|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| قـواعـدٌ في التكفير |
| ـ القاعدة الثانية عشرة:" من لم يُكَفِّر الكافر، أوشَكَّ في كُفْرِهِ، فقد كَفَر ". |
|
|
الشرح: فكما أن تكفير المسلم بغير موجب أمر جلل كما تقدم في شرح
القاعدة السابقة، كذلك عدم تكفير الكافر أو الشك في كفره يُعتبر
أمر جلل وخطير جداً، لذا يتعين على المسلم كما يحتاط لنفسه من أن
يقع في مزالق تكفير المسلم من غير موجب، أن يحتاط كذلك ويحذر أشد
الحذر من أن يقع في مزالق ومحاذير عدم تكفير الكافر!
وقاعدة " من لم يُكَفِّر الكافر، أوشَكَّ في كُفْرِهِ، فقد كَفَر "
قاعدة صحيحة دلت عليها نصوص الشريعة، وقد عدها أهل العلم من جملة
نواقض الإسلام التي تخرج صاحبها من الملة.
قال تعالى:{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}الكافرون:1. فلا بد من
مخاطبتهم بهذا الخطاب القرآني القاطع من غير تلجلج ولا ضعف ولا
مواربة {يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}.
وقال تعالى:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي
إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا
بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ
وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
وَحْدَهُ}الممتحنة:4.
فلا بد من مصارحتهم بهذا القول وبكل وضوح وظهور {إِنَّا بُرَآءُ
مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا
بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ
وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}
وهذا من تمام التوحيد ولوازمه.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: من لم يكفر المشركين أو
يشك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفَرَ إجماعاً[1]ا- هـ.
فتأمل قوله:" كفر إجماعاً " وهذا يعني أنه لا خلاف بين أهل العلم
على صحة القاعدة المثبتة أعلاه.
وقال رحمه الله: فلا يكون المرء موحداً إلا بنفي الشرك، والبراءة
منه، وتكفير من فعله .. وقال: الإنذار عن الشرك في عبادة الله،
والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله، فلا يتم مقام
التوحيد إلا بهذا وهو دين الرسل .. إلى أن قال: ووسم تعالى أهل
الشرك بالكفر فيما لا يحصى من الآيات فلا بد من تكفيرهم أيضاً هذا
هو مقتضى لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص، فلا يتم معناها إلا
بتكفير من جعل لله شريكاً في عبادته، كما في الحديث الصحيح:" من
قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه،
وحسابه على الله". فقوله وكفر بما يعبد من دون الله تأكيد للنفي؛
فلا يكون معصوم الدم والمال إلا بذلك، فلو شك أو تردد لم يعصم دمه
وماله، فهذه الأمور هي تمام التوحيد لأن لا إله إلا الله قيدت في
الأحاديث بقيود ثقال: بالعلم، والإخلاص، والصدق، واليقين وعدم
الشك، فلا يكون المرء موحداً إلا باجتماع هذا كله واعتقاده وقبوله
ومحبته والمعاداة فيه والموالاة[2]ا- هـ.
وقال حفيده الشيخ سليمان في رسالته " أوثق عرى الإيمان ": إن كان
شاكاً في كفرهم أو جاهلاً بكفرهم بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة
رسوله -صلى الله عليه وسلم- على كفرهم، فإن شك بعد ذلك وتردد فإنه
كافر بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكفار فهو كافر، وإن كان
يقول: أقول غيرهم كفار ولا أقول هم كفار، وبهذا حكم منه بإسلامهم،
إذ لا واسطة بين الكفر والإسلام، فإن لم يكونوا كفاراً فهم مسلمون
وحينئذ فمن سمى الكفر إسلاماً أو سمى الكفار مسلمين فهو كافر،
فيكون هذا كافر[3]ا- هـ.
وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي -صلى الله
عليه وسلم- المستنقص له كافر، ومن شك في كفره وعذابه كفَرَ[4].
والعلة في كفره، أن الذي لا يكفر الكافر يكون قد سمى الأشياء بغير
مسمياتها الشرعية، وحكم عليها بخلاف حكم الله تعالى، حيث جعل من
الكفر والشرك إسلاماً وإيماناً ومن الكفار والمشركين الذين يستحقون
المعاداة مسلمين مؤمنين يستحقون الموالاة والجنة، وهذا منه تعقيب
على الله تعالى ورد لحكمه، وتكذيب وجحود لما أمر الله به وإن لم
يسمه هو تكذيباً وجحوداً.
