الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
قـواعـدٌ في التكفير
ـ القاعدة السادسة:" قَولُ الكُفْرِ كُفرٌ، وفِعْلُ الكُفْرِ كُفْرٌ ".
 

الشرح: اعلم أن قول الكفر كفر، وكذلك فعل الكفر كفر؛ فمن قال الكفر البواح، أو فعله ـ من غير مانع شرعي معتبر كما هو مبين في القاعدة الأولى ـ فهو كافر مرتد، سواء قارن قوله أو فعله عبارات أو قرائن تنم عن الاستحلال أو الجحود، أو أنه لم يظهر منه ما يدل على شيء من ذلك؛ لأن الكفر هنا هو لذات القول أو الفعل وليس لغيره من أنواع ومسببات الكفر.
والأدلة الشرعية ـ من الكتاب والسنة ـ التي تدل على صحة هذه القاعدة كثيرة جداً، إليك بعضها:
1- قوله تعالى:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}النحل:106-107. فدل أن من أظهر الكفر بقول أو فعل ـ من غير إكراه معتبر ـ يكون كافراً ظاهراً وباطناً، وهو من الذين شرحوا بالكفر صدراً، سواء أقر بذلك بلسانه أو لم يقر، وهذا الذي نص عليه أهل العلم.
قال ابن تيميه في الفتاوى 7/220:فإن قيل فقد قال:{وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} قيل: وهذا موافق لأولها فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدراً وإلا ناقض أول الآية آخرها، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره، وذلك يكون بلا إكراه لم يستثني المكره فقط، بل كان يجب أن يستثني المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعاً فقد شرح بها صدراً وهو كفر ا- هـ.
وقال 7/557: من سبَّ الله ورسوله طوعاً بغير كره، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعاً غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافر باطناً وظاهراً، وإن من قال: إن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمناً بالله وإنما هو كافر في الظاهر، فإنه قال قولاً معلوم الفساد بالضرورة من الدين ا- هـ.
وقال في موضوع آخر 16/28: من كفر بالله من بعد إيمانه من غير إكراه فهو مرتد ا- هـ.
قلت: المراد من أظهر الكفر بقول أو عمل من غير إكراه فهو مرتد، وليس من اعتقد الكفر، لأنه لا يصح أن يقال من اعتقد الكفر من غير إكراه فهو مرتد؛ لأن اعتقاد الكفر كفر، وصاحبه لا يعذر بأي حال من الأحوال سواء كان مكرهاً أو غير مكره، لأن الإكراه سلطانه على الجوارح وليس على القلب مقر الاعتقاد.
وفي هذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفاً، أو مدارة، أو مشحة بوطه، أو أهله، أو عشيرته، أو ماله، أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره، والآية تدل على هذا من جهتين: الأولى قوله:{إِلَّا مَنْ أُكْرِه} فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين، أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظاً من حظوظ الدنيا فآثره على الدين[1].
وقال في موضع آخر: فحكم الله حكماً لا يبدل، أن من رجع عن دينه إلى الكفر فهو كافر سواء كان له عذر؛ خوفاً على النفس أو مال أو أهل أم لا، وسواء كفر بباطنه أو ظاهره دون باطنه، وسواء كفر بفعاله ومقاله أو بأحدهما دون الآخر، وسواء كان طامعاً في دنيا ينالها من المشركين أم لا، فهو كافر على كل حال إلا المكره؛ وهو في لغتنا المغصوب فإذا أكره الإنسان على الكفر وقيل له اكفر وإلا قتلناك أو ضربناك، أو أخذه المشركون فضربوه ولم يمكن التخلص إلا بموافقتهم، جاز له موافقتهم في الظاهر بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان، أي ثابتاً عليه، معتقداً له، فأما إن وافقهم بقلبه فهو كافر ولو كان مكرهاً[2].
