الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
قـواعـدٌ في التكفير
المسألة الأولى: هل يشهد للمعين من المسلمين بالجنة؟
  أقول: يوجد فرق بين الشهادة على عامة موتى المسلمين بأنهم في الجنة ومن أهلها، وأن قتلى المسلمين شهداء وهم في الجنة، وبين الشهادة على الشخص المعين بأنه من أهل الجنة؛ فالأولى جائزة وهي واجبة، وصيغها كأن يقال: قتلى المسلمين شهداء وهم في الجنة، شهداء المسلمين في فلسطين في الجنة، وقتلى المسلمين في حروب الردة، أو في معركة اليرموك، أو في معركة حطين وغيرها شهداء وهم في الجنة، وكذلك من قتل على السنة في سبيل الله فهو شهيد وهو في الجنة .. من قُتل دون دينه .. دون عِرضه .. دون ماله .. دون مظلمته فهو شهيد، وهو من أهل الجنة .. فهذه الإطلاقات العامة جائزة لا حظر فيها ولا حرج، والأدلة عليها من الكتاب والسنة وفعل السلف الصالح متواترة.
أما الشهادة على شخص معين باسمه بأنه شهيد ومن أهل الجنة، فهو المنهي عنه، فلا لا يُشهد لمعين بالجنة إلا من جاء بحقه نص من النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه من أهل بالجنة، كالمبشرين العشرة بالجنة وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم، فمن شهد له النص بأنه من أهل الجنة فنحن نشهد له تباعاً بأنه من أهل الجنة ومن غير زيادة أو نقصان.
والذي يستدعي الإمساك عن الجزم للمعين بأنه شهيد ومن أهل الجنة، الأسباب التالية:
أولاً: أن الأعمال التي توجب لصاحبها الجنة يشترط لها سلامة النية والقصد والاعتقاد؛ فمن لم يأت بالإخلاص والاعتقاد الصحيح لا ينتفع بشيء من عمله، بل يكون عليه سبباً في الهلاك والعذاب.
وقد تقدم أن معرفة حقيقة ما في القلوب وما تنعقد عليه النوايا هو من خصوصيات الله وحده، فلا يعلم ما في القلوب غلا علام الغيوب.
فالله يعلم ونحن لا نعلم {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} النور:19. ومن كان لا يعمل لا يصح أن يكون شاهداً على ما لا علم له به.
فكم من معين يُشهد له بالجنة والصلاح، وهو في علم الله قد يكون من أهل الكفر والنفاق الذين يكونون في الدرك الأسفل من النار.
روى البخاري في صحيحه تحت عنوان:"باب لا يقول فلا ن شهيد" قال أبو هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- :"والله أعلم بمن يجاهد في سبيله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله". إذ أن هناك من يجاهد سمعة ورياء، وغضباً لغير الله تعالى .. ولا يعلم ذلك عنه إلا الله تعالى.
وعن سهل بن سعد الساعدي، أن رسول -صلى الله عليه وسلم- التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مالَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجل، لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد، كما أجزأ فلان، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :"أما إنه من أهل النار"، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه، قال فخرج معه كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجرح الرجل جرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أشهد أنك رسول الله، قال:" وما ذاك؟" قال: الرجل الذي ذكرت آنفاً أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحاً شديداً. فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك:" إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة "[1].
قال ابن حجر: قوله "باب لا يقال فلان شهيد" ، أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي، وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال: تقولون في مغازيكم فلان شهيد، ومات فلان شهيداً، ولعله قد يكون قد أوقر راحلته، ألا لا تقولوا ذلكم ولكن قولوا كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد " وهو حديث حسن أخرجه أحمد وغيره.
وعلى هذا فالمراد النهي عن تعيين وصف واحد بعينه بأنه شهيد، بل يجوز أن يقال ذلك على طريق الإجمال.
وقوله:"والله أعلم بمن يُكلم في سبيله" أي فلا يعلم ذلك إلا من أعلمه الله، فلا ينبغي إطلاق كون كل مقتول في الجهاد أنه في سبيل الله[2]ا- هـ.