فمثله مثل من يضاهي شرع الله تعالى بشرع مغاير، حيث أن الله تعالى
وصف الكفر بصفات من يتصف بها فهو كافر مشرك في دين الله، ثم يأتي
هو ليقول: لا، هذه الصفات غير كفرية، ومن يتصف بها ليس كافراً، بل
هو مؤمن تجب له الموالاة والجنة!!
وهذا ـ لا شك ـ أنه من الكفر البواح، والتكذيب الصراح الذي لنا فيه
من كتاب الله وسنة رسوله برهان.
استدراك وتنبيه: اعلم أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها، حيث لا
يجوز حملها على كل من لا يكفر الكافر، فهناك من لا يكفر الكفار عن
اجتهاد وتأويل، ومنهم من لا يكفر عن جهل مُعذر، وهؤلاء لهم حكم آخر
مختلف وإليك تفصيل ذلك:
1- من لا يكفر الكافر عن اجتهاد وتأويل معتبر: كتوقف بعض أهل العلم
عن تكفير تارك الصلاة[5]، وكذلك اختلافهم في تكفير بعض الفرق
الضالة كالخوارج والمعتزلة وغيرهم، وبالتالي لم نجد من يرى كفرهم
قد حمل قاعدة " من لا يكفر الكافر، كافر"، على الفريق الآخر من أهل
العلم الذي لا يرى كفرهم، وذلك لأن توقفهم عن التكفير كان هو
الراجح بالنسبة لهم، وهو موقف ناتج عن اجتهاد وتأويل، والمجتهد إن
أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، كما دلت على ذلك السنة.
ونحو ذلك اختلاف أهل العلم فيما بينهم على كفر ( الحجاج ) وكان
الشعبي يقول:" أشهد أنه ـ يعني الحجاج ـ مؤمن بالطاغوت كافر بالله
".
وقال طاووس:" عجباً لإخواننا من أهل العراق يسمون الحجاج مؤمناً ".
فتأمل كيف وصف المخالفين له من أهل العلم في العراق بأنهم إخوان
له، وذلك لعلمه أن موقفهم ناتج عن اجتهاد، وأن ما ظهر له من طغيان
الحجاج الذي دعاه لتكفيره لم يظهر لهم.
وهذا فقه ينبغي التنبه له والاستفادة منه .. فكم كان يحزنني بعض
الإخوان حيث كانوا يختلفون فيما بينهم على تكفير شخص معين، بحسب ما
يرجح لكل من الطرفين، وكان الجدال يمتد بهم إلى أن ينتهي بالذين
يرون كفر ذلك المعين أن يكفروا من لا يرون كفره من إخوانهم،
ويرتبون على ذلك ولاء وبراء، ويحصل فيما بينهم من الجفاء والمقاطعة
ما هو أعظم فتنة مما اختلفوا عليه ابتداء، وسببه ذلك كله يعود
لاستخدامهم القاعدة الآنفة الذكر استخداماً خاطئاً، ووضعها في غير
موضعها الصحيح، وحملها على حالات لا يجوز أن تحمل عليها!
تنبيه: إذ يستساغ الاختلاف على كفر بعض الأعيان يحتمل حالهم
الاختلاف حيث لا يكون كفرهم ظاهراً بواحاً، وإنما يكون متشابهاً
ومحتملاً، فإنه لا يستساغ الخلاف ولا الاجتهاد في كفر طواغيت
اجتمعت فيهم جميع نواقض الإيمان، وكفرهم ظاهر للخواص والعوام، وهو
أجلى من نور الشمس وهي في كبد السماء.
لذا نقول: من يتكلف الاجتهاد ـ ولا اجتهاد عند مورد النص ـ والجدال
ليدخل من كانت هذه صفتهم ساحة الإسلام، فيضفي عليهم حكم الإسلام
والإيمان، فقد تحققت له موالاتهم ونصرتهم على الإسلام والمسلمين،
وهو منهم وإن زعم أنه من المسلمين، كما قال تعالى:{وَمَنْ
يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم}المائدة:51. كما أن
القاعدة المذكورة أعلاه تُحمل عليه وعلى أمثاله ممن يُجادلون في
الباطل عن أهل الكفر والشرك والطغيان.
فالخلاف يُستساغ فيمن كان كفره محتملاً ومتشابهاً؛ يُظهر الإيمان
من وجه ويُظهر ضده من وجه آخر .. وتارة يُظهر هذا وتارة يُظهر ذاك
.. فيُشكل أمره على العباد ..
