الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
الجِّهَادُ والسِّياسَةُ الشَّرعِيَّةُ
ثانياً: في حال وجود تعارض بين مقاصد الشريعة:
  فإن تعارضت مصالح مقاصد الشريعة الآنفة الذكر بعضها مع بعض؛ بحيث يصعب التوفيق فيما بينها، والعمل من أجلها جميعاً، وكان مراعاة بعضها يستلزم التخلي ـ مرحلياً وبصفة مؤقتة ـ عن البعض الآخر، وبالتالي لا بد من أن تقدم بعضها على بعض .. فقواعد ونصوص الشريعة تُلزم حينئذٍ بالجهاد من أجل أوكد وأعظم مقصد من مقاصد الشريعة وإن أدى ذلك إلى التفريط بمصلحة المقاصد الدنيا الأقل مرتبة وأهمية؛ وأعظم مقاصد الشريعة على الإطلاق مقصد حماية الدين والعقيدة والتوحيد، فلو تعارضت ـ مثلاً ـ مصلحة هذا المقصد مع مصلحة مقصد النفس أو المال .. قُدمت مصلحة مقصد الحفاظ على الدين والعقيدة والتوحيد، ولا بد، وإن أدى ذلك إلى التفريط ببعض مصالح مقصد الحفاظ على النفس والمال.
كما قال تعالى:{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا}؛ وهذه كلها تمثل جانب مقاصد الحفاظ على النفس والمال {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ}؛ وهذا هو الجانب الذي يُمثل الحفاظ على مقصد الدين والعقيدة والتوحيد .. فإن قُدم الجانب الأول المتمثل في الحفاظ على مقاصد النفس والمال على الجانب الآخر المتمثل في الحفاظ على مقصد الدين والتوحيد .. كانت النتيجة، كما قال تعالى:{فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}التوبة:24.
ولما عبد بنوا إسرائيل العجل من دون الله .. ووقعوا في الشرك .. كانت كفارة ذنبهم هذا أن اقتلوا أنفسكم، كما قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}البقرة:54.
قال ابن كثير في التفسير: قال ابن جرير: حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بشار، حدثنا سفيان بن عيينة قال: قال أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال موسى لقومه: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه -عز وجل- أن يقتلوا أنفسهم, قال: وأخبر الذين عبدوا العجل فجلسوا وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلمة شديدة, فجعل يقتل بعضهم بعضاً, فانجلت الظلمة عنهم وقد جلوا عن سبعين ألف قتيل, كل من قُتِل منهم كانت له توبة, وكل من بقي كانت له توبة ا- هـ.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم "[1]. أي ترجعوا إلى جهادكم فتجاهدوا في سبيل الله .. وتقدموا مصلحة مقصد سلامة الدين والعقيدة والتوحيد، ومصلحة أنفسكم، وأعراضكم .. على مصلحة المال الذي يتأتى لكم من وراء الانشغال برعي البقر أو الزراعة .. فإن لم تفعلوا ذلك، وآثرتم إلا أن تقدموا مصلحة المال الذي تحصلون عليه من وراء انشغالكم بالرعي والزراعة " سلَّط الله عليكم ذلاً "، وأصبحتم عبيداً وتبعاً لأمم غيركم .. وتكالبت عليكم أمم الكفر كما تتكالب الأكلة على قصعتهم!
وكذلك يُقال في بقية المقاصد: فمقصد النفس والحفاظ عليها مقدم على ما بعدها ـ عند وجود التعارض واستحالة إمكانية التوفيق ـ من المقاصد؛ كالعقل، والعِرض، والمال.
فإن قيل: كيف أمرنا الله تعالى بأن نقاتل دون عِرضنا ومالنا .. وفي القتال إزهاق للأنفس .. ولو كانت النفس أعز لما جاز أن تُزهق في الدفاع عن العِرض والمال؟
أقول: القتال دون العِرض والمال .. ودفع المعتدين عن عدوانهم .. فيه حياة للأنفس .. وسلامة للعِرض والمال معاً .. ولو زُهقت بعض الأنفس ففي موتها حياة للجماعة والآلاف .. وسلامة لحقوقهم وحرماتهم، كما قال تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}البقرة:179.