ونحو ذلك ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:" إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأُتي به، فعرَّفه نعمَهُ، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل تعلَّم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما فعلت فيها؟ قال تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن يُنفق فيها، إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه ثم ألقي في النار".
فتأمل هذه الأصناف الثلاثة ـ الشهيد، والعالم القارئ، والمتصدق المنفق في أوجه الخير ـ كيف أن الله تعالى أحبط أعمالهم لعلمه بفساد نيتهم وقصدهم، وهذا علم أنى لنا بمعرفته والإحاطة به، فالله يعلم ونحن لا نعلم، والله لا يقبل من العمل الصائب إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم، كما في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" قال الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركته".
وكذلك الذي يأمر الناس بالمعروف ولا يأتيه، وينهاهم عن المنكر ويأتيه، فهو في علم الناس وظنهم أنه من أهل الجنة لصلاحه، وأمره لهم بالمعروف ونهيه عن المنكر، بينما هو في علم الله -سبحانه وتعالى- من أهل النار.
كما في الحديث، عن أسامة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:" يُجاء بالرجل يوم القيامة، فيُلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلان! ما شأنك؟! أليس كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟! قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه "متفق عليه.

ثانياً: إن القطع "للمعين" ـ من غير نصٍّ ـ بأنه شهيد ومن أهل الجنة، فيه تزكية لهذا المعين على الله تعالى بغير علم، وهو نوع من التألي على الله .. وهذا أمر قد نهت عنه الشريعة.
قال تعالى:{فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}ا لنجم:32.
وقال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}النساء:49.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم " مسلم. فإذا كان المرء لا يجوز أن يُزكي ـ وهي نفسه التي لا تخفى عليه ـ فكيف له أن يُزكي الآخرين!
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إن كان أحدكم مادحاً لا محالة، فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يزكي على الله أحداً " البخاري.
فقوله"لا محالة" يعني أن الأصل أن لا يمدح، ولكن إذا كان لا مناص منه ولا بد فليمدح بما يعلم ولا يقول ما لا علم له به، ثم هو بعد ذلك يُعلق مدحه بقوله " ولا يزكي على الله أحداً " فالله أعلم بأهل البر والتقوى.
وعن كعب بن عُجرة -رضي الله عنه- قال: فقد النبي -صلى الله عليه وسلم- كعباً، فسأل عنه؟ فقالوا: مريض، فخرج يمشي حتى أتاه، فلما دخل عليه قال:" أبشر يا كعبُ " فقالت أُمه: هنيئاً لك الجنة يا كعب! فقال -صلى الله عليه وسلم- :" من هذه المتأليَّةُ على الله؟! قال: هي أمي يا رسول الله. فقال:" وما يدريك يا أمَّ كعبٍ، لعلَّ كعباً قال مالا يعنيه، أو منع مالا يعنيه!"[3].
وفي صحيح البخاري، عن ابن مليكة أنه قال: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.
فإذا كان هذا شأن الصحابة مع أنفسهم، فإنه لحري بمن هم دونهم أن يتهموا أنفسهم وأن لا يزكوا أنفسهم ـ ولا غيرهم ـ على الله.

ثالثاً: الشهادة للمعين بالجنة ـ من غير دليل ـ يستلزم مساواته بالصحابة الذين شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، وهذا يعني أنه لم تعد للصحابة المشهود لهم بالجنة ميزة على غيرهم، كما لم تعد لشهادة النبي -صلى الله عليه وسلم- لبعض أصحابه بالجنة تلك الميزة والخاصية العظيمة ما دام لغير النبي -صلى الله عليه وسلم- يصح له أن يحكم على من يشاء بأنه من أهل الجنة ..!!
وهذا أمر مرفوض بالنقل والعقل .. لا يجوز القول به.

لأجل هذه الأسباب الثلاثة ـ الآنفة الذكر ـ أقول: لا يجوز أن يشهد لشخص معين بأنه شهيد، أو أنه يوم القيامة في الجنة مع الأبرار من الأنبياء والصديقين والشهداء إلا من ورد بحقه نص أو دليل.
