|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| قـواعـدٌ في التكفير |
| ـ القاعدة التاسعة:" الإسلامُ الصريحُ لا يَنقُضُه إلا الكُفرُ الصريحُ ". |
|
|
الشرح: يصير المرء مسلماً إذا أقر ـ جاداً غير هازل ـ بشهادتي
التوحيد من غير استهانة أو تمثيل[1]، ولا يجزئ عن شهادتي التوحيد
عمل سوى الصلاة؛ لتضمنها الشهادتين، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-
:" من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فذاك المسلم له
ذمة الله وذمة رسوله "رواه البخاري[2].
قال القرطبي في كتابه"الجامع" 8/207: الإيمان لا يكون إلا بلا إله
إلا الله دون غيره من الأقوال والأفعال إلا في الصلاة. قال إسحاق
بن راهويه: ولقد أجمعوا في الصلاة على شيء لم يجمعوا عليه في سائر
الشرائع؛ لأنهم بأجمعهم قالوا: من عرف بالكفر ثم رأوه يصلي الصلاة
في وقتها حتى صلى صلوات كثيرة ولم يعلموا منه إقراراً باللسان أنه
يحكم له بالإيمان، ولم يحكموا له في الصوم والزكاة بمثل ذلك ا- هـ.
ومن صار مسلماً لا يجوز إخراجه من دائرة الإسلام إلا إذا جاء بكفر
صريح بواح ـ لا يحتمل صرفاً ولا تأويلاً ـ لنا فيه من كتاب الله
وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- دليل وبرهان.
فاليقين لا ينقضه الشك، والإسلام الصريح لا ينقضه الكفر المحتمل
المتشابه.
وإليك الأدلة على ذلك:
منها الآيات التي تأمر بوجوب التبين والتثبت من كفر المعين قبل
الإقدام على تكفيره ومن ثم قتله، والتي تنهى كذلك عن أخذ الناس
بالظن والشك دون اليقين عند ورود الشبهات، كما قال تعالى:{يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ
لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ
قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ
كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}النساء:94.
وفي قوله " فتبينوا "، قال ابن جرير الطبري: يقول فتأنَّوا في قتل
من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تعجلوا
فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تقدموا على قتل أحد إلا على قتل
من علمتموه يقيناً حرباً لكم ولله ولرسوله.
وذُكر أن هذه الآية نزلت في سبب قتيل قتلته سرية لرسول الله -صلى
الله عليه وسلم- بعد ما قال: إني مسلم، أو بعد ما شهد شهادة الحق،
أو بعد ما سلم عليهم[3] لغنيمة كانت معه ، أو غير ذلك من ملكه،
فأخذوه منه ا- هـ.
وقد اختلف القراء في قراءة " فتبينوا " فمنهم من قرأها " فتبينوا
"، ومنهم من قرأها " فتثبتوا " بمعنى التثبت الذي هو خلاف
العجلة[4].
قال ابن جرير الطبري: والقول عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان
مستفيضتان في قراءة المسلمين بمعنى واحد، وإن اختلفت بهما الألفاظ؛
لأن المتثبت متبين، والمتبين متثبت، فبأي القراءتين قرأ القارئ،
فمصيب، صواب القراءة في ذلك[5].
ومن الأدلة كذلك قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ
جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً
بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
نَادِمِينَ}الحجرات:6.
قال ابن القيم: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، لما بعثه رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- إلى بني المصطلق ـ بعد الوقعة ـ
مصدقاً[6]، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم
تلقوه تعظيماً لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . فحدثه
الشيطان: أنهم يريدون قتله، فهابهم ورجع من الطريق إلى رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- . فقال: إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم
وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهمَّ أن
يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ،
فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه، ونؤدي
إليه ما قبلنا من حق، فبدا لنا فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب
جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله.
فاتهمهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وبعث خالد بن الوليد
خفية في العسكر، وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال له:" أنظر فإن
رأيت ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك
فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار " ففعل ذلك خالد، ووافاهم، فسمع
منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم
إلا الطاعة والخير. فرجع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
وأخبره الخبر، فنزلت:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ
جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} . والتبين طلب بيان
حقيقته، والإحاطة بها علماً[7].
وفي قوله:{أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ} قال ابن جرير
الطبري: فتبينوا لئلا تصيبوا قوماً برآء مما قُذفوا به بجناية
بجهالة منكم[8].
أقول: وأعظم الجنايات ظلماً قذف الناس البرآء بالكفر والارتداد عن
الدين من غير علم ولا تثبت؛ لما يترتب عليه من تبعات خطيرة لا
تُحمد عقابها.
وفي الحديث، عن عبادة بن الصامت، قال:" دعانا النبي -صلى الله عليه
وسلم- فبايعناه، فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في
منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر
أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان " متفق
عليه.
والكفر البواح هو الكفر الصريح الظاهر الذي لا يحتمل تأويلاً ولا
صرفاً، الذي لنا فيه دليل صريح من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله
-صلى الله عليه وسلم- .
ومفهوم الحديث أنه إذا رؤي من الحاكم كفر محتمل ومتشابه ليس بواحاً
وصريحاً ـ يمكن تأويله وصرفه عن ظاهره المكفر ـ فإنه لا يُكفّر،
ولا يُخرج عليه بالسيف؛ لأن الخروج بالسيف على الحاكم من لوازمه
التكفير أو أن يكون قد وقع في الكفر البواح، والعكس أيضاً فإن
التكفير من لوازمه الخروج بالسيف إذا توفرت الاستطاعة، فكل منهما
لازم وملزوم للآخر[9].
قال الخطابي: معنى قوله بواحاً، يريد ظاهراً بادياً، من باح بالشيء
يبوح به بواحاً إذا أذاعه وأظهره.
وفي قوله:"عندكم من الله فيه برهان"، قال ابن حجر: أي نص آية أو
خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما
دام فعلهم يحتمل التأويل[10 ].
قلت: ومن مقتضاه كذلك أنه لا يجوز تكفيرهم ما دام فعلهم الكفري
متشابهاً يحتمل الصرف أو التأويل.
وفي صحيح مسلم، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- :" ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر
سلم، ولكن من رضي وتابع"، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال:" لا، ما صلوا
".
وفي رواية:" وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم
ويلعنونكم"، قالوا: قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال:"
لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة ".
فهم ما داموا يقيمون الصلاة ويأمرون رعاياهم بها، لا تكفروهم،
وبالتالي لا تخرجوا عليهم مهما كان منهم من عمل ـ ما لم يكن كفراً
بواحاً ـ ظاهره الكفر لكنه يحتمل التأويل، وذلك لوجود القرينة
العظيمة ـ وهي إقامة الصلاة ـ التي تستلزم تحسين الظن بصاحبها، عند
ورود الشبهات وحصول العثرات.
وفي الحديث دلالة على أن تارك الصلاة والدعاء إليها من الأئمة
ينعزل ـ ولو بالسيف ـ وهو كافر كفراً بواحاً؛ لأن الخروج لا يتعين
إلا على من طرأ عليه الكفر البواح كما تقدم في حديث عبادة بن
الصامت وغيره.
قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر،
وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، وقال: وكذا لو ترك إقامة الصلاة
والدعاء إليها[11].
ومن الأدلة كذلك على صحة القاعدة، الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه
عن أسامة بن زيد، قال: بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في
سرية فصبحنا الحرقات من جهينه فأدركت رجلاً، فقال: لا إله إلا
الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي -صلى الله عليه
وسلم- ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" أقال لا إله إلا
الله وقتلته؟!" قال: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح،
قال:" أشققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!" فما زال يكررها علي
حتى تمنيت أن أسلمت يومئذٍ.
فأنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على أسامة صنيعه لأنه قتل الرجل
بالظن والاحتمال بعد أن أصبح إسلامه صريحاً، فرد الصريح بالمحتمل،
والإسلام الصريح لا ينقضه الكفر المحتمل القائم على الظن لا
اليقين، فإن الظن لا يغني من الحق شيئاً، كما قال تعالى:{إِنْ
يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ
الْحَقِّ شَيْئاً}النجم:28.
ونحوه الحديث عن المقداد بن الأسود أنه قال:" يا رسول الله أرأيت
إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم
لاذ مني بشجرة: فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن
قالها؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : لا تقتلهّ، قال: فقلت
يا رسول الله إنه قد قطع يدي، ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله؟
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : لا تقتله، فإنه بمنزلتك قبل
أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال"[12].
انظر كيف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهاه عن قتله، علماً أن
الصحابي حاول أن يثبت للنبي -صلى الله عليه وسلم- احتمال أن الرجل
قد يكون قال كلمته تعوذاً من السيف، وأن له المبرر لقتله وهو قطع
يده، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- ينهاه عن قتله مبيناً له أن
الأحكام لا تبنى على الاحتمال والظن مهما كان الدافع لذلك، و أن
الإسلام الصريح إذا تحقق لا ينقضه إلا الكفر الصريح.
قال ابن بطال: من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلى
بيقين[13].
ومما يدل كذلك على صحة هذه القاعدة، موقف النبي -صلى الله عليه
وسلم- من الخارجي الذي قال له: اتق الله يا محمد!! فقال له رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- :" من يُطيع الله إذا عصيته .."!
فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال:" لا، لعله
يكون يصلي" قال خالد: وكم من مصل، يقول بلسانه ما ليس في قلبه،
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" إني لم أؤمر أن أنقب عن
قلوب الناس ولا أشق بطونهم " متفق عليه.
ونحو ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ـ كما في الحديث المتفق
عليه ـ للزبير في خلافه مع الأنصاري في شراج الحَرَّة التي يسقون
بها:" اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك "، فغضب الأنصاري، وقال: يا
رسول الله أن كان ابن عمتك ؟! " فتلون وجه رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- ..!
أي حكمت للزبير وحابيته في الحكم لأنه ابن عمتك .. وهذا كلام خطير
جداً يرقى إلى درجة الكفر، لكنه في حق الأنصاري عُد من الكفر
المتشابه المحتمل الذي لا يُقاوم ما عليه من الإسلام الصريح .. لذا
أقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عثرته ولم يُعرف عنه أنه استتابه
من الكفر أو الردة.
وكذلك موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- من ابن أبي ومن معه من
المنافقين وما كان يظهر منهم من فلتات تدل على نفاقهم وكفرهم لكنها
لا ترقى إلى درجة اليقين والكفر الصريح فيقيل عثراتهم لأجل ذلك،
ويقبل أعذارهم ..!
وفي الحديث الضعيف:" ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم، فإن كان
له مخرج فخلوا سبيله ". فالحديث وإن كان ضعيفاًً إلا أن معناه صحيح
قد دلت عليه قواعد الدين ونصوصه.
ومن الحدود التي ينبغي درؤها بالشبهات حد الردة والحكم على أعيان
الآخرين بالكفر والردة.
ولو أردنا أن نتتبع أدلة الكتاب والسنة الواردة في هذا المعنى،
لوقفنا على عشرات الأدلة والنصوص التي تدلل على صحة القاعدة الآنفة
الذكر.
وكذلك موقف خالد من مجاعة، وكيف أنه أقال عثرته؛ لأن كفره لم يكن
محكماً وإنما كان متشابهاً محتملاً .. لا يمكن أن يُقاوم ويرد
الإسلام الصريح الذي كان عليه مجاعة ومن معه .. وقد تقدمت قصته.
وكذلك موقف علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- من الخوارج وتوقفه عن
تكفيرهم رغم تكفيرهم له ولغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
ومما يدخل في ذلك موقف سلفنا الصالح من أهل الأهواء، وتوقفهم عن
تكفير بعض أعيانهم رغم ما كان يصدر عنهم من أمور مكفرة، وإحصاء ذلك
وتتبعه يطيل بنا المقام، ويخرجنا عن الغاية من هذا الكتاب.
ومن هنا جاء قول بعض أهل العلم: بوجوب التوقف عن التكفير عند حصول
التردد، وأن الأمر إذا كان يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجه، ومن
وجه واحد يحتمل غير الكفر، فالأولى حينئذٍ الإمساك عن التكفير،
والله تعالى أعلم.
ـ مسألة: الخطأ في تكفير المسلم أغلظ من الخطأ في الحكم على الكافر
بالإسلام.
ومما يستدعي كذلك التوقف عن تكفير المعين عند حصول الظن والتردد
وغياب اليقين الذي تطمئن إليه النفس، أن الخطأ في تكفير المسلم
أغلظ من الخطأ في الحكم على كافرٍ بالإسلام، وذلك لوجوه:
منها: أن تكفير المسلم خطأ يستلزم انتهاك جميع الحرمات التي صانها
له الإسلام بغير حق، ويعني كذلك قطع جميع روابط الود والموالاة
بينه وبين المؤمنين؛ فتكفير المسلم كقتله، كما في الحديث:" إذا قال
الرجل لأخيه: يا كافر فهو كقتله، ولعن المؤمن كقتله "[14].
بينما هذا المحظور لا يحصل عند الخطأ في الحكم على كافر بالإسلام،
بل يحصل خلافه حيث يمنح حصانة الإسلام؛ فيحرم دمه وماله وعِرضه،
ويعطى الموالاة التي يجب أن تكون بين المسلمين وغير ذلك من الحقوق.
ومنها: أن الخطأ في تكفير المسلم خطأ مضاعف؛ فهو خطأ في حق الله
تعالى حيث حكم على المسلم بالكفر بخلاف حكم الله، فهو بذلك لم يُصب
حكم الله.
وهو من جهة ثانية خطأ في جانب العبد لما يترتب على تكفيره من سلب
لجميع الحقوق التي حفظها له الإسلام .. فالخطأ هنا خطآن: خطأ بحق
الله، وخطأ بحق العبد.
بينما الخطأ في الحكم على الكافر بالإسلام، هو خطأ في حق الله فقط؛
حيث حكم عليه بخلاف حكم الله .. فلم يُصب فيه حكم الله[15].
ولا شك أن الخطأ في حق الله والعباد أغلظ من الخطأ الذي يكون بين
العبد وربه وحسب، كما في الحديث:" الظلم ثلاثة، فظلم لم يغفره
الله، وظلم يغفره، وظلم لا يتركه، فأما الظلم الذي لا يغفره الله
تتعالى فالشرك، قال تعالى:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ،
وأما الظلم الذي يغفره فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم،
وأما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضاً حتى يدبر
لبعضهم من بعض"[16].
ومنها: أن الخطأ في تكفير المسلم مشكل على صاحبه، قد يورده موارد
الهلكة والكفر وهو لا يدري، وبخاصة إن كان تكفيره للمسلم لا يرتكز
إلى مستند شرعي صحيح، وتأويل معتبر.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" أيما
امرئ قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا
رجعت " مسلم.
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من قال في مؤمن ما ليس فيه، حُبس في
ردغة الخبال، حتى يأتي بالمخرج مما قال "[17].
وهذا مزلق لا يترتب على الخطأ في الحكم على الكافر بالإسلام،
وبخاصة إن كان هذا الخطأ ناتجاً عن اجتهاد وتأويل.
قال الغزالي في كتابه" التفرقة بين الإيمان والزندقة ": ينبغي
الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة دماء المصلين
المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من
الخطأ في سفك دم لمسلم واحد[18].
ومنها: أن قواعد ونصوص الشريعة أميل للأخذ بالعفو ما وجد إليه
سبيلاً، فالخطأ في العفو والصفح أهون من الخطأ في العقوبة، كما في
الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قُتل رجل على عهد النبي
-صلى الله عليه وسلم- ، فرفع ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ،
فدفعه إلى ولي المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله، والله ما أردت
قتله. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للولي:" أما إنه إن كان
صادقاً ثم قتلته دخلت النار " قال: فخلى سبيله[19].
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال:" ما رأيت النبي -صلى الله
عليه وسلم- رُفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر به بالعفو "[20].
وفي قوله تعالى:{خُذِ العفْوَ} قال عبد الله بن الزبير: أُمر النبي
-صلى الله عليه وسلم- أن يأخذ العفو من أخلاق الناس[21].
وفي الحديث الضعيف:" فإن الإمام إن يُخطئ في العفو خيرٌ من أن
يُخطئ في العقوبة "[22]. فالحديث وإن كان ضعيفاً إلا أن معناه صحيح
قد دلت عليه أصول الشريعة وقواعدها.
ـ تنبيه: من مقتضيات العمل بهذه القاعدة "الإسلام الصريح لا ينقضه
إلا الكفر الصريح " الإمساك عن تكفير أهل الكبائر والمعاصي التي هي
دون الكفر أو الشرك الأكبر، كما قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا
يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
يَشَاء} النساء:48.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" أعطت
الشفاعة وهي نائلة من لا يشرك بالله شيئاً "[23].
وعن ابن عمر قال: ما زلنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى
سمعنا من في نبينا -صلى الله عليه وسلم- يقول:" إن الله تبارك
وتعالى لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فإني أخرت
شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة "، فأمسكنا عن كثير مما
كـان في أنفسنا[24].
كما أن الإمساك عن تكفير ذوي الكبائر والذنوب من العصاة، يعتبر من
أبرز ما يميز أهل السنة والجماعة عن الخوارج الغلاة الذين يكفرون
أهل القبلة بالكبائر والذنوب التي هي دون الكفر الأكبر.
وقد تقدم الحديث عن هذه المسألة بشكل متفرق في طيات هذا الكتاب، ما
يغني عن إعادته في هذا الموضع.
وكذلك مما يستفاد من هذه" القاعدة " الإمساك عن الخوض في عقائد
وأعراض الناس من غير علم ولا تثبت، وبخاصة إن كان هؤلاء الناس ممن
يحسن التأويل لهم، وينبغي تحسين الظن بهم .. ممن لهم سابقة علم
وابتلاء وجهاد في الإسلام.
فرب كلمة يطلقها المرء لا يلقي لها بالاً، ولا يحسب لها حساباً،
توبقه في نار جهنم وبئس المصير، وتوجب عليه غضب الله تعالى وهو لا
يدري.
كما قال تعالى:{وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ
بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ
عَظِيمٌ}النور:15.
وقال تعالى:{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا
بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً}الأحزاب:58.
وأشد ما يؤذي المؤمنين طعنهم في دينهم وعقيدتهم ـ أعز ما يملكون ـ
ورميهم بالكفر والزندقة، وهم من ذلك بُرءاء.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من قال
في مؤمن ما ليس فيه، حُبس في ردغة الخبال، حتى يأتي بالمخرج مما
قال "[25].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إن من أربى الربا الاستطالة في عرض
المسلم بغير حق "[26].
[1] أقول ذلك لأنه يوجد في زماننا من يتلفظ
بشهادة التوحيد على وجه التهكم والتمثيل والخصام، ومن كان كذلك
فشهادته لا تعتبر لأنها لم تخرج منه على وجه الاعتقاد والإيمان
والإذعان.
[2] قد تقدم التنبيه على الفارق بين ما يصير المرء به مسلماً
ويُحكم له بالإسلام، وبين الوصف الذي يحافظ له على إسلامه خلال
حياته؛ أما يصير به مسلماً فبقوله:" لا إله إلا الله"، وأما ما
يحفظ له إسلامه خلال حياته يكون بعدم وقوعه في ناقضه من نواقض
التوحيد، فإن أظهر ما ينقض توحيده ويضاده يكون قد أتى بالشيء وضده
في آن معاً وخرج من الإسلام.
[3] هذه الصيغ كلها مروية بالسند أنظرها في تفسير الطبري.
قلت: وهم لم يقبلوا منه مقولته هذه لأنهم ظنوا أنه قالها تعوذاً
وفرقاً من السيف، لكن القرآن يبطل ما بنوه على الظن، ويبين أن
الأحكام ـ وبخاصة منها الكفر وهدر الدم ـ لا بد من أن تبنى على
اليقين الجلي الواضح ـ لا الظن ـ الذي يدفع أدنى ريب وشك .. {إِنَّ
الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً}يونس:36.
[4] مختصر عن تفسير الطبري.
[5] تفسير الطبري:4/227. ط دار الكتب العلمية.
[6] أي جالباً للصدقات.
[7] تفسير القيم لابن القيم:440.
[8] جامع البيان:11/385.
[9] هذا مذهبنا في المسألة، لدلالة النصوص عليه من جهة، والتي منها
حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين المتقدم، ومنها قوله -صلى الله
عليه وسلم- في الصحيح:" إنكم سترون بعدي أثرةً وأموراً تنكرونها"
قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال" أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله
حقكم".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه،
فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية" وقال:" من رأى من
أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبراً إلا
مات ميتة جاهلية".
ومن حديث حذيفة بن اليمان:" فإن رأيت خليفة فالزمه وإن ضرب ظهرك"
وفي رواية لمسلم:" تسمع وتطيع للأمير وإن شرب وأخذ مالك فاسمع وأطع
". وقال -صلى الله عليه وسلم- :" عليك بالسمع والطاعة في عسرك
ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرةٍ عليك ". وفي رواية:" اسمع وأطع في
عسرك ويسرك ـ ومنشطك ومكرهك، وأثره عليك وإن أكلوا مالك وضربوا
ظهرك ". وغيرها كثير من الأحاديث الصحيحة التي تأمر بكف الخروج على
أئمة الجور ما لم يبلغ جورهم الكفر البواح.
ومن جهة ثانية فإن الخروج على أئمة الجور والفسق ـ ما لم يبلغ
فسقهم درجة الكفر الأكبر ـ مؤاده إلى مفسدة أعظم من مفسدة إقرارهم
على الحكم مع نصحهم باللسان، والمواظبة على أمرهم بالمعروف ونهيهم
عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة.
قال ابن حجر في الفتح 13/7:" قال ابن بطال: في الحديث حجة في ترك
الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة
السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في
ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع
من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته
لمن قدر عليها "ا- هـ.
وقال ابن حجر في موضوع آخر من المفتح 13/61، في معرض تعليقه على
حديث ابن عمر عندما أنكر على أهل المدينة خلعهم ليزيد بن معاوية
بعد أن بايعوه:" في هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له
البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع
بالفسق "ا- هـ.
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم 12/229: وأما الخروج عليهم وقتالهم
فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث
بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق.
قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على
ذلك من الفتن وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة ذات
البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ا- هـ.
قلت: وصبر الإمام أحمد على جالديه وضاربيه من الولاة ـ بسبب فتنة
خلق القرآن ـ ما هو إلا من هذا القبيل.
ولكن مما يجب أن يتنبه له القارئ أن كلام العلماء الآنف الذكر لا
يجوز حمله على الحاكم الكافر كفراً بواحاً لدلالة الأدلة من جهة،
ومن جهة ثانية فإن الصبر عليه يكون أشد فتنة من الخروج عليه عند
الاقتدار، مهما ترتب على الخروج من تضحيات، كما قال
تعالى:{وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}. وقال:
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ
لِلَّهِ} . ولا فتنة تعلو فتنة الكفر عندما يعلو ويسود البلاد
والعباد .. والمسألة ليس هنا محل بسطها، فقد خصصنا لها بحثاً
مستقلاً أسميناه " فصل الكلام في مسألة الخروج على الحكام "
فليراجعه من شاء.
[10] فتح الباري:13/8.
[11] شرح صحيح مسلم: 12/229.
[12] متفق عليه. وقوله:" فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله " أي مصان الدم
والحرمات بسبب إسلامه كما أنت مصان الدم والحرمات بسبب إسلامك ..
وقبل أن تقتله. وقوله:" إنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته " أي حلال
الدم كما كان هو حلال الدم قبل أن يقول كلمته بسبب كفره؛ لأنك تكون
قد قتلت نفساً مسلمة ـ عن سابق إصرار وعلم ـ بغير حق.
[13] فتح الباري لابن حجر:12/314.
[14] رواه أحمد، والبخاري، صحيح الجامع:710.
[15] إذا كان هذا الخطأ ناتجاً عن اجتهاد وتأويل معتبر لا يحمل على
صاحبها قاعدة:" من لم يكفر الكافر، فقد كفر " وهذه مسألة سنأتي على
ذكرها بالتفصيل عند شرح القاعدة الآنفة الذكر.
[16] صحيح الجامع:3961.
[17] رواه احمد، وأبو داود، والحاكم، السلسلة الصحيحة:437.
[18] عن فتح الباري لابن حجر:12/314.
[19] صحيح سنن أبي داود: 3775.
[20] صحيح سنن أبي داود: 3774.
[21] صحيح سنن أبي داود: 4004.
[22] ضعيف سنن الترمذي: 237.
[23] رواه ابن أبي عاصم، وصححه الشيخ ناصر في تخريجه.
[24] رواه ابن عاصم في السنة، وحسنه الشيخ ناصر في التخريج.
[25] تقدم تخريجه.
[26] صحيح سنن أبي داود:4081.
|
|
|
|
|
F
¥
E |
|