يفقد من الدين الحكم وآخره الصلاة ".
ومع ذلك لم يقل أحد من علماء الأمة بكفر أحد من حكام بني أمية أو العباسيين لكونهم غيروا نظام الحكم إلى نظام وراثي.
بهذا التفصيل ينبغي أن يفهم كلام ابن عباس "كفر دون كفر"، وإلا نكون قد أسأنا الأدب مع حبر الأمة وحملنا قوله مالا يقصد ولا يريد، وضربنا نصوص الشريعة بعضها مع بعض[25].

11ـ موالاة المشركين ومظاهرتهم على المسلمين:
أيضاً من القرائن العملية الظاهرة التي تدل على حقيقة الباطن الموالاة؛ فمن والى الكفار والمشركين من دون المؤمنين فقد أتى بما يدل على نفاقه وفساد باطنه، وإن ادعى بلسانه أنه غير ذلك.
كما قال تعالى:{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}المائدة:81 .
قال ابن تيميه في الفتاوى 7/17: فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب. ومثله قوله تعالى:{لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم} المائدة:51. فإنه أخبر في تلك الآية أن متوليهم لا يكون مؤمناً، وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم، فالقرآن يصدق بعضه بعضاً ا- هـ.
فتأمل قوله: ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب"، والذي ينتفي اجتماعه في القلب هو الإيمان والكفر، كما في الحديث:" لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امرئ "[26]. فوجود أحدهما في القلب يستلزم انتفاء الآخر ولا بد.
وكذلك قوله تعالى:{لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاة}آل عمران:28. وقوله تعالى:{لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ} المجادلة:22. وقوله تعالى:{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً.الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً}النساء:139 . وغيرها كثير من الآيات التي تدل على نفاق من يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وعلى فساد باطنه، وانتفاء الإيمان من قلبه.

12ـ ترك مجاهدة الكفار:
ومن القرائن العملية الظاهرة التي تدل على فساد الباطن وسوء الطوية والنية، ترك مجاهدة الكفار والمشركين، وتثبيط الأمة عن جهادهم، وكذلك تنفير الناس عن مناصرة الجهاد والمجاهدين .. والخوض في أعراض المجاهدين بالطعن والذم .. فهذه صفات لا يمكن أن تجتمع إلا في قلب منافق مرجف يضمر شراً للإسلام والمسلمين.
كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}آل عمران:156.
قال ابن كثير في التفسير 1/428: ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم ا- هـ. فتأمل كيف اعتبر قولهم لإخوانهم دليلاً على كفرهم وفساد اعتقادهم.
وقال تعالى:{وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ. لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ}التوبة:57.
"فأخبر سبحانه أنهم وإن حلفوا إنهم من المؤمنين فيما هم منهم، ولكن يفزعون من العدو"[27].
وقال تعالى:{لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ.إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}التوبة:45 .
قال ابن تيمية في الفتاوى 28/438: فهذا إخبار من الله بأن المؤمن لا يستأذن الرسول في ترك الجهاد وإنما يستأذنه الذين لا يؤمنون، فكيف بالتارك من غير استئذان ؟! ا- هـ.
قلت: فكيف بمن يثبط الأمة عن الجهاد، ويطعن بالجهاد والمجاهدين ..؟!
كيف بمن يستثني من طرحه الجهاد .. ويعتبره طرح متخلف لا يصلح تبنيه في هذا العصر ..؟!
كيف بمن يؤثم المجاهدين .. لجهادهم في سبيل الله .. لا شك أن من كان كذلك ـ وما أكثرهم في زماننا ـ أنهم أولى بالنفاق وانتفاء الإيمان عنهم!
وكذلك قوله تعالى:{الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}آل عمران:168.
وقال تعالى:{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً}الأحزاب:18 . إلى قوله تعالى:{أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً}الأحزاب:19.
قال ابن تيمية في الفتاوى 28/455: قال العلماء: كان من المنافقين من يرجع من الخندق فيدخل المدينة، فإذا جاءهم أحد قالوا له: ويحك! اجلس، فلا تخرج. ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين بالعسكر: أن أئتونا بالمدينة، فإنا ننتظركم؛ يثبطونهم عن القتال. وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بداً، فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم، فإذا أغفل عنهم عادوا إلى المدينة ا- هـ.