وقال القرطبي في"التفسير" 10/187: قال المحققون من العلماء: إذا تلفظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض[3]؛ فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، ومتى لم يكن كذلك كان كافراً؛ لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها، مثاله أن يقال له: اكفر بالله، فيقول باللاهي؛ فيزيد الياء. وكذلك إذا قيل له: اكفر بالنبي، فيقول هو كافر بالنبي مشدداً؛ وهو المكان المرتفع من الأرض ا- هـ.
فتأمل قول العلماء:" ومتى لم يكن كذلك كان كافراً "، وهذا فيمن يجد في المعاريض مندوحة ثم لا يستخدمها، وإذا كان الأمر كذلك لا شك أن من يتلفظ بالكفر البواح طوعاً من غير إكراه هو أولى بالكفر والارتداد.

2- قوله تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ.لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} التوبة:65-66.
فهؤلاء نفر كفروا بعد أن كانوا مؤمنين بسبب أنهم قالوا كلاماً ـ على وجه الخوض واللعب لا الاعتقاد والاستحلال ـ فيه تهكم واستهزاء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.
قال ابن تيمية رحمه الله : هذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسله كفر، فالسب المقصود بطريق الأولى، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاداً أو هازلاً فقد كفر.
وقد روي عن رجال من أهل العلم؛ منهم ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة أنه قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء؛ يعني الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه القراء. فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذهب عوف إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليخبره، فوجد القرآن سبقه. فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق!
قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقاً بنسعة ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :{أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون}. ما يلتفت إليه، ولا يزيده عليه[4] .
وقال رحمه الله في الفتاوى 7/272: فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب. وقول من يقول عن مثل هذه الآيات: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولاً بقلوبهم لا يصح؛ لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال: قد كفرتم بعد إيمانكم، فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم وهم مع خواصهم ما زالوا هكذا، بل لما نافقوا وحذروا أن تنزل سورة تبين ما في قلوبهم من النفاق وتكلموا بالاستهزاء صاروا كافرين بعد إيمانهم، ولا يدل اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين ا- هـ.
وقال القرطبي في التفسير 8/199: قيل كانوا ثلاثة نفر؛ هزئ اثنان وضحك واحد، فالمعفو عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم. قال خليفة بن خياط في تاريخه: اسمه"مخاشن بن حمير"، وقيل إنه كان مسلماً، إلا أنه سمع المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم.
وكان يقول: اللهم إني أسمع آية أنا أعنى بها، تقشعر الجلود وتجب منها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت[5].
فتأمل واحذر لنفسك ودينك من أن تستهويك دعوات التحرر، فتخوض فيما لا ينبغي لك الخوض فيه، فتهلك وتخسر دنياك وآخرتك ..!

3- وكذلك قوله تعالى:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}النساء:140.
دل هذا النص على كفر المستهزئ بآيات الله، وكذلك دل على كفر من يجالس ـ من غير إكراه ولا إنكار ـ المستهزئ بآيات الله، وإن لم يباشر الاستهزاء بنفسه، والاستهزاء والجلوس كلاهما قول وعمل، وهما كفر لذاتهما وإن لم يقترنا بتعبير ينم عن الاعتقاد أو الاستحلال.
قال أبو بكر بن العربي: فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة[6].

4- ومن الأدلة كذلك على كفر قائل الكفر، قوله تعالى:{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ}التوبة:74.
قال الكشميري في كتابه "إكفار الملحدين": قال ابن حجر في "الأعلام" في فصل الكفر المتفق عليه، مما نقله عن كتب الحنفية: من تلفظ بلفظ الكفر يكفر، فكل من استحسنه أو رضي به يكفر.
وعن"البحر" رجل كفر بلسانه طائعاً وقلبه على الإيمان يكون كافراً ولا يكون عند الله مؤمناً، كذا في"فتاوى قاضيخان" و"هندية"و"جامع الفصولين".
والحاصل أن من تكلم بكلمة الكفر هازلاً أو لاعباً، كفر عند الكل ولا اعتبار باعتقاده، كما صرح به في"الخانية" و"رد المحتار" [7]ا- هـ.

5- ومنها كذلك قوله تعالى:{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} التوبة:12.
