الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
قـواعـدٌ في التكفير
ـ فتوى شيخ الإسلام في جند التتار، ومن يشابههم:
  سُئل شيخ الإسلام رحمه الله عن جند التتار، فإن بعضهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وبالمقابل يأتون بما يناقضها، هل يجوز قتالهم ..؟
فأجاب رحمه الله: فهؤلاء القوم المسؤول عنهم عسكرهم مشتمل على قوم كفار من النصارى والمشركين، وعلى قوم منتسبين إلى الإسلام ـ وهم جمهور العسكر ـ ينطقون بالشهادتين إذا طلبت منهم، ويعظمون الرسول، وليس فيهم من يصلي إلا قليل جداً، وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة، والمسلم عندهم أعظم من غيره، وللصالحين من المسلمين عندهم قدر، وعندهم من الإسلام بعضه، وهم متفاوتون فيه، لكن الذي عليه عامتهم والذي يقاتلون عليه متضمن لترك كثير من شرائع الإسلام أو أكثرها؛ فإنهم أولاً يوجبون الإسلام ولا يقاتلون من تركه، بل من قاتل على دولة المغول عظموه وتركوه وإن كان كافراً عدواً لله ورسوله، وكل من خرج عن دولة المغول أو عليها استحلوا قتاله وإن كان من خيار المسلمين.
فلا يجاهدون الكفار، ولا يلزمون أهل الكتاب بالجزية والصغار، ولا ينهون أحداً من عسكرهم أن يعبد ما شاء من شمس أو قمر أو غير ذلك، بل الظاهر من سيرتهم أن المسلم عندهم بمنزلة العدل أو الرجل الصالح، والكافر عندهم بمنزلة الفاسق في المسلمين[1].
وكذلك عامتهم لا يحرمون دماء المسلمين وأموالهم إلا أن ينهاهم عنها سلطانهم، أي لا يلتزمون الواجبات، ولا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله، بل يحكمون بأوضاع لهم توافق الإسلام تارة وتخالف أخرى.
و قتال هذا الضرب واجب بإجماع المسلمين، وما يشك في ذلك من عرف دين الإسلام وعرف حقيقة أمرهم، فإن هذا السلم الذي هم عليه الإسلام لا يجتمعان أبداً [2].
قلت: لو قارنت بين صفات جند التتار الذين تكلم عنهم شيخ الإسلام وبين صفات جنود الجيوش العربية المعاصرة التي لا هم لها ولا وظيفة سوى حماية عرش الطاغوت والتسبيح بحمده .. وكثير من الجيوش المنتشرة في بلاد المسلمين .. لوجدت أن جند التتار أفضل بكثير من جنود الجيوش العربية .. ولوجدت أن فيهم من الخصال الحميدة ما ليس موجوداً في كثير من هذه الجيوش .. ومع ذلك يقول شيخ الإسلام عنهم:" قتالهم واجب بإجماع المسلمين، وما يشك في ذلك من عرف دين الإسلام وعرف حقيقة أمرهم "!
قلت: فإذا كان قتال الأدنى واجباً بإجماع المسلمين .. فمن باب أولى أن يتعين هذا الإجماع على وجوب قتال الأعلى كفراً وظلماً وفجوراً ..!
وقال رحمه الله فيمن يمتنع عن التزام شرائع الإسلام أو بعضها: فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها، حتى يكون الدين كله لله، باتفاق العلماء .. عن ديلم الحميري -رضي الله عنه- ، قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقلت يا رسول الله: إنا بأرض نعالج بها عملاً شديداً، وإنا نتخذ شراباً من القمح نتقوى به على أعمالنا، وعلى برد بلادنا. فقال:" هل يسكر ؟" قلنا: نعم. قال :" فاجتنبوه "، قلت: إن الناس غير تاركيه. قال:" فإن لم يتركوه فاقتلوهم ".
وقال رحمه الله: وأيما طائفة انتسبت إلى الإسلام، وامتنعت من بعض شرائعه الظاهرة المتواترة، فإنه يجب جهادهم باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله، كما قاتل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وسائر الصحابة رضي الله عنهم ما نعي الزكاة .. فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أنه يقاتل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين.
فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والميسر، أو عن نكاح ذات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته ـ التي لا عذر لأحدٍ في جحودها وتركها ـ التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء[3].
قلت: فمن باب أولى قتال وقتل من أتى بناقضة من نواقض الإيمان، وأصر أن لا يتوب عنها، وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"من ارتد عن دينه فاقتلوه ".

ـ تنبيه: من أتى بالإسلام ظاهراً دون الباطن، ولم يعرف عنه ذلك بقرينة ظاهرة جلية، فإنه يعامل في الدنيا ـ من حيث الحقوق والواجبات ـ معاملة المسلمين بعضهم لبعض، فله مالهم وعليه ما عليهم، أما في الآخرة فإنه يرد إلى أشد العذاب، وهو في الدرك الأسفل من النار، كما قال تعالى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّار}النساء:145. وقال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ}التوبة:68.
فالإيمان الذي ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة هو الذي يؤمن ظاهراً وباطناً، أما من آمن أو أسلم ظاهراً دون الباطن كالمنافقين .. فإنهم ينتفعون من إسلامهم الظاهر في الدنيا دون الآخرة.