وقوله:{أولئك لم يؤمنون} إشارة إلى الموصوفين بتلك الصفات، فهم لم يؤمنوا الإيمان الخالص، بل باطنهم الكفر والنفاق بخلاف ظاهرهم الذي يوحي بالإيمان[28].
وكذلك قوله تعالى:{الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً.إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} النساء:142.
وقال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ}العنكبوت:10.
وغيرها كثير من الآيات التي تدل على أن ترك الجهاد في سبيل الله من غير عذر شرعي معتبر، وتثبيط الناس عن الجهاد وعن نصرة المجاهدين بالإشاعات والأراجيف الباطلة هو من خلق المنافقين وقرينة دالة على النفاق وفساد الباطن.
وكذلك الذين ينصرون الطواغيت الظالمين ويُظاهرونهم بالفتاوى الباطلة على المسلمين المجاهدين؛ فيسلقون المجاهدين ـ لمجرد جهادهم الكفار ـ بألسنة حداد، ويظهرونهم للناس على أنهم أصحاب فتنة وشقاق، ومجرمون .. وهم بجهادهم آثمون آبقون في نار جهنم وبئس المصير، وغير ذلك من العبارات التي لا تخدم إلا الطواغيت، فهؤلاء ـ وإن كان لهم سابقة إسلام ـ لا يحسبون أن دينهم بقي سالماً لهم، فهم أولى بالكفر والنفاق من غيرهم، وفي قصة "بلعام" ـ الذي انسلخ من آيات الله بعد أن أوتيها بسبب دعائه للكافرين من بني قومه على المسلمين المؤمنين ـ عبرة لمن أراد أن يعتبر، كما قال تعالى فيه:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}الأعراف:175-176.
وفي هؤلاء يصدق كذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- :" إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان"[29].
وفي قوله تعالى:{فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْر} الأحزاب:19. قال ابن تيميه رحمه الله: هذا السلق بالألسنة الحادة، يكون بوجوه:
تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذي جرى علينا بشؤمكم، فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين، وقاتلتم عليه، وخالفتموهم، فإن هذه مقالة المنافقين للمؤمنين من الصحابة.
وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا، والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت، وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا.
وتارة يقولون: أنتم مع قلتكم وضعفكم تردون أن تكسروا العدو، وقد غركم دينكم، كما قال تعالى:{إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}الأنفال:49.
وتارة يقولون: أنتم مجانين، لا عقل لكم، تريدون أن تهلكوا أنفسكم والناس معكم.
وتارة يقولون أنواعاً من الكلام المؤذي الشديد، وهم مع ذلك أشحة على الخير، أي حراص على الغنيمة والمال الذي قد حصل لكم[30].

13ـ قرائن عملية أخرى تدل على فساد الباطن:
كما في السنة فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" أربع من كن فيه كان منافقاً، وإن كانت خصلة منهن فيه كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر" متفق عليه. وفي رواية لمسلم:" وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ".
فتأمل كيف جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- اجتماع هذه الخصال الظاهرة في المرء دليلاً على نفاقه وسوء باطنه، حتى لو زعم أنه مسلم وصلى وصام[31].
وكذلك من يخرج من المسجد بعد الأذان لغير حاجة، فهو عمل دال على نفاق صاحبه، كما قال -صلى الله عليه وسلم- :" من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة، فهو منافق "[32].
ونحو ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- فيمن يترك صلاة الجمعة من غير عذر، فقد قال -صلى الله عليه وسلم- فيه:" من
ترك ثلاث جمعات من غير عذر كتب من المنافقين "[33]. وفي رواية:" فقد نبذ الإسلام وراء ظهره "[34].
وكان ابن عمر يقول: كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء، أسأنا به الظن[35]. أي ظننا به النفاق، لأن التثاقل عن صلاتي الفجر والعشاء هو من صفة المنافقين، الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى.
قلت: إذا كان من يترك صلاة الجمعة ثلاث مرات يكتب من المنافقين، وقد نبذ الإسلام وراء ظهره .. ومن كان يتثاقل عن صلاتي الفجر والعشاء يتهم بالنفاق، ويُساء به الظن .. إذا كان الأمر كذلك مع من يفعل ذلك .. فما يكون القول فيمن يترك الصلاة كلياً ولا يصلي لله تعالى في حياته قط .. لا شك أنه بفعله هذا يكون أصرح دلالة على الكفر والنفاق ..!