والذي يمكن قوله: التعميم لا التعيين، كأن يقال من قاتل في سبيل الله فهو شهيد، قتلانا في الجنة، وقتلى الكفار في النار، شهداء المسلمين في أحد، ومؤته، واليرموك، وفلسطين، والشيشان، وأفغانستان في الجنة .. فهذا التعميم لا حرج فيه إن شاء الله لدلالة السنة عليه.
استدراك: توجد أحياناً قرائن وإمارات تدل على حسن خاتمة المرء، فتكون بشرى خير لصاحبها في الآخرة، تستدعي تحسين الظن به، وأن يرجى له الجنة يوم القيامة إن شاء الله.
من هذه القرائن والعلامات: ثناء المؤمنين عليه بالخير والصلاح، فإن الله تعالى إذا أحب عبداً وكان عنده من المقبولين، وضع له القبول في الأرض وأحبه العباد، وأجرى على ألسنة الناس الصالحين حسن الثناء عليه.
كما في الحديث، عن أنس -رضي الله عنه- قال: مر على النبي -صلى الله عليه وسلم- بجنازة، فأُثني عليها خيراً، وتتابعت الألسن بالخير، فقالوا: كان ـ ما علمنا ـ يحب الله ورسوله، فقال نبي الله -صلى الله عليه وسلم- :" وجبت وجبت وجبت"، ومُر بجنازة فأثني عليها شراً وتتابعت الألسن لها بالشر، فقالوا: بئس المرء كان في دين الله، فقال نبي الله -صلى الله عليه وسلم- :" وجبت وجبت وجبت"، فقال عمر: فدىً لك أبي وأمي، مُر بجنازة فأثني عليها خيراً، فقلت: وجبت وجبت وجبت، ومر على جنازة فأثني عليها شراً، فقلت: وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض "، وفي رواية:" والمؤمنون شهداء الله في الأرض، إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر"[4].
وعن أبي الأسود الديلي قال: أتيت المدينة وقد وقع بها مرض، وهم يموتون موتاً ذريعاً، فجلست إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ، فمرت جنازة، فأثني خيراً، فقال: عمر: وجبت، فقلت: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :" أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، قلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة، قلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله في الواحد "[5].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأدنيين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً، إلا قال الله تعالى وتبارك: قد قبلت قولكم، أو قال: بشهادتكم، وغفرت له ما لا تعلمون "[6].
وعن ابن مسعود قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :" إذا أثنى عليك جيرانك أنك محسن، فأنت محسن، وإذا أثنى عليك جيرانك أنك مسيء، فأنت مسيء"[7].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إذا أتى الرجل القوم فقالوا له مرحباً، فمرحباً به يوم يلقى ربه، وإذا أتى الرجل القوم فقالوا له: قحطاً، فقحطاً له يوم القيامة "[8].
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :"أهل الجنة من ملأ الله أذنيه من ثناء الناس خيراً، وهو يسمع، وأهل النار من ملأ أذنيه من ثناء الناس شراً وهو يسمع"[9].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إذا صلوا على جنازة فأثنوا خيراً، يقول الرب: أجزت شهادتهم فيما يعلمون، وأغفر له ما لا يعلمون "[10].
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" إن الله تعالى إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إني أحب فلان فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله تعالى يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضوه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض " مسلم.
وعنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" ما من عبد إلا وله صيت في السماء، فإذا كان صيته في السماء حسناً وضع في الأرض حسناً، وإذا كان صيته في السماء سيئاً وضع في الأرض سيئاً"[11].
فإن قيل: فما بال الطواغيت الظالمين عندما يموتون تهتف بأسمائهم آلاف الناس، وتتناول وسائل الإعلام ذكرهم، ويُعلن عليهم الحداد .. فكيف نوفق بين ذلك وبين ما تقدم من أن ثناء الناس قرينة دالة على حسن الخاتمة، وحسن المآل؟!