لكن لو حصلت الصورة التالية: قطاع طريق أوقفوا رجلاً ضعيفاً لا طاقة له في مواجهتهم .. فخيروه بين القتل وبين أن يدفع لهم ما معه من مال .. أو خيروا أولياءه بدفع مبلغ من المال أو قتله .. فأولياؤه أي الخيارين يجب أن يقدموا أو يختاروا؟!
لا شك أن النقل والعقل يُلزمان ـ في هذه الصورة ـ بتقديم المال من أجل إنقاذ النفس؛
لأن مقصد الحفاظ على النفس أعز وأعظم من مقصد الحفاظ على المال.
من هنا جاء الأمر بوجوب فداء أسرى المسلمين من أيدي العدو بالمال إن لزم الأمر، كما في الحديث:" إن على المسلمين من فيئِهم أن يُفادوا أسيرهم، ويؤدوا عن غارِمِهم "؛ لأن النفس وإنقاذها من أسر العدو، والحفاظ عليها .. مقدم على المال والحفاظ عليه.
ماذا نستفيد مما تقدم ..؟
نستفيد أموراً، منها: أن المصالح والمفاسد تُقدَّر وتُقاس بميزان الشرع .. بعيداً عن الهوى ورغبات النفس .. أو حب التشفي .. ولا بد للمجاهد من أن يُحسن تشخيصها وتحديدها .. ويُحسن التفاضل والموازنة فيما بينها على ضوء الشرع، وعلى النحو المتقدم .. وقبل أن ينطلق للجهاد دونها .. حتى لا يُقدم الأدنى على الأعلى؛ أو يُضحي بالأعلى من أجل الأدنى .. فيحسب أنه ممن يحسنون صنعاً، وواقع حاله خلاف ذلك.
كذلك لا يجوز إزالة منكر بمنكر أكبر منه، أو مثله، أو التضحية بمصلحة محققة ثابتة بمصلحة ظنية، احتمال تحقيقها ظني وضئيل، وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" لا ينبغي لمؤمنٍ أن يذلَّ نفسَهُ "، قالوا: وكيف يذلك نفسَه؟ قال:" يتعرَّض من البلاء لما لا يُطيق "[2]. وذلك عندما يُحاول أن يُزيل فتنة أو ضرراً بفتنة أو ضررٍ أكبر .. وأحياناً يتحقق الضرر الأكبر ومن دون أن يُزال الضرر الأصغر!
قال ابن تيمية في الفتاوى 14/472: وإذا كان قومٌ على بدعةٍ أو فجور، ولو نُهوا عن ذلك وقع بسبب ذلك شرٌّ أعظم مما هم عليه من ذلك، ولم يمكن منعهم منه، ولم يحصل بالنهي مصلحة راجحة لم يُنهوا عنه .. فالمنهي عنه إذا زادَ شرَّه بالنهي، وكان النهي مصلحة راجحة كان حسناً، وأما إذا زادَ شرُّه وعظم وليس في مقابلته خير يفوته لم يُشرَع إلا أن يكون في مُقابلته مصلحة زائدة، فإن أدى ذلك إلى شرٍّ أعظم منه لم يُشرَع مثل أن يكون الآمرُ لا صبرَ له، فيُؤذى فيجزع جزعاً شديداً يصير به مذنباً، وينتقصُ به إيمانهُ ودينُه، فهذا لم يحصل به خير لا له ولا لأولئك ا- هـ.
وقال ابن القيم في كتابه القيم أعلام الموقعين 3/16: إنكار المنكر أربع درجات، الأولى: أن يزولَ ويخلفه ضده، الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته، الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه؛ فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهادٍ[3]، والرابعة محرَّمة؛ فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله؛ كرمي النشاب، وسباق الخيل، ونحو ذلك.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه يقول: مررتُ أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقومٍ منهم يشربون الخمر، فأنكرَ عليهم من كان معي فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرَّمَ اللهُ الخمرَ لأنها تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمرُ عن قتل النفوس وسبي الذرية، وأخذ الأموال، فدعهم ا- هـ.