كما قال -صلى الله عليه وسلم- :" ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة"[36].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" بين الكفر والإيمان ترك الصلاة"[37].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر"[38].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك"[39].
فاعتبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ترك الصلاة قرينة دالة على الكفر وفساد الاعتقاد، وانتفاء الإيمان من القلب .. وأن تاركها كافر مشرك.
وعن عبد الله بن شقيق العقلي -رضي الله عنه- قال:" كان أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- لا يرون شيئاً من
الأعمال تركه كفر، غير الصلاة "[40].
قال ابن تيميه في تارك الصلاة: وأكثر السلف على أنه يقتل كافراً وهذا كله مع الإقرار بوجوبها[41].
وقال: متى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقراً بوجوبها، ولا ملتزماً بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة[42].
فتأمل كيف اعتبر امتناع الرجل من الصلاة حتى يقتل قرينة دالة على كفره وعلى انشراح صدره بالكفر وإن لم يصرح بلسانه عن جحوده لفريضة الصلاة.
والشاهد من جميع ما تقدم من أدلة: أن الرضى أمر باطني يُعرف أحياناً من منطوق اللسان، أو من خلال قرائن عميلة ظاهرة تدل عليه .. تتفاوت فيما بينها قوة وضعفاً من حيث الدلالة على ما وقر في القلب .. وإن لم يصرح بلسانه عما ينم عن اعتقاده وما وقر في قلبه، إذ قرائن الحال والفعل تكون أحياناً أبلغ في الدلالة من المنطوق والقول .. وهذا لا خلاف عليه عند أهل السنة والجماعة الذين يقول: الإيمان اعتقاد وقول وعمل.

 


[1] هذه القاعدة لا يجوز أن تُحمل على الاعتراف بوجود كفار أهل الكتاب في كنف الدولة الإسلامية، وما لهم من حقوق، وما عليهم من واجبات قد بينتها الشريعة الإسلامية .. فهذا شيء وما أشارت إليه القاعدة أعلاه شيء آخر.
[2] مجموعة التوحيد:48.
[3] استدلال عمر بن عبد العزيز بالآية فيه دليل على جواز الاستدلال بالأعلى على الأدنى؛ فالآية وإن كان يُراد منها الكفر الأكبر إلا أنه يجوز الاستدلال بها على العاصي الذي يُجالس العصاة وهم يقترفون المعاصي من غير إنكار ولا قيام، لوقوعه تحت جزئية من جزئيات الآية الكريمة.
[4] عن تفسير ابن كثير.
[5] صحيح سنن أبي داود: 3651.
[6] صحيح الترغيب والترهيب: 14.
[7] عن مجموعة التوحيد، ص299.
[8] طريق الدعوة في ظلال القرآن:2/32.
[9] صفة الاستحلال عندهم أن يُصرح بفيه أنه يستحل الكفر بقلبه، وما سوى ذلك لا يجوز أن يُحكم عليه بالكفر مهما استحل الكفر بلسانه أو جوارحه الظاهرة الأخرى!
فتأمل ـ على سبيل المثال ـ ماذا يقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني غفر الله له، في كتابه المعنون بـ " التحذير من فتنة التكفير ": لا بد من معرفة أن الكفر ـ كالفسق والظلم ـ ينقسم إلى قسمين: كفر وفسق وظلم يُخرج من الملة، وكل ذلك يعود إلى الاستحلال القلبي. وآخر ـ أي كفر وفسق وظلم ـ لا يُخرج من الملة؛ يعود إلى الاستحلال العملي ا- هـ. وفساد قول الشيخ هذا مرده إلى فساد قوله في مسائل الإيمان والوعد والوعيد .. وقد رددنا عليه في مصنف مستقل، والمعنون بـ " الانتصار لأهل التوحيد .." فليراجعه من شاء.
[10] صحيح سنن الترمذي: 2654.
[11] أي إلا ما يراه هواه، فالذي يراه هواه معروفاً فهو المعروف عنده، وإن كان في الشرع منكراً، وما يراه هواه منكراً فهو المنكر عنده، وإن كان في الشرع معروفاً، فمعبوده الذي يتألهه ويطيعه هو هواه من دون الله، وعليه وعلى أمثاله يُحمل قوله تعالى:{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}الفرقان:43.