أقول: الأحاديث الآنفة الذكر محمولة على ثناء المؤمنين الموحدين الصالحين، ولا يجوز أن تُحمل على غير ذلك .. وبالتالي فإن ثناء الجماهير الضالة وعويلهم ـ مهما تكاثر عددهم ـ لا يعني شيئاً، ولا يدل على شيء، وهو في ميزان الحق ليس بشيء.
ويُقال كذلك: أن ثناء كثير من هؤلاء الجماهير الضالة على الظالمين يأتي نتاجاً لضغوط الترهيب والترغيب التي يتعرضون لها .. ونتاجاً لعوامل التضليل التي تقوم بها وسائل الإعلام المختلفة، فيضطرون للمجاملة، والكذب، والنفاق .. وما كان كذلك فإنه لا يُعتبر، وهو غير معني من الأحاديث الآنفة الذكر.
ويُقال كذلك: أن الثناء بالخير منه ما يكون لأمور دينية، ومنه ما يكون لأمور دنيوية بحتة، فمن أُثني عليه خيراً لدينه وعقيدته، وأخلاقه، واستقامته .. فهو الثناء المعتبر عند الله تعالى .. وما سوى ذلك من الثناء فهو غير معتبر والأحاديث الآنفة الذكر لا تشمله؛ كأن يُقال عن المرء: كان نجاراً ماهراً، أو كان طبيباً ومهندساً، أو كاتباً مميزاً، أو خطيباً مفوهاً، أو سياسياً محنكاً .. وغير ذلك من الأمور الدنيوية التي قد يشترك فيها الصالح والطالح .. فهذا كله غير معتبر!
ومن القرائن كذلك التي تدل على حسن الخاتمة قرائن ذكرها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ في كتابه"أحكام الجنائز" وساق الأدلة عليها، منها: نطقه بالشهادة عند الموت، والموت برشح الجبين، والموت ليلة الجمعة أو نهارها، والاستشهاد في ساحة القتال، والموت غازياً في سبيل الله، والموت بالطاعون، والموت بداء البطن والموت بالغرق والهدم، وموت المرأة في نفاسها بسبب ولدها، والموت بالحرق، والموت بداء السِّل، والموت مرابطاً في سبيل الله، والموت على عمل صالح[12].
فهذه قرائن وعلامات تبشر بالخير لصاحبها، وتستدعي تحسين الظن به، وبحسن خاتمته، لكنها لا تعني أن يُجزم له بالجنة كما يُقطع ويُجزم للصحابة المبشرين بالجنة، لما تقدم من الأدلة التي تمنع ذلك، وهذا ما تقتضيه قاعدة العمل بجميع النصوص ذات العلاقة بالمسألة، والتوفيق فيما بينها، والله تعالى أعلم.

 


[1] كون المرء من أهل النار رغم أنه يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ذلك على اعتبار نيته وقصده الفاسد الذي يبطل العمل، والذي لا سبيل للناس إلى معرفته. أما كونه يعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة، فهو على اعتبار الخاتمة الحسنة التي يُختم له بها والتي لا يعلمها ـ قبل وقوعها ـ إلا الله -سبحانه وتعالى- .
[2] فتح الباري شرح صحيح البخاري:6/105-106.
[3] أخرجه ابن أبي الدنيا وغيره، السلسلة الصحيحة: 3103.
[4] أخرجه البخاري ومسلم، وغيرهما، انظر تخريج الحديث،"أحكام الجنائز" للشيخ ناصر، ص 44.
[5] أخرجه البخاري وغيره، أحكام الجنائز.
[6] أخرجه أحمد، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، أحكام الجنائز.
[7] رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، صحيح الجامع:277.
[8] رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، السلسلة الصحيحة:89.
[9] رواه ابن ماجة وغيره، السلسلة الصحيحة 1740.
[10] صحيح الجامع:662.
[11] السلسلة الصحيحة:2275.
[12] أنظر أحكام الجنائز للشيخ رحمه الله.

   
F ¥ E