الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
قـواعـدٌ في التكفير
ـ مسائل متفرقة ذات علاقة بمسائل الكفر والإيمان، والوعد والوعيد.
  هذا ملحق أجيب فيه على بعض المسائل ـ ذات العلاقة بمسائل الكفر والإيمان ـ أشكل فهمها على كثير من الناس.
1- المسألة الأولى: ما المراد من الحديث:" ثم يقول الله تعالى أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل؟ " البخاري.
وهل الذي لا يأتي من أركان وواجبات الدين والإيمان سوى هذه الذرة يكون من أهل النجاة؟ الجواب: المراد من قوله -صلى الله عليه وسلم- :" مثقال حبة من خردل من إيمان " هو ما زاد من عمل على أصل الإيمان والتوحيد وشروط صحته، الذي لا يكون المرء مؤمناً ومن أهل النجاة إلا به، وهذا تقييد لابد منه لأن الحسنات مهما تعاظمت وكثرت إذا قابلها شرك أكبر فإنها لا تنفع صاحبها في شيء حيث أن الشرك يحبط العمل كلياً، كما قال تعالى:{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}الزمر:65. وقال تعالى:{وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}الأنعام:88. وإذا كان الأمر كذلك فمن باب أولى أن لا تنفعه مثقال حبة من خردل أو ذرة من طاعة أو إيمان وهو متلبس بما يبطلها من الشرك.
فكون وجود حبة خردل من إيمان تنفع صاحبها، فهي تنفعه مع انتفاء الشرك عنه وتحقق التوحيد.
قال ابن حجر في الفتح 1/73: والمراد بحبة الخردل هنا ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد، لقوله في الرواية الأخرى:" أخرجوا من قال لا إله إلا الله وعمل من الخير ما يزن ذرة "ا- هـ.
وفي رواية:" يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير ".
ومما يوضح هذا المعنى أكثر، قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح:" حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد أن يرحمهم، ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار، فيعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود" مسلم.
فتأمل قوله "فيعرفونهم بأثر السجود" مما دل أنهم من أهل الصلاة والسجود، وفي الحديث دلالة على أن الصلاة من متطلبات الإيمان والتوحيد، وشرط لصحته، وتاركها كافر مشرك.
وعلى هذا النحو ينبغي أن يفهم قوله:" أناس لم يعملوا لله خيراً قط"[1]. أي لم يعملوا خيراً قط زائداً عن أصل التوحيد، فهم مهما شحت عندهم الحسنات وقلت وازدادت عندهم السيئات وطاشت لا يجوز لهم أن يفقدوا التوحيد، الذي لولاه لما شملتهم الرحمة ولما دخلوا الجنة.
ومما يدل على هذا المعنى أيضاً قوله -صلى الله عليه وسلم- :" يعذب ناس من أهل التوحيد في النار، حتى يكونوا فيها حمماً، ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويُطرحون على أبواب الجنة، فيرش عليهم أهل الجنة الماء، فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة السيل، ثم يدخلون الجنة "[2].
فتأمل وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم بأنهم من أهل التوحيد، وهذا نص مفسر للنصوص التي يوحي ظاهرها أن المرء ستدركه الرحمة ويدخل الجنة وإن لم يفعل من الخير شيئاً بما في ذلك التوحيد، كما يظن ذلك مشايخ الإرجاء!
وكذلك مما يقيد هذه النصوص بالتوحيد والإيمان قوله -صلى الله عليه وسلم- :" إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة" متفق عليه. وفي رواية:" يا ابن الخطاب اذهب فنادي في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون " مسلم. أي إلا الموحدون. وفي رواية عند أبي داود:" يا ابن عوف اركب فرسك، ثم ناد: إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن " أي إلا لموحد.
وهذا معنى قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء}النساء:48. فالقرآن والسنة يُصدقان بعضهما بعضاً ويُفسران بعضهما بعضاً.

2- المسألة الثانية: قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار " مسلم. فهل مجرد النطق بشهادة التوحيد يكفي لصاحبها أن يكون من أهل الجنة، أم أنها قيدت بقيود أخرى تعتبر من لوازم وشروط صحة التوحيد؟
الجواب: اعلم أن شهادة التوحيد ـ إلى جانب قيد النطق والإقرار ـ قيدت بقيود وشروط أخرى، تنتفي بانتفائها أو بانتفاء واحد منها، وهي: الكفر بالطاغوت، والعلم، والصدق والإخلاص، وانتفاء الشك وحصول اليقين، والعمل بها، ومحبتها ومحبة أهلها، والرضى بها والانقياد والتسليم لها، ثم بعد كل ذلك الموافاة عليها .. فبهذه الشروط إن تحققت ينتفع المرء بشهادة التوحيد، وبانتفائها أو انتفاء شرط واحد منها يفقد المرء صفة أهل التوحيد، وبالتالي يفقد الانتفاع بها يوم القيامة[3].

3- المسألة الثالثة: ما المراد من قول بعض أهل العلم:" لا نكفر أحداً بذنب ما لم يستحله "، وهل الاستحلال شرط للتكفير؟
الجواب: المراد بالذنب هنا هو ما دون الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر كالزنى والسرقة، وشرب الخمر ونحو ذلك، فهذه ذنوب لا تكفر صاحبها كما لا تستدعي تكفيره إلا إذا ضم إليها الاستحلال .. فإذا ضم إليها الاستحلال فهو يكفر للاستحلال سواء فعل الذنب أم لم يفعله .. بخلاف الذنوب التي تُعد من الكفر الأكبر فهي كفر بذاتها ومرتكبها يكفر سواء فعلها على وجه الاستحلال والاعتقاد أم لم يفعلها على وجه الاستحلال.
وعندما أطلق أهل العلم هذه العبارة أرادوا بها مخالفة الخوارج الذين يكفرون بالذنوب والمعاصي التي هي دون الكفر والشرك .. ومع ذلك فإن مرجئة العصر حملوا العبارة ما لا تحمل، ووضعها في غير موضعها، واستغلوها أسوأ استغلال؛ حيث اشترطوا الاستحلال على مطلق الذنوب بما في ذلك الكفر الأكبر والشرك الأكبر، وكلما جادلهم مجادل في كفر طاغوت من الطواغيت لما يقترفه من كفر بواح قالوا له: هل فعل ما فعل من كفر على وجه الاستحلال والاعتقاد .. هلاَّ شققت عن قلبه .. فنحن لا نكفر أحداً بذنب ما لم يستحله أيّاً كان هذا الذنب[4]!
وهذا قول خاطئ مردود بالكتاب والسنة، لم يقل به سلف ولا خلف معتبر، وقد أجبنا عليه في طيات هذا الكتاب وغيره بشيء من التفصيل ما يغني عن الإعادة هنا.
ودرءاً لهذا الاستغلال الخاطئ لهذه العبارة، أرى أن تقيد بقيد يوضح المراد منها بصورة أفضل، بحيث تصبح كالتال:" لا نكفر أحداً بذنب دون الكفر ما لم يستحله " والله تعالى أعلم.

4- المسألة الرابعة: هل يجوز أن يقال: من قتل في سبيل الوطن فهو شهيد، ومن قتل في سبيل الأمة فهو شهيد، أو من قتل في سبيل الإنسانية فهو شهيد .. ونحو ذلك من الاطلاقات الشائعة على ألسنة الناس؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين. اعلم أن القتال نوعان ـ مهما تعددت راياته واختلفت عناوينه ـ لا ثالث لهما: قتال في سبيل الله؛ وهو كل قتال يكون الغرض منه إعلاء كلمة الله في الأرض، وقتال في سبيل الطاغوت؛ وهو كل قتال يصرف لغير الله -عز وجل- ، كما قال تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ}النساء:76.
وفي الحديث الصحيح:" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " رواه البخاري.
والقتال الذي يشوبه الشرك بحيث يكون بعضه في سبيل الله وبعضه الآخر في سبيل الطاغوت، فهو كله في سبيل الطاغوت؛ لأن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له -سبحانه وتعالى- ، فهو أغنى الأغنياء عن الشرك، كما في الحديث القدسي:" قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه " مسلم.
وعليه نقول: لا يجوز أن يقال لمن يقتل في سبيل الوطن، أو في سبيل الأمة وغير ذلك أنه شهيد، لما في ذلك من صرف الأعمال لغير الله تعالى.
فإن قيل: كيف التوفيق بين ما تقدم من كون المرء لا يجوز له أن يقاتل في سبيل الوطن وغير ذلك، وبين كون الدفاع عن أرض الإسلام وأوطان المسلمين واجب شرعي وفرض على المسلمين القيام به، وكذلك كون المرء الذي يُقتل دون ماله وعِرضه ومظلمته فهو شهيد .. كما جاء ذلك في أحاديث عدة؟
أقول: لا تعارض بين الأمرين؛ فهناك فرق بين أن يقاتل المرء دفاعاً عن شيء في سبيل هذا الشيء، ولذات هذا الشيء، وحمية له من دون أن يرد الأمر إلى الله تعالى، وبين أن يقاتل دفاعاً عن شيء في سبيل الله، وغضباً لله، وطاعة له -سبحانه وتعالى- ، واستجابة لأمره، فالثاني هو الذي شرعه الإسلام وهو من أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى، أما الأول فهو باطل وشرك لأنه يتضمن صرف الأعمال لغير الله -عز وجل- .
وعليه يكون التعبير الصحيح هو أن نقول: نذود عن الأوطان والحرمات والمظالم في سبيل الله .. فمن قُتل على هذه النية والقصد فهو شهيد.