ومنها: أن التوحيد وتحصيله والحفاظ عليه أعظم مقصد ومصلحة على الإطلاق .. لا تعلوه ولا توازيه مصلحة .. وعند إجراء المقارنة والمفاضلة بين المصالح لا بد من مراعاة ذلك .. وتقديم مصلحة التوحيد على ما سواها من المصالح إن استحيل التوفيق فيما بينها.
كذلك جانب المفاسد .. فإن مفسدة الشرك والكفر .. وإقراره ومباركته .. لا توازيه مفسدة .. وهو أشد من مفسدة القتل والقتال، كما قال تعالى:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}الأنفال:39.
ومنها: بطلان الدعوات المريبة التي يُفيد ظاهرها الحرص على بعض المقاصد والمصالح الدنيوية .. على حساب مقصد ومصلحة العقيدة والتوحيد .. ومصلحة سلامة دين وعقيدة الناس .. إذ ترى من القوم من يدعو إلى الدخول في موالاة وطاعة الطواغيت الكافرين الظالمين الحاكمين، والركون إليهم وإلى أنظمتهم .. والكف عن مناوأتهم .. ومناوأة أنظمتهم الفاسدة المرتدة .. من أجل مصالح مادية دنيوية .. لا ترقى بحال إلى مستوى مصلحة التوحيد التي يُضحى بها منذ الخطوة الأولى التي يُوطأ بها نحو بلاط الطواغيت المجرمين .. ليُعطى لهم السمع والطاعة والولاء!
ونحو ذلك الذين يسلكون بعض الطرق والمناهج الباطلة التي يتخللها الشرك؛ كالعمل النيابي التشريعي الديمقراطي ونحوه .. من أجل مصالح دنيوية أو دينية لا ترقى بحال إلى مستوى التضحية بمصلحة التوحيد .. فتراهم يضحون بالمصلحة الأعلى من أجل المصلحة الأدنى، وهم يعلمون أو لا يعلمون!
وكذلك نستفيد بطلان تلك الدعوات التي تدعو للتوحد مع طوائف الكفر والشرك والردة والزندقة .. ويكون ذلك على حساب التوحيد .. وسلامة دين وعقيدة الناس .. كما هو الحال مع من يُطالبون الأمة بالتوحد مع الشيعة الروافض على ما هم عليه من كفر وشرك ينقض التوحيد .. وينقض الدين وأصوله .. وقبل أن يُطالبوا الآخرين بأن يتبرأوا مما تلبسوا به .. وعُلِم عنهم بالضرورة أنه كفر وشرك وزندقة!
ومنها: أن العمل الجهادي لا يكفي فيه النظر إلى ما يجوز أو إلى ما هو مباح فعله والقيام به .. لكي يُفعَل بعد ذلك بغض النظر عن المصالح والمفاسد، أو النتائج التي يُمكن أن تترتب عن فعل هذا الجائز أو المباح .. فالقضية بالنسبة للمجاهد لا تنتهي عند النظر فيما يجوز أو لا يجوز وحسب .. وإنما ينبغي أن يتعدى نظره إلى أبعد من ذلك؛ إلى ما يُمكن أن يترتب على فعل هذا الجائز من آثار ونتائج، ومن مصالح ومفاسد.
فإذا كان فعلٌ مباح سيؤدي إلى تفويت فرض، أو تفريط بواجب، أو تفويت مصلحة كبيرة، وجلب ضررٍ أكبر يعلو ضرر الإمساك عن فعله .. فحينئذٍ يكون فعل هذا المباح الجائز محظوراً، والإمساك عن فعله هو الأولى، والأقرب لما تلزم به الأدلة الشرعية والعقلية.
مما يدل على ذلك أمساك النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قتل رأس النفاق ابن أُبي لما قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منا الأذل .. وكان ـ قاتله الله ـ يعني بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- .. وقد أشار بعض الصحابة على النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتله إلا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- امتنع عن فعل ذلك، وعلل منعه بقوله:" والله لو قتلته يومئذ لأرغمت أنوف رجال .. فيتحدث الناس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صبراً "!