[12] مجموعة التوحيد: 88-89. قلت: قول الشيخ " سواء فعله خوفاً أو مداراة " ينبغي أن يُحمل على مظنة الخوف أو التوسع في المداراة من غير إكراه ولا تقية ملزمة، أمّا الخوف من تعذيب أو ضرر محرج ومحقق في حال تخلف المرء عن المداراة والتظاهر ببعض عباراة الكفر أو الموالاة للمجرمين .. أرجو أن لا يكون في ذلك حرج إن شاء الله إن التزم المرء بالقدر الذي يدفع عنه الأذى والضرر من غير توسع ولا زيادة وكان هذا الضرر لا يندفع إلا بتلك الكلمات؛ لأن هذه الصورة من صور الإكراه التي يُقيل الله تعالى فيها العثرات، لقوله تعالى:{لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}آل عمران:28. قال ابن كثير في التفسير: وقوله تعالى:{إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم. وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان. وقال الحسن: التقية إلى يوم القيامة ... ا- هـ.
وقال ابن جرير الطبري في تفسيره الجامع:{إلا أن تتقوا منهم تقاة} إلا أن تكونوا في ظلهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تُشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل ا- هـ.
قلت: ونحوه الذي يريد أن يدفع نكاية العدو عن المسلمين .. ولا سبيل له لذلك إلا من خلال هذا الطريق .. فإنه كذلك لا حرج عليه ـ إن شاء الله ـ بأن يتظاهر بالقدر من الموالاة اللسانية بما يمكنه من تنفيذ مهمته على الوجه المطلوب .. كما حصل للصحابة لما انتدبهم النبي -صلى الله عليه وسلم- لقتل طاغية اليهود كعب بن الأشرف وغيره .. وهذه مسألة قد تناولناها بشيء من التفصيل والتوسع في بحثنا " حالات يجوز فيها إظهار الكفر " فليراجعه من شاء.
[13] رواه مالك، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، عن "رياض الصالحين".
[14] قال ابن تيميه في معنى"الطاغوت" في الفتاوى 28/200: الطاغوت فعلوت من الطغيان، والطغيان: مجاوزة الحد وهو الظلم والبغي. فالمعبود من دون الله إذا لم يكن كارهاً لذلك طاغوت، ولهذا سمى النبي -صلى الله عليه وسلم- الأصنام طواغيت في الحديث الصحيح، لما قال:" ويتبع من يعبد الطواغيت الطواغيت ". والمطاع في معصية الله، والمطاع في اتباع غير الهدى ودين الحق سواء كان مقبولاً خبره المخالف لكتاب الله، ومطاعاً أمره المخالف لأمر الله هو طاغوت، ولهذا سمى من تحوكم إليه من حاكم بغير كتاب الله طاغوت، وسمى فرعون وعاداً طغاة ا- هـ.
وقال تلمذه ابن القيم رحمهما الله تعالى في الأعلام 1/50: الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة الله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عباد الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته ا- هـ.
مما تقدم نعلم أن الطاغوت: هو كل من عُبد من دون الله تعالى ـ ورضي بذلك ـ ولو بوجه من أوجه العبادة .. وكذلك كل من يرضى أو يزعم لنفسه صفة أو خاصية هي من صفات وخصوصيات الله تعالى وحده لا شريك له .. كذلك هو طاغوت يجب تكفيره والكفر به.
[15] نفس المصدر السابق. قال صاحب " فتح المجيد شرح كتاب التوحيد " ص 392: فمن خالف ما أمر الله به ورسوله -صلى الله عليه وسلم- بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو طلب ذلك اتباعاً لما يهواه ويريده، فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان عن عنقه، وإن زعم أنه مؤمن، فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك، وأكذبهم في زعمهم الإيمان لما من ضمن قوله:" يزعمون " من نفي إيمانهم، فإن" يزعمون " إنما يقال غالباً لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها، وعمله بما ينافيها، يحقق هذا قوله:{وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد، كما في آية البقرة، فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن موحداً ا- هـ.
[16] التحاكم إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان في حياته بالتحاكم إلى شخصه الكريم -صلى الله عليه وسلم- بينما التحاكم إليه بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- يكون بالتحاكم إلى سنته -صلى الله عليه وسلم- الثابتة عنه.
[17] الصارم المسلول:56.
[18] التفسير:4/193.