ـ تنبيه آخر: اعلم أنه يوجد فرق بين القدر الذي عن الكافر المحارب السيف، والقدر الذي به يدخل الإسلام؛ أما القدر الذي به يرفع السيف عن الكافر المحارب، هو كل لفظ أو قرينة تدل على أنه يريد الدخول في الإسلام، فلو ألقى السلام من باب طلب الأمان، أو قال صبأ ـ أو كلمة نحوها ـ يريد بها أنه أصبح مسلماً لكن لغته خانته فلم يأت بالتعبير الصحيح ـ يقبل منه، ويرفع عنه السيف، ويعطى الأمان .. لكن لا يدخل بها الإسلام.
كما حصل لخالد بن الوليد -رضي الله عنه- عندما قتل الذين قالوا له: صبأنا، صبأنا ـ يريدون أن يقولوا أسلمنا أو أنهم دخلوا الإسلام لكن خانتهم لغتهم فلم يحسنوا التعبير الصحيح ـ ولكن خالد بن الوليد قد عاجلهم ولم يقبل منهم هذا القدر من التعبير.. ولما بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- صنيع خالد بالقوم غضب غضباً شديداً، وتبرأ من صنيع خالد وقال: اللهم إني أبرؤ إليك مما صنع خالد، ثلاثاً .. وقد أمر بدية من قتل منهم!
ولكن قول المرء، صبأت أو نحوها، هل يكفي لدخوله الإسلام؟
الجواب كما ذكرنا: أنه لا يكفي، ولا بد له من أن ينطق بشهادة التوحيد" لا إله إلا الله" حتى يدخل الإسلام، فإن قالها تعرض عليه بقية أركان الدين، فإن جحد شيئاً منها وقابلها بالرد والجحود قتل على أنه كافر مرتد. كما قال -صلى الله عليه وسلم- :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ..".
وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- لعمه أبي طالب:" قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة"، قال: لولا أن تعيروني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فمات ولم يقلها، فأنزل الله:{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء} القصص:56. فمات على الكفر علماً أنه كان يدافع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في كثير من مواطن خلافه مع كفار قريش، وكان أحياناً يأتي بالعبارات التي تدل على تصديقه للنبي -صلى الله عليه وسلم- كما أثر عنه أنه كان يقول:
ولقد علمت بأن دين محمد *** من خير أديان البرية ديناً
ولكنه لما مات وأبى أن ينطق بشهادة التوحيد: لا إله إلا الله .. مات على الكفر .. ولم ينفعه شيء مما كان يقوله في مدح الإسلام.
قال ابن تيميه رحمه الله في الفتاوى 7/609: الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطناً وظاهراً عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير علمائها ا- هـ.
وفي الحديث عن أنس بن مالك قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يغير إلا عند صلاة الفجر، فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار، واستمع ذات يوم فسمع رجلاً يقول: الله أكبر، الله أكبر، فقال:" على الفطرة "، فقال الرجل: لا إله إلا الله، قال -صلى الله عليه وسلم- :"خرجت من النار"[4]. ولا يخرج من النار ويدخل الجنة إلا من كان مسلماً.
فإن قيل هل يجزئ شيء عن التلفظ بالشهادتين للحكم على المرء بأنه مسلم ؟
أقول: الراجح أنه لا يُجزئ شيء من الأعمال عن التلفظ بشهادة التوحيد إلا الصلاة؛ فمن يُرى وهو يُصلي يُحكم له بالإسلام وإن لم يُعلم عنه أنه إقرار بالشهادة، لقوله -صلى الله عليه وسلم- :" من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذاك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله " البخاري.
قال القرطبي في كتابه" الجامع لأحكام القرآن " 8/207: وإن كان الإيمان لا يكون إلا بلا إله إلا الله دون غيره من الأقوال والأفعال إلا في الصلاة. قال إسحاق بن راهويه: ولقد أجمعوا في الصلاة على شيء لم يجمعوا عليه في سائر الشرائع؛ لأنهم بأجمعهم قالوا: من عُرف بالكفر ثم رأوه يصلي الصلاة في وقتها حتى صلى صلوات كثيرة، ولم يعلموا منه إقراراً باللسان أنه يحكم له بالإيمان، ولم يحكموا له في الصوم والزكاة بمثل ذلك ا- هـ.
ولا يشترط على المرء لكي يصير مسلماً إضافة إلى نطقه بشهادة التوحيد، أن يأتي بالشروح والأدلة التي تنم عن فهمه لمتطلبات التوحيد ونواقضه ـ كما يفعل ذلك بعض الجهلة المتشددين ـ فهذا تكليف لم يرد عليه نص، وهو بخلاف السنة، إضافة إلى أنه أمر غير مقدور عليه لكل فرد من أفراد الأمة!
فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لجارية ترعى غنماً:" أين الله؟" قالت:في السماء، قال:" من أنا؟" قالت:أنت رسول الله، قال لصاحبها معاوية بن الحكم:" اعتقها فإنها مؤمنة " مسلم. فتأمل كيف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حكم للجارية بالإيمان لمجرد إجابتها أن الله في السماء وشهدت أنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .
وكذلك قوله للرجل الذي سمعه يقول لا إله إلا الله:" خرجت من النار " وغيرها كثير من الأدلة التي تدل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحكم على الآخرين بالإيمان لمجرد نطقهم بشهادة التوحيد .. ولم يُطالبهم بالشروحات وحفظ المتون ..[5].
قال الغزالي: أسرفت طائفة فكفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرروها فهو كافر، فضيقوا رحمة الله الواسعة وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين[6].
وقال ابن حجر في الفتح 13/350: ونقل عن أكثر أئمة الفتوى أنهم قالوا: لا يجوز أن تكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها لأن في ذلك من المشقة أشد من المشقة في تعلم الفروع الفقهية ا- هـ.
ثم إن كثيراً من الناس لا يملكون الملكة اللسانية التي تمكنهم من التعبير عما استقرت عليه نفوسهم وقلوبهم من المعاني والاعتقادات، وهذا كان يحصل لبعض الصحابة، كما في سنن أبي داود، عن أبي صالح، عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لرجل:" كيف تقول في الصلاة؟" قال: أتشهد وأقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- :"حولها ندندن"[7].
وكذلك قد ثبت أن من الصحابة من لم يكن يقدر على حفظ شيء من القرآن الكريم، كما في الحديث عن عبد الله ابن أبي أوفى، قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلمني ما يجزئني منه، قال:" قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله "قال: يا رسول الله هذا لله -عز وجل- فما لي؟ قال:" قل اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني " فلما قام، قال هكذا بيده، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" أما هذا فقد ملأ يده من الخير "[8]. فتأمل هداك الله، وجنبك مزالق أهل الغلو والتنطع والجفاء.