5- المسألة الخامسة: إذا كانت شهادة " لا إله إلا الله " ترفع السيف عن الكافر المحارب الذي يكون كفره أصلياً، فهل ترفعه عن المحارب المرتد؟
الجواب: إذا كان المرتد المحارب ردته مجردة، فالسنة فيه ـ كما تقدم ـ أن يستتاب، فإن تاب قبلت توبته، وبالتالي فإن لا إله إلا الله ترفع عنه السيف في أجواء القتال إن أتبعها بترك المقاتلة وإلقاء السلاح، لأنها قرينة دالة على التوبة والإنابة إلى الحق، كما فعل أبو بكر -رضي الله عنه- مع كثير من المرتدين المحاربين في حرب الردة.
أما إذا كانت ردته مغلظة؛ بحيث يكون قد أتبع ردته أذى وقتلاً، وطعناً في الدين وغير ذلك، فالسنة فيه ـ كما تقدم ـ أن لا يستتاب، وأن لا تقبل له توبة بعد القدرة عليه، ومن كان كذلك فإن لا إله إلا الله لا ترفع عنه السيف في أجواء القتال، ولو تعلق بأستار الكعبة ناشداً للأمان!
كما في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّون}آل عمران:90.
قال ابن تيميه: أخبر سبحانه أن من ازداد كفراً بعد إيمانه لن تقبل توبته، وفرق بين الكفر المزيد كفراً والكفر المجرد في قبول التوبة من الثاني دون الأول، فمن زعم أن كل كفر بعد إيمان تقبل منه التوبة فقد خالف نص القرآن[5].
وقد تقدم بيان موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- من الرهط ـ من عكل ـ الذين ضموا إلى ردتهم سرقة إبل المسلمين وقتل رعاتها، حيث أمر بقتلهم ولم يقبل منهم توبة.
وكذلك موقفه -صلى الله عليه وسلم- من ابن خطل وغيره، كما في صحيح البخاري أن رجلاً قال: إن ابن خطل متعلقاً بأستار الكعبة ـ تائباً ناشداً للأمان ـ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" اقتلوه ".
وكذلك فعل الخليفة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- ، مع النفر الذين ارتدوا وغدروا وسرقوا بعد أن استأمنهم على أموال المسلمين وإبلهم، ليستخدموها في جهاد المرتدين، حيث أمر بحرقهم في النار ولم يستتبهم!
وكذلك ينبغي الموقف من الزنادقة المرتدين ـ الذين يُظهرون الإسلام من وجه والكفر البواح من وجه آخر ـ لأن توبتهم بعد القدرة عليهم لا تعرف كما تقدم.
قال ابن تيمية في الفتاوى20/103: يُفرق في المرتد بين الردة المجردة فيقتل إلا أن يتوب، وبين الردة المغلظة فيقتل بلا استتابه ا- هـ.
فإن قيل: هؤلاء الذين لم تقبل توبتهم ـ ممن كانت ردتهم مغلظة ـ لم يكونوا في ساحة القتال، أقول: أن لا تقبل توبتهم وهم في ساحة القتال والمنازلة من باب أولى، والله تعالى أعلم.

 


[1] السلسلة الصحيحة: 2250.
[2] السلسلة الصحيحة: 2451.
[3] قد تناولنا أدلة شروط شهادة التوحيد بشيء من التفصيل في كتابنا " شروط لا إله إلا الله " فراجعها إن شئت.
[4] من هؤلاء الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وكثير من مقلديه .. حيث قال في تعليقه على العقيدة الطحاوية معلقاً على قول الماتن" ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ": يعني استحلالاً قلبياً اعتقادياً، وإلا فكل مذنب مستحل لذنبه عملياً أي مرتكب له، ولذلك فلا بد من التفريق بين المستحل اعتقاداً فهو كفر إجماعاً، وبين المستحل عملاً لا اعتقاداً فهو مذنب .. وقد نقل الشارح عن أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص أن الذنب أي ذنب كان هو كفر عملي لا اعتقادي .. ا- هـ. والكفر العملي عند الشيخ هو الكفر المرادف للكفر الأصغر، كفر دون كفر الذي لا يخرج صاحبه من الملة!
لت: شارح الطحاوية لم يقل ما نقل الشيخ عنه، وإنما قال خلافه، حيث قال:" ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: بأنّا لا نكفّر أحداً بذنب، بل يُقال: لا نُكفرهم بكل ذنبٍ كما تفعل الخوارج " ا- هـ. والذي حمل الشيخ على الوقوع في هذا الزلل وغيره هو انتصاره الشديد لمذهبه الفاسد الإرجائي الجهمي في مسائل الكفر والإيمان .. كما كنا قد تعقبناه في كتاب " الانتصار لأهل التوحيد ".
[5] الصارم المسلول: 368.

   
F ¥ E