[19] ينبغي للقارئ أن يتنبه أن طاعة المشركين نوعان: نوع يخرج صاحبه من الملة؛ وهو طاعتهم فيما هو كفر أكبر أو شرك؛ أو طاعتهم في استحلال الحرام أو تحريم الحلال، أو إبطال حقٍّ أو إحقاق باطل، أو طاعتهم لذاتهم .. وكجهة لا يجوز أن يُرد لها قول .. فهذ النوع من الطاعة كفر أكبر تخرج صاحبها من الملة.
ونوع لا يخرج صاحبه من الملة، وإنما يوقعه في دائرة الفسوق والعصيان؛ وهو طاعتهم فيما دون ما تقدم ذكره، كأن يُطيعهم في ارتكاب بعض المعاصي نزوة وشهوة لا استحلالاً وجحوداً .. فهذا النوع من الطاعة معصية لا ترقى بصاحبها إلى درجة الكفر، ولا تُخرجه من الملة.
[20] التبيان في أقسام القرآن:270.
[21] قاله ابن القيم في أعلام الموقعين:1/50.
[22] عن الفتاوى لابن تيميه: 7/209.
[23] عن الفتاوى لابن تيمية:7/296.
[24] السلسلة الصحيحة:1749. قلت: قد تناولت مسألة الحكم بغير ما أنزل الله .. وصفة الحاكم بغير ما أنزل الله الذي يكفر، والحاكم الذي لا يكفر .. بشيء من التوسع والتفصيل في كتاب " أعمال تُخرج صاحبها من الملة " فانظر المسألة هناك إن شئت.
[25] قال الأستاذ محمد قطب في كتابه "واقعنا المعاصر" ص 334: مظلوم ابن عباس فقد قال ما قال وهو يُسأل عن الأمويين، أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله، فما القول فيهم؟ وما من أحد على الإطلاق قال عن الأمويين إنهم كفار، فقد كانوا يحكمون الشريعة في عموم حياة الناس، ولكنهم يحيدون عنها في بعض الأمور المتعلقة بسلطانهم إما تأويلاً وإما شهوة ـ ولكنهم لا يجعلون مخالفتهم تشريعاً مضاهياً لشرع الله ـ فقال فيهم ابن عباس: إنه كفر دون كفر. فهل كان يمكن لابن عباس أن يقول هذا فيمن ينحي الشريعة الإسلامية أصلاً، ويضع بدلاً منها قوانين وضعية؟! ا- هـ.
[26] السلسلة الصحيحة:1050.
[27] قاله ابن تيميه في الفتاوى:28/ 437.
[28] انظر تفسير الشوكاني.
[29] رواه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة:1013.
[30] الفتاوى:28/457-458. قلت: باسم الحكمة والأناة والتعقل والحفاظ على الحرمات .. واجتناب الفتنة .. نسمع كثيراً من الناس الذين ظاهرهم التدين يوجهون مثل هذه العبارات وأضعافها ـ التي هي قرينة على النفاق ـ إلى المجاهدين في هذا الزمان .. ولا حول ولا قوة إلا بالله!!
[31] فكيف لو اجتمعت هذه الخصال فيمن لا يصلي ولا يصوم، وما أكثرهم في زماننا ..؟!
[32] صحيح الترغيب والترهيب:259. قلت: هذه الأعمال وإن كانت قرينة دالة على النفاق وفساد الباطن .. وتعين على معرفة المنافقين .. إلا أنها لا تكفي منفردة للحكم على صاحبها بالكفر والخروج من الملة .. فتنبه لذلك.
[33] صحيح الترغيب والترهيب:731.
[34] صحيح الترغيب والترهيب:735.
[35] صحيح الترغيب والترهيب:414.
[36] رواه النسائي وغيره، صحيح الترغيب:563.
[37] رواه الترمذي، المصدر السابق.
[38] رواه أحد وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم، صحيح الترغيب:564.
[39] رواه الطبري، صحيح الترغيب:565.
[40] رواه الترمذي وغيره، صحيح الترغيب:564. قلت: والمراد بالكفر هنا الكفر الأكبر المخرج من الملة بدليل أن الصحابة كانوا يرون ترك بعض الأعمال غير الصلاة كفر أصغر أو كفر عملي .. ومسألة حكم تارك الصلاة قد تناولناها بشيء من التوسع والتفصيل في كتاب مستقل، فليراجعه من شاء.
[41] الفتاوى:28/308.
[42] الفتاوى:22/48.

   
F ¥ E