فيختلفون على كفره وتكفيره .. فهذا ممكن الحصول، وقد حصل.
أما من كان كفره بواحاً لنا فيه من كتاب الله تعالى وسنة رسوله
-صلى الله عليه وسلم- برهان ودليل قطعي وصريح .. فإن الخلاف حينئذٍ
على كفره وتكفيره لا يمكن أن يُستساغ أو يُقبل!
2- من لا يكفر الكافر عن جهل مُعذر: وليس عن عناد ومضاهاة لشرع
الله تعالى، وهذا نوعان:
أ- جاهل بنواقض الإيمان أو بعضها: بحيث لو وقع شخص بناقضة من هذه
النواقض لا يظنه إلا مسلماً لجهله بما يخرج المرء من الملة. ومثل
هذا يعذر بالجهل إن كان جهله معتبراً كأن يكون عن عجز لا يمكن دفعه
بسبب حداثة عهده بالإسلام، أو سبب عيشه في منطقة نائية عن العلم،
وهو لا يستطيع حراكاً لطلب العلم في مظانه، أما إن كان يعيش في
بلاد المسلمين وقد ظهرت فيها علوم الشريعة، ومن اليسير عليه طلبها
وتحصيلها، لكنه لا يفعل لانشغاله بالدنيا وزينتها فإنه لا يعذر
حينئذٍ بالجهل، والمسألة قد تقدم الحديث عنها .. وتناولناها بشيء
من التفصيل والتوسع في كتابنا" العذر بالجهل وقيام الحجة" فراجعه
إن شئت.
ب- وجاهل بحال الكافر: حيث أنه لا يعرف عنه شيئاً يمكنه من الحكم
عليه، أو يعرفه لكن لا يعرف عنه ما يخرجه من الملة، ومثل هذا يعذر
بجهله إلى أن يُعرف له حال ذاك الكافر بالدليل والبينة القاطعة
والمانعة للظن والاحتمالات، فإن تردد بعد ذلك ولم يكفره فإنه يكفر،
وعليه وعلى أضرابه تحمل القاعدة الآنفة الذكر " من لم يُكَفِّر
الكافر، أوشَكَّ في كُفْرِهِ، فقد كَفَر ".
لكن يجب التنبه إلى أنه يوجد فرق بين كافر مجهول الحال يعيش على
هامش الحياة وليس له أي أثر ظاهر على المجتمع وحياة الناس، وكافر
اشتدت فتنته على البلاد والعباد، وهو ظاهر للناس بكفره وفتنته،
يفتنهم عن دينهم ويعيث في الأرض فساداً وخراباً، فإن جهل حال الأول
ممكن ووارد وهو غير واجب وربما يندب إلى تجاوزه وتجاوز من كان على
شاكلته، وعدم الاشتغال به حيث لا يترتب على ذلك أدنى مضرة في الدين
والدنيا معاً، بينما جهل حال الآخر ـ على ما تقدم من صفاته ـ فإنه
غير وارد ولا يحتمل وبخاصة بحق الخواص من أهل العلم وغيرهم من
المسلمين، لما يترتب على الجهل بكفره من الفساد والفتنة والإضلال
ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
لذا نقول: أيما كافر اشتدت فتنته على الناس، يجب على أهل العلم من
المسلمين رصده وتعريته، وبيان حقيقته للناس، وإظهار حكم الله فيه
الذي يستحقه، حتى يجتنبوه ويحذروه ويقوموا بالواجب الشرعي نحوه.
والسكوت في هذا الموضع لا يُستساغ وهو خيانة لله ولرسوله
والمؤمنين، قال تعالى:{وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ
وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ}الأنعام:55. ومن لوازم
بيان سبيل المجرمين فضح المجرمين ذاتهم، وبيان حكم الله تعالى
فيهم.
وفي الحديث عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
:" أيما رجل آتاه الله علماً فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام
من النار"[6].
[1] الرسائل الشخصية: 213.
[2] مجموع التوحيد:34- 35.
[3] عن مجموعة التوحيد.
[4] إكفار الملحدين:64.
[5] الراجح الذي نعتقده أن تارك الصلاة كلياً كافر كفراً أكبر
مخرجاً من الملة، وإن زعم بلسانه أنه لا يستحل تركها ويرى وجوبها،
والمسألة قد أوفيناها بحثاً واستدلالاً في كتابنا " حكم تارك
الصلاة " فراجعه إن شئت.
[6] رواه الطبراني، صحيح الجامع:2714. |
|
|
|
|
F
¥
E |
|