فإذا كان قتل منافق معلوم النفاق .. سيؤدي إلى مثل هذه الفتنة؛ إلى تفرق وتقاتل الأصحاب والإخوان .. وأن يتحدث الناس أن المسلمين يقتلون بعضهم بعضاً، وفي ذلك من التنفير والضرر ما فيه .. فالأولى حينئذٍ الإمساك عن قتل هذا المنافق الذي يُظهر نفاقه .. وإن كان في الأصل قتله جائزاً .. فليس كل جائزٍ يجب القيام به!
فما يقوله الناس .. وأثر ما يقوله الناس على الناس .. معتبر يجب أن يُراعى عند المجاهدين والعاملين لهذا الدين .. فلا يجوز أن نعطي العدو المادة أو الذرائع التي تُعينهم أكثر على التوسع في التشويش والتشويه .. وتنفير الناس عن دين الله، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" ادعوا النَّاس، وبَشِّروا ولا تُنفِّروا، ويَسِّروا ولا تُعَسِّرُوا " مسلم.
ومن لوازم ذلك أن ينتهي المرء عن الأسباب والأعمال التي لا يُمكن أن تصب إلا في خانة التنفير عن دين الله!
في كثير من الأحيان يوجد عملان كلاهما مباحان يؤديان نفس الغرض .. لكن أحدهما غريب بعض الشيء يسبب فتنة لشريحة من الناس أو المجتمع .. لا يُمكن أن يفهموه أو يفسروه بطريقة صحيحة .. بينما العمل الآخر يخلو من أي فتنة .. والناس تتفهمه وتتقبله من دون أي ردة فعل سلبية تجاهه .. فحينئذٍ الشرع والعقل يُلزمان المرء بضرورة اختيار العمل الآخر!
كم كان يحزنني ذلك اللغط الواسع الذي دار حول شرعية قتل أسير العدو حزاً بواسطة الذبح بالسكين .. رغم الآثار السيئة المنفرة المترتبة عن استخدام تلك الطريقة ـ والتي أصبحت فيما بعد ذريعة للعدو في التمثيل بجثث المسلمين وهم أحياء ـ وكأنه لا يوجد خيارات غيرها تؤدي غرضها .. من دون أن تثير أي اعتراض أو سوء فهم من الناس .. وبعضهم توسع فرتب على المسألة ولاء وبراء .. وكأنها من مسائل الأصول، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
في الأثر عن ابن مسعود -رضي الله عنه-:" ما من رجلٍ يُحدثُ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم ".
وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، قال:" حَدِّثوا النَّاسَ بما يَعرِفُون أتحبونَ أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه "البخاري.
أقول: كذلك عاملوا الناس بما يعرفون .. حتى لا يُفتنوا .. ويفهموا الجهاد خطأ .. أتحبونَ أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه؟!
ونحو ذلك القيام بعمل محدود في آثاره ومن حيث المصالح المترتبة عليه .. يؤدي إلى فوات مصالح أعظم منها، وتحصيل مفاسد أكبر من المفاسد التي استؤصِلت أو يُراد استئصالها من وراء ذلك العمل المحدود .. فحينئذٍ يكون الإمساك عن فعل ذلك العمل المحدود في آثاره ومصالحه هو الأولى، وهو الذي ينبغي القيام به.
لا يُقبل من أي امرئٍ ـ حتى لو سمى نفسه مجاهداً ـ أن يرمي قنبلته في أي اتجاه وأي مكان .. ومن دون أن يكترث بما يمكن أن يترتب عن إلقائه للقنبلة بتلك الطريقة من آثار ونتائج .. وبما يمكن أن تحققه من مفاسد وتفوته من مصالح معتبرة في شرع الله!
لا يُقبل من أي امرئ ـ حتى لو سمى نفسه مجاهداً ـ أن يقتل فرداً من العدو .. أو يُحدث حدثاً معيناً محدود النفع .. ثم ينجو بنفسه .. وهو يعلم مسبