الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
قـواعـدٌ في التكفير
ـ مسألة التوقف والتبين:
  ـ مسألة التوقف والتبين:
من المسائل المثارة في هذا الزمان، وشغلت طائفة من طلبة العلم والباحثين، مسألة التوقف والتبين، فقالوا: نتوقف في الحكم على الناس، فلا نحكم عليهم بكفر أو إيمان حتى نتبين منهم ..!
وفريق منهم اشترطوا إضافة إلى التوقف والتبين اختبار الناس وتقريرهم على عقيدة معينة، فإن أجابوهم حكموا بإسلامهم، وإن لم يجيبوهم ـ أو لم يُحسنوا إجابتهم ـ حكموا عليهم بالكفر ..!
أقول: وهذا كله من الشطط والغلو وهو بخلاف ما دلت عليه نصوص الشريعة وقواعدها .. نختصر الرد عليه في النقاط التالية:
1- القول بالتوقف والتبين، وبالمنزلة بين المنزلتين؛ بحيث لا نحكم على أحدٍ بكفرٍ ولا إسلام إلا بعد التبين هو من التكلف الذي نُهينا عنه، وهو قول محدث بخلاف ما كان عليه السلف الصالح، وما دلت عليه نصوص الشريعة، فالناس إما كافر وإما مسلم، وليس هناك منزلة بينهما يكون الواقف فيها لا كافر ولا مسلم، قال تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}التغابن:2.

2- القول بالتوقف، والمنزلة بين المنزلتين هو أقرب إلى قول المعتزلة الضلال الذين حكموا على مرتكب الكبيرة بالمنزلة بين المنزلتين فقالوا:" لا هو كافر ولا هو مؤمن، وهو بين المنزلتين "، وهذا بخلاف ما تقدم بأن الناس إما كافر وإما مسلم أو مؤمن.

3- ويُقال لأهل التوقف كذلك: هذا الذي لا تحكمون عليه بكفر ولا إسلام، كيف تتعاملون معه في مرحلة ما قبل التبين والتثبت .. وقد تطول لسنة وربما سنوات .. وربما العمر كله؟!
فإن قالوا: نعامله على أنه مسلم ..!
يُقال لهم: كيف تُعاملونه على أنه مسلم وأنتم لا تعتقدون إسلامه؟!
فإن قالوا: نعامله على أنه كافر ..!
يُقال لهم كذلك: كيف تعاملونه على أنه كافر وأنتم لا تعتقدون كفره ؟!
فإن قالوا: نتجاهله .. فلا نعامله على أنه مسلم .. ولا على أنه كافر!
يُقال لهم: هذا غير ممكن عقلاً ولا شرعاً .. فالناس بحاجة إلى بعضهم البعض ولا بد من أن يُعاملوا بعضهم البعض، وهذا من لوازمه أن يعرفوا بعضهم البعض!
ويُقال لهم كذلك: كيف تحيون العمل بعقيدة الولاء والبراء وأنتم تجهلون دين وعقائد الآخرين .. فلا تعتقدون فيهم ما يلزم البراء ولا ما يُلزم الولاء؟!

4- العمل بقول وعقيدة أهل التوقف والتبين غير مقدور عليه وهو فوق القدرة والطاقة البشرية إذ كيف يستطيع إنسان أن يتبين من عقيدة ودين مليار ونصف المليار مسلم يعيشون في أمصار مختلفة ومتعددة ومتباعدة .. فهذا غير ممكن .. وإذا كان غير ممكن فالإسلام أرفع من أن يكلف العباد بما لا يمكن ولا يُقدر عليه، كما قال تعالى:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا}البقرة:286. وقال تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا}التغابن:16. وقال تعالى:{لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا}الأعراف:42.

5- فإن قيل ما هو الضابط الذي يُعين على تحديد الكافر من المسلم، ومعرفة كل واحد منهما؟
أقول: الضابط هو المجتمعات التي يعيش فيها الناس، فأحكامهم تبع للمجتمعات التي يعيشون فيها؛ فإن كانت مجتمعات إسلامية أو يغلب على سكانها الإسلام .. عُومل الناس في تلك المجتمعات معاملة المسلمين وحُكم لهم بالإسلام ما لم تظهر منهم أو من بعضهم قرائن وعلامات تدل على كفرهم وعدم إسلامهم[1].
وكذلك إن كانت المجتمعات غير إسلامية يغلب على أهلها الكفر والشرك عومل الناس فيها معاملة الكافرين، وأخذوا أحكامهم ما لم تظهر منهم القرائن والعلامات الدالة على إسلامهم وأنهم من المسلمين .. فهذا هو الضابط والميزان الذي نميز به بين المسلمين والكافرين.
فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لما سُئل: أي الإسلام خير؟ قال: تُطعم الطعام، وتُقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " متفق عليه.
فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسلام على من لا تعرف ممن يعيش مع المسلمين في مجتمعاتهم .. ما لم تظهر عليهم القرائن الدالة على عدم إسلامهم.
ثم إلقاؤك عليه السلام هو حكم منك عليه بالإسلام ـ رغم أنك لا تعرفه ـ لأن السلام لا يُلقى إلا على مسلم.
وقد عد النبي -صلى الله عليه وسلم- اشتراط المعرفة ـ كما هو مذهب أهل التوقف ـ لإلقاء السلام من أشراط الساعة، حيث قد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة " وفي رواية:" أن يُسلم الرجل على الرجل لا يُسلم عليه إلا للمعرفة ". أي يسلم عليه لكونه يعرفه أما إذا كان لا يعرفه لا يُسلم عليه .. فهذا الخلُق السيئ من أشراط وعلامات الساعة!
وعن الطفيل بن أُبي بن كعب: أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله بن عمر على سقَّط ـ وهو الذي يبيع سقَط المتاع ـ ولا صاحب بيعة، ولا مسكين ولا أحد إلا سلم عليه!
قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يوماً فاستتبعني إلى السوق، فقلت: ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق، فاجلس بنا هنا نتحدث، فقال لي عبد الله:" يا أبا بطن ـ وكان الطفيل ذا بطن ـ إنما نغدو من أجل السلام، نسلم على من لقينا "[2].
وكان -رضي الله عنه- لشدة ما عُرف عنه أنه يُسلم على من يعرف ومن لا يعرف كان يُسلم خطأ على نصارى أهل الذمة وهو لا يعلم، كما في الأثر الصحيح عن عبد الرحمن بن محمد بن زيد بن جُدعان، قال: مر ابن عمر بنصراني فسلم عليه، فرد عليه السلام، فأُخبر أنه نصراني، فلما علم رجع، فقال:" رُد علي سلامي "[3]. وكان يحصل ذلك لغيره من السلف .. وسبب ذلك أن الناس كانوا يُؤخذون ويُعاملون على أساس المجتمع الذي يعيشون فيه ما لم تظهر منهم القرائن التي تُثبت العكس، وتُخالف هذا الضابط والأصل.
وفي الأثر كذلك عن عقبة بن عامر الجُهني -رضي الله عنه- : أنه مرَّ برجل هيئته هيأة مسلم، فسلّم فردَّ عليه: وعليك ورحمة الله وبركاته، فقال له الغلام: إنه نصراني! فقام عُقبة فتبعه حتى أدركه فقال: إن رحمة الله وبركاته على المؤمنين، لكن أطال الله حياتك، وأكثر مالك وولدك [4].
فتأمل كيف اعتبر هيئته المشابهة لهيئة المسلمين ـ مع سكناه بين أظهر المسلمين ـ قرينة دالة على إسلامه، مما حمله أن يسلم عليه كما يُسلم على المسلمين .. والخطأ في مثل هذه المواضع وارد لكنه مغفور إن شاء الله لأنه ناتج عن اجتهاد ومن غير تعمد أو قصد، كما في الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ".
خلاصة القول: أن الناس يُحكم عليهم على أساس المجتمعات التي ينتمون ويعيشون فيها، فإن كانت إسلامية حُكم بإسلامهم وعوملوا معاملة المسلمين ما لم يظهر من أحدهم ما يدل على كفره أو أنه من الكافرين .. وإن كانت مجتمعات كافرة حُكم عليهم بالكفر وعُوملوا معاملة الكافرين ما لم يظهر من أحدهم ما يدل على إسلامه أو أنه من المسلمين .. لهذا السبب وغيره حض الشارع على الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.

 


[1] قد يتخلل المجتمع العام الإسلامي مجتمع صغير كقرية أو ناحية وغير ذلك يكون جميع أو غالب سكانه كفار غير مسلمين؛ كأن يكونوا يهوداً أو نصارى، أو من القرامطة الباطنيين وغير ذلك .. فحينئذٍ هذا المجتمع الصغير لا يأخذ حكم ووصف المجتمع الإسلامي الكبير .. بل يأخذ حكم ووصف المجتمع الكافر من حيث التعامل مع أفراده وتحديد هو يتهم ودينهم.
وكذلك المجتمع الكافر عندما تتواجد فيه قرية أو منطقة يكون جميع سكانها أو غالبهم من المسلمين .. فحينئذٍ تتميز هذه القرية أو المنطقة عن المجتمع العام الكافر من حيث التعامل مع الأفراد وتحديد هويتهم ودينهم.
[2] صحيح الأدب المفرد: 770.
[3] صحيح الأدب المفرد: 849.
[4] صحيح الدب المفرد: 847.

   
F ¥ E