دلت الآية أن الطعن في الدين كفر، وأن صاحبه كافر وكفره مغلظ وهو من أئمة الكفر، والعلة في الكفر هنا هو ذات الطعن والشتم وليس استحلال الطعن والسب، فمن يشترط الاستحلال لكفر الساب فقد أبعد ونأى عن الصواب، وقال قولاً باطلاً معلوماً من الدين بالضرورة بطلانه .. ونهج نهج أهل التجهم والإرجاء .. هذا الذي نص عليه أهل العلم، وإليك بعض أقوالهم:
قال القرطبي في التفسير 8/82-84: من أقدم على نكث العهد والطعن في الدين يكون أصلاً ورأساً في الكفر؛ فهو من أئمة الكفر على هذا.
واستدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدين؛ إذ هو كافر، والطعن أن ينسب إليه مالا يليق به، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين، لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله واستقامة فروعه.
وقد روي أن رجلاً قال في مجلس علي: ما قتل كعب بن الأشرف إلا غدراً! فأمر علي بضرب عنقه.
قال علماؤنا: هذا يقتل ولا يستتاب إن نسب الغدر للنبي -صلى الله عليه وسلم- لأن ذلك زندقة ا-هـ.
وقال ابن تيميه رحمه الله تعالى في كتابه العظيم" الصارم المسلول على شاتم الرسول ": إنه سماهم أئمة الكفر لطعنهم في الدين، فثبت أن كل طاعن في الدين هو إمام في الكفر.
وقال: إن سب الله وسب رسوله كفر ظاهراً وباطناً، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل.
فإن كان مسلماً وجب قتله بالإجماع؛ لأنه بذلك كافر مرتد وأسوأ من الكافر، فإن الكافر يعظم الرب، ويعتقد أن ما هو عليه من الدين الباطل ليس باستهزاء بالله ولا مسبة له.
وقد قال الإمام أبو يعقوب إسحاق ابن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه: قد أجمع المسلمون أن من سب الله أو سب رسوله عليه الصلاة والسلام أو دفع شيئاً مما أنزل الله، أو قتل نبياً، من أنبياء الله، أنه كافر بذلك وإن كان مقراً بما أنزل الله.
وقال عبد الله، سئل أبي ـ أحمد بن حنبل ـ عن رجل قال: يا ابن كذا وكذا أنت ومن خلقك. قال أبي: هذا مرتد عن الإسلام، قلت لأبي: تضرب عنقه؟ قال: نعم، نضرب عنقه.
وقال الخطابي في شاتم النبي -صلى الله عليه وسلم- : لا أعلم أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله.
وعن ابن عمر قال: من شتم النبي -صلى الله عليه وسلم- ، قُتل.
وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ذلك أنه من شتم النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو مرتد عن الإسلام، ولا يشتم مسلم النبي -صلى الله عليه وسلم- .
قال عبد الله: سألت أبي عمن شتم النبي -صلى الله عليه وسلم- ، يستتاب؟ قال: قد وجب عليه القتل ولا يستاب؛ لأن خالد بن الوليد قتل رجلاً شتم النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يستتبه.
وعن مجاهد: أُتي عمر برجل سب النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فقتله. ثم قال عمر: من سب الله أو سب أحداً من الأنبياء فاقتلوه.
قال ابن تيميه: المرتد يستتاب من الردة، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه قتلوا الساب ولم يستتيبوه، فعلم أن كفره أغلظ، فيكون تعيين قتله أولى.
وقال: ويجب أن يعلم أن القول بأن كفر الساب في نفس الأمر إنما هو لاستحلاله السب زلة منكرة وهفوة عظيمة.
وفي رده على الذين يجعلون العلة في كفر الساب استحلاله السب وليس ذات السب[8] قال: الحكاية المذكورة عن الفقهاء أنه إن كان مستحلاً كفر وإلا فلا، ليس لها أصل ..
