الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
قـواعـدٌ في التكفير
ـ القاعدة العاشرة:" العِبرةُ بالخواتِيمِ ".
  الشرح: اعلم أن العبرة بالخواتيم وبما يختم به على المرء؛ فإن ختم له بالإيمان فهو مؤمن ومن أهل الجنة مهما كان منه قبل ذلك من عمل طالح، وإن ختم له بالكفر فهو كافر، ومن أهل النار مهما كان منه قبل ذلك من عمل صالح، فالعبرة فيما تكون عليه الموافاة، وبما يُختم به على المرء من عمل.
وإليك الدليل على ذلك:
قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ}البقرة:162. فقيد اللعن والعذاب والخلود فيه، بموتهم وهم كفار.
وكلك قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}آل عمران:91. فقيد كذلك العذاب بموتهم وهم كفار.
وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} محمد:34. فعلق عذابهم وانتفاء المغفرة عنهم بموتهم على الكفر، وهم كفار.
وقوله تعالى:{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيما} النساء:18. فنفى التوبة عمن توافيهم المنية وهم كفار.
وقوله تعالى:{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}البقرة:217. فقيد إحباط العمل والخلود في نار جهنم بالموافاة على الكفر {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}، وهذا يعني أن المرء لا يحرم الاستفادة من حسناته مطلقاً إلا بالموافاة على الكفر، وهذه مسألة سنأتي على ذكرها بشيء من التفصيل لاحقاً إن شاء الله.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة " مسلم. فانظر كيف اشترط لدخول الجنة الموت على التوحيد .. والعلم بالتوحيد.
ونحوه قوله -صلى الله عليه وسلم- :" أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" مسلم.
وقوله -صلى الله عليه وسلم- :" ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة "مسلم. فانظر كيف قيدت هذه الأحاديث دخول الجنة بالموافاة على التوحيد والموت عليه، وهذا معناه أن من مات على غير التوحيد ـ وإن كان قبل موته من أهل التوحيد ـ لا يكون من أهل الجنة، ولا يدخلها.
وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- :" فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " متفق عليه. وقوله " فيسبق عليه الكتاب " أي المكتوب في الكتاب، فيعمل بما كُتب عليه وقُدر وتكون موافاته عليه.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" لا تعجبوا بعمل أحد حتى تنظروا بما يختم له، فإن العامل يعمل زماناً من دهره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملاً سيئاً، وإن العبد ليعمل زماناً من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملاً صالحاً، وإذا أراد الله بعبد خيراً استعمله قبل موته فوفقه لعمل صالح، ثم يقبضه عليه "[1].
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت يا رسول الله ابن جدعان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال:" لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين "مسلم.
فتأمل كيف أن حسناته السالفة لم تنفعه لكونه مات على الشرك، بينما الذي يموت على التوحيد، فإن خاتمته الطيبة تنفعه مهما كان منه قبل ذلك من عمل سيئ، كما في صحيح البخاري: أن رجلاً مقنعاً بالحديد أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، أقاتل أو أسلم؟ قال:" أسلم ثم قاتل " فأسلم ثم قاتل فقتل. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" عمل قليلاً وأجر كثيراً ".
وفي رواية عند مسلم: جاء رجل من الأنصار، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ثم تقدم فقاتل حتى قتل، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- :" عمل يسيراً وأجر كثيراً ".
ونحو ذلك الحديث الذي في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد، من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب الناس " مسلم.
فانظر كيف قيد كونه من أصحاب النار بالموت على الكفر وجحود النبوة والرسالة.
وقد أثر عن الإمام أحمد أنه حين احتضر جعل يُكثر أن يقول: لا بَعْد، لا بعد، فقال ابنه عبد الله: يا أبت ما هذه اللفظة التي تلهج بها في هذه الساعة؟ فقال: يا بني إن إبليس واقف في زاوية البيت وهو عاض على أصبعه وهو يقول: فتَّني يا أحمد، فأقول لا بعد، لا بعد؛ يعني لا يفوته حتى تخرج نفسه من جسده على التوحيد، أما ما دام على قيد الحياة فإن الفتنة لا تؤمن عليه[2].
قال النووي رحمه الله: فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل، هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة[3]. نسأل الله تعالى حسن الخاتمة، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها.

 


[1] رواه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة:1334.
[2] مقدمة مسند الإمام أحمد:1/14، ط المكتب الإسلامي.
[3] شرح مسلم:1/217.

   
F ¥ E