ـ مسألة: فإن قيل إذا كانت الأحكام تُبنى على الظاهر، فما بال أهل العلم علقوا كفر مرتكب الكبائر والذنوب على استحلالها وجحود حرمتها .. وموطن الاستحلال والجحود القلب ؟
أقول: اشترط أهل العلم للتكفير بالذنب أو المعصية استحلالها وجحود حرمتها؛ لأن المعاصي والذنوب التي هي دون الكفر والشرك ليست كفراً بذاتها .. لذا لا يجوز التكفير بها إلا من مارسها على وجه الاستحلال والجحود لحرمتها .. فيكون بذلك مكذباً لله ولرسوله، وراداً لحكم الله -عز وجل- .
بينما الكفر أو الشرك هو كفر بذاته لا يحتاج إلى تعليقه بشرط الاستحلال أو الجحود .. لذا من مارسه بالقول أو العمل يكفر سواء كان مستحلاً له أم كان غير ذلك.
فإن قيل: كيف نعرف المستحل للمعاصي ـ التي هي دون الكفر ـ من سواه .. ونحن لا سلطان لنا على القلوب أو شق البطون ..؟
أقول: يُعرف المستحل للمعاصي من سواه من خلال قرائن لفظية أو عملية صريحة يظهرها لنا تدل على استحلاله للذنب .. وتُعرِّف على المستحل من سواه .. وليس لنا وراء ذلك أن نتتبع المقاصد والقلوب؛ بحيث نقرر العصاة عما وقر في قلوبهم وبطونهم .. هل يمارسونها على وجه الاستحلال أم لا .. فهذا لم نُكلف به .. وهو بخلاف السنة وما كان عليه السلف الصالح.
خلاصة القول: نستخلص من القاعدة الآنفة الذكر وشرحها أن أحكام الكفر والإيمان تُقام على أساس الظاهر، وما يُظهره المرء من قول أو فعل، وليس لنا وراء الظاهر من سبيل، وعليه نقول:" من أظهر لنا الكفر ـ من غير مانعٍ شرعي معتبر ـ أظهرنا له التكفير ". وهذه قاعدة من قواعد التكفير فاحفظها.
وقولنا من غير مانعٍ شرعي معتبر هو لما ذكرناه في القاعدة الأولى .. فراجعها.
وكذلك نقول:" من أظهر لنا الإسلام حكمنا بإسلامه ما لم يُظهر لنا ما يُضاده وينفيه " وهذه كذلك قاعدة من قواعد التكفير فاحفظها.

 


[1] بينما الولاء الوطني في زماننا يسوي بين الجميع..!
[2] الفتاوى:28/504.
[3] الفتاوى:28/308و347و356و357و503.
[4] رواه مسلم وغيره، صحيح سنن الترمذي:1319.
[5] هناك فرق بين ما يصير المرء به مسلماً، وبين الوصف الذي به يستمر له إسلامه وإيمانه طيلة حياته، فتنبه لذلك واحذر أن تخلط بينهما فتهلك.
[6] فتح الباري:13/439.
[7] صحيح سنن أبي داود:710.
[8] صحيح سنن أبي داود:742.

   
F ¥ E