الوجه الثاني: أن الكفر إذا كان هو الاستحلال فإنما معناه اعتقاد أن السب حلال، فإنه لما اعتقد أن ما حرمه الله تعالى حلال كفر، ولا ريب أن من اعتقد في المحرمات المعلوم تحريمها أنها حلال كفر، ولكن لا فرق في ذلك بين سب النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين قذف المؤمنين والكذب عليهم والغيبة لهم إلى غير ذلك من الأقوال التي علم أن الله حرمها، فإنه من فعل شيئاً من ذلك مستحلاً كفر، مع أنه لا يجوز أن يقال: من قذف مسلماً أو اغتابه كفر، ويعني بذلك إذا استحله.
الوجه الثالث: اعتقاد حل السب كفر، سواء اقترن به وجود السب أو لم يقترن، فإذاً لا أثر للسب في التكفير وجوداً وعدماً، وإنما المؤثر هو الاعتقاد، وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء.
الوجه الرابع: أنه إذا كان المكفر هو اعتقاد الحل فليس في السب ما يدل على أن الساب مستحل، فيجب أن لا يكفر، لا سيما إذا قال: أنا أعتقد أن هذا حرام، وإنما أقول غيظاً وسفهاً، أو عبثاً أو لعباً، كما قال المنافقون:{إنما كنا نخوضُ ونلعب}.
فإن قيل: لا يكونون كفاراً فهو خلاف نص القرآن، وإن قيل يكونون كفاراً فهو تكفير بغير موجب إذا لم يجعل نفس السبّ مكفراً.
قال -سبحانه وتعالى- :{لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ولم يقل قد كذبتم في قولكم إنما كنا نخوض ونلعب، فلم يكذبهم في هذا العذر كما كذبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر لو كانوا صادقين، بل بين أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب.
وإذا تبين أن مذهب سلف الأمة ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة في نفسها كفر استحلها صاحبها أو لم يستحلها فالدليل على ذلك جميع ما قدمناه في المسألة الأولى من الدليل على كفر الساب، وما ذكرناه من الأحاديث والآثار فإنما هو أدلة بينة في أن نفس أذى الله ورسوله كُفر، مع قطع النظر عن اعتقاد التحريم وجوداً وعدماً[9].
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار "[10].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب " متفق عليه.
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم " البخاري.
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه ".
فتأمل قوله -صلى الله عليه وسلم- :" لا يرى بها بأساً .. ما يتبين فيها .. لا يُلقي لها بالاً .. ما كان يظن " ومع ذلك فهو يطاله الوزر والوعيد .. ولا يُعذر في شيء مما ذُكر .. وفي ذلك عبرة وعظة لأولئك الذين يشترطون ـ بغير علم ـ القصد والمعرفة، والاعتقاد والاستحلال كشرط للحوق وعيد الكفر بالمعين!

6- كذلك من الأعمال المكفرة لذاتها، موالاة المشركين ومظاهرتهم على المسلمين كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}المائدة:51.
وقال تعالى:{لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}آل عمران:28. وقوله:{فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْء}. قال ابن جرير الطبري في التفسير 3/228: يعني بذلك فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر ا- هـ.
وقال تعالى:{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} المائدة:81 .
قال ابن تيميه في الفتاوى 7/17: فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب. ودلّ ذلك على أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه. ومثله قوله تعالى:{لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}. فإنه أخبر في تلك الآية أن متوليهم لا يكون مؤمناً، وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم، فالقرآن يصدق بعضه بعضاً ا- هـ.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة، منها: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى:{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} المائدة:51.
والمراد بالموالاة هنا التناصر والتحالف وليس اتباع اليهود والنصارى في دينهم وعقيدتهم ـ كما يزعم أهل التجهم والإرجاء ـ فهذا بعيد أن يكون المراد من الآية، والذي يدل على ذلك سبب نزول الآية؛ حيث أنها نزلت في عبد الله بن أبي عندما قال: إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالي من اليهود، وكان بينه وبينهم تحالف[11].
ومما يقوي هذا التفسير قوله -صلى الله عليه وسلم- :" حليف القوم منهم "[12]. وهو مفسر لقوله تعالى:{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} . فإن القرآن والسنة يصدقان بعضهما البعض.
وكذلك من الأعمال المكفرة لذاتها، محاربة المسلمين وقتلهم وقتالهم لكونهم مسلمين، وإنزال الأذى والفتنة في الدعاة منهم وتكميم أفواههم ومنعهم إظهار الحق، لا لشيء سوى أنهم دعاة إلى الإسلام؛ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} آل عمران:22. ولا يحبط العمل إلى الشرك المخرج من الملة، كما قال تعالى:{وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}الأنعام:88.
قال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى 7/287: لو قدر أن قوماً قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- : نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك ونقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه؛ فلا نصلي، ولا نصوم، ولا نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم، ولا نفعل شيئاً من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر، وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم بل نقتلك أيضاً، ونقاتلك مع أعدائك هل كان يتوهم عاقل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملو الإيمان، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة، ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار، بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك ا- هـ.
وقال في موضع آخر: إضرار المسلمين[13] يزيد على تغير الاعتقاد، ويفعله من يظن سلامة الاعتقاد، وهو كاذب عند الله ورسوله والمؤمنين في هذه الدعوى والظن، ومعلوم أن المفسدة في هذا أعظم من المفسدة في مجرد تغير الاعتقاد، من هذين الوجهين: من جهة كونه إضرار زائداً، ومن جهة كونه قد يظن أو يقال أن الاعتقاد قد يكون سالماً معه، فيصدر عمن لا يريد الانتقال من دين إلى دين ويكون فساده أعظم من فساد الانتقال؛ إذ الانتقال قد علم أنه كفر فنزع عنه ما نزع عن الكفر، وهذا قد يظن أنه ليس بكفر إلا إذا صدر استحلالاً، بل هو معصية، وهو من أعظم أنواع الكفر[14].
ومما يدل على كفر من ينزل العذاب والأذى بالمؤمنين ـ لإيمانهم ولأنهم يأمرون الناس بالقسط الذي أمر الله به ـ أنه كاره لما أنزل الله مبغض له؛ لأن موالاة المؤمنين وحبهم وحب دينهم مما أنزله الله في كتابه وأمر به، ومن كان كارهاً لما أنزل الله فهو كافر مرتد، وإن ادعى بلسانه خلاف ذلك، فإن دعوى حب الشيء ومحاربته في آنٍ معاً لا يجتمعان أبداً في قلب واحد، فأحدهما لازم لانتفاء الآخر ولا بد.
قال تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} محمد:9. فعلل سبب كفرهم بأنهم كرهوا ما أنزل الله.
وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} محمد:26.
فإذا كان الذين قالوا ـ مجرد قول ـ للذين كرهوا ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر، قد ارتدوا على أدبارهم كافرين من بعد ما تبين لهم الهدى والحق .. وإذا كان الأمر كذلك مع الذين قالوا للذين كرهوا .. فما يكون القول في الذين كرهوا ما أنزل الله ذاتهم .. لا شك أنهم أولى بالكفر والارتداد، وأغلظ كفراً ممن أطاعهم في بعض الأمر.
ومن أعظم نواقض الإسلام التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتبه بغض ما أنزل الله، حيث قال: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولو عمل به، كفر إجماعاً، والدليل قوله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} محمد:9.
قلت: والكره مكانه القلب، يعرف من خلال قرائن عملية ظاهرة تدل عليه، أصرحها دلالة على الكره، استخدام القوة وأدوات البطش والتنكيل ضد المكروه، فمن يأتي بمثل هذه القرينة الصريحة الدالة على حقيقة باطنه من العبث أن يُسأل عن قرائن أخرى أقل دلالة منها؛ كأن يقال له وهو يمعن في ذبح الشيء المكروه ـ طوعاً من غير إكراه ـ تشفياً وانتقاماً للباطل، هل تصرح بلسانك أنك تكره من تمعن فيه الذبح والبطش والتشريد والتنكيل، والقتل .. فنحن ندينك بعظمة لسانك فقط، أما عظمة يدك التي تبطش وتقتل بها فلا .. فلها الحرية أن تطيش كيفما تشاء، وحيثما تشاء.. فساحة التأويل والأعذار تسعك .. وتسع جرائمك .. نعوذ بالله من زيغ وضلال أهل التجهم والإرجاء!
ومن الأفعال الشركية المكفرة لذاتها كذلك، التوجه بأي نوع من أنواع العبادة لغير الله -عز وجل- ؛ كالسجود للأصنام، ونحوه السجود للقبور والمقامات، أو الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو الذبح لغير الله، وكذلك من يجعل بينه وبين الله وسطاء يدعوهم ويرجوهم الشفاعة ويتقرب بعبادتهم إلى الله -سبحانه وتعالى- ، فهذه أعمال هي كفر لذاتها بصرف النظر عن عنصر الاستحلال وجوداً وعدماً، كما قال تعالى عن المشركين:{أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} الزمر:3 . وقال:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} الكهف:110. وقال:{قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً} الجـن:20. وقال:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء} النساء:48. وغيرها كثير من الآيات التي تدل على كفر من أشرك مع الله أحداً في شيء من أنواع العبادة.
قال الكشميري في كتابه"إكفار الملحدين" ص68: قال ابن تيميه في كتاب "الإيمان" اتفقوا في بعض الأفعال على أنها كفر، مع أنه يمكن فيها أن لا ينسلخ من التصديق؛ لأنها أفعال الجوارح لا القلب، وذلك كالهزل بلفظ كفر وإن لم يعتقده، وكالسجود لصنم، وكقتل نبي، والاستخفاف به وبالمصحف والكعبة، واختلفوا في وجه الكفر بها بعد الاتفاق على التكفير، فقيل: إن الشارع لم يعتبر ذلك التصديق حكماً وإن كان موجوداً حقيقة.
وقال أبو البقاء في"كلياته": والكفر قد يحصل بالقول تارة وبالفعل أخرى، والقول الموجب للكفر إنكار مجمع عليه فيه نص، ولا فرق بين أن يصدر عن اعتقاد أو عناد أو استهزاء. والفعل الموجب للكفر هو الذي يصدر عن تعمد، ويكون الاستهزاء صريحاً بالدين كالسجود للصنم ا- هـ.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: من أعظم نواقض الإسلام عشرة:
الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والدليل قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء} ، ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو القباب.
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة، كفر إجماعاً[15].
ومن الأعمال المكفرة والمخرجة عن الملة كذلك الإعراض عن شرع الله تعالى إعراضاً كليا لا يتعلمه ولا يعمل به، وكذلك الإعراض عن الحكم بما أنزل الله واستبداله بحكم وشرائع الطاغوت[16].
كما قال تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} السجدة:22. وقال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} النساء:60. وقال تعالى:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}النساء:65. وقال تعالى:{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}المائدة:50. وقال تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}المائدة:44. وقال تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً}النساء:61. وقال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ}آل عمران:23. وقال تعالى:{وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}الأنعام:121. وقال تعالى:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّه} التوبة:31 . وقال تعالى:{وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}الكهف:110. وغيرها كثير من الآيات التي لو أردنا أن نتتبع أقوال العلماء والمفسرين فيها، لوجدنا أن من اتصف بالصفات التي تتضمنها الآيات الآنفة الذكر، لا يجوز إلا أن يكون كافراً مشركاً، خارجاً من ملة الإسلام[17].
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: الحاكم بغير ما أنزل الله كافر إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة[18].
أما الأول: وهو كفر الاعتقاد فهو أنواع: أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً، وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً ومراجع ومستندات؛ فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك.
فهذه المحاكم في كثير من أمصار الإسلام مهيئة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به، وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة ا- هـ.
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: لا إيمان لمن اعتقد أن أحكام الناس وآراءهم خير من حكم الله ورسوله، أو تماثلها وتشابها، أو تركها وأحل محلها الأحكام الوضعية والأنظمة البشرية، وإن كان معتقداً أن أحكام الله خير وأكمل وأعدل[19].
 


[1] مجموعة التوحيد:88- 89.
[2] المصدر السابق :241.
[3] هذا إذا كان يحسن استخدام المعاريض، ووجد فيها سعة للخروج من التلفظ بالكفر الصريح الذي يُطالب به.
[4] الصارم المسلول:31.
[5] انظر تفسير ابن كثير.
[6] الجامع لأحكام القرآن: 8/197.
[7] إكفار الملحدين:59.
[8] لم أكن لأضيف هذه الفقرة لولا أن قوماً من مرجئة العصر يحصرون جميع نواقض الإيمان في الجحود والاستحلال فقط، وما سوى ذلك فساحة الكفر العملي الأصغر تسعة، وكذلك قولهم أن العلة في كفر شاتم الله والرسول .. هي لاستحلاله الشتم وليس لذات الشتم ..!!
فانظر مثلاً ماذا يقول الشيخ ناصر في شريطه الكفر كفران:" ما نرى شاتم الله والرسول كافراً على الإطلاق؛ فقد يكون السب والشتم ناتجاً عن جهل، وعن سوء تربية، وقد يكون عن غفلة، وأخيراً قد يكون عن قصد ومعرفة، وإذا كان بهذه الصورة عن قصد ومعرفة فهو الردة الذي لا إشكال فيه، أما إذا احتمل وجهاً من الوجوه الأخرى التي أشرت إليها فالاحتياط في عدم التكفير أهم إسلامياً .." ا- هـ. وهذا كلام مردود على الشيخ .. قد عنيناه بالرد في كتابنا" الانتصار لأهل التوحيد .."فليراجع.
[9] انظر الصارم المسلول الصفحات التالية: 3و4و17و298و515 إلى 517 و512و546.
[10] أخرجه الترمذي وغيره، صحيح سنن الترمذي:1884.
[11] انظر جامع البيان للطبري وغيره.
[12] رواه الطبراني، صحيح الجامع الصغير:3156.
[13] المراد إضرار المسلمين لإسلامهم وتدينهم .. وكذلك الذي يستعدي عموم المسلمين فهو كافر؛ إذ يستحيل أن يستعدي عموم المسلمين لأمور شخصية دنيوية .. وبالتالي فلم يبق سوى أنه يستعديهم لدينهم، ومن كان كذلك لا شك في كفره وخروجه من الإسلام .. وكذلك الذي يعمم في السب فيسب جميع المسلمين من دون استثناء، فهذا أيضاً لا شك في كفره؛ إذ يستحيل أن يكون سبه لهم لسبب سوى أنهم يتدينون بدين الله تعالى الإسلام.
[14] الصارم المسلول:371.
[15] الرسائل الشخصية:212 - 213.
[16] الذي نريده هنا بيان أن الكفر يكون بالقول والعمل كما يكون بالاعتقاد، وليس إحصاء جميع الأعمال التي تُخرج صاحبها من الملة .. فهذا له موضع آخر من كتبنا وأبحاثنا؛ أنظر ـ إن شئت ـ كتاب " أعمال تُخرج صاحبها من الملة ".
[17] المسألة قد تتبعنا أقوال أهل العلم فيها في كتابنا " أعمال تخرج صاحبها من الملة " فليراجع.
[18] من أهل العلم من يُطلق كفر الاعتقاد ويُريد به الكفر الأكبر المخرج من الملة، وليس الكفر الذي يُمارس فقط على وجه الاستحلال أو الجحود القلبي .. وكذلك قولهم عن كفر العمل؛ فهم يريدون منه الكفر الأصغر ـ سواء كان باطناً أم ظاهراً ـ الذي لا يخرج صاحبه من الملة، وليس الكفر الذي يُمارس على الجوارح أو بالجوارح الظاهرة .. فتنبه لذلك.
[19] انظر رسالة تحكيم القوانين للشيخ محمد إبراهيم آل الشيخ، ص 13، 17 ـ 18. ويليها وجوب تحكيم شرع الله، للشيخ ابن باز، ص 39.ط دار المسلم.

   
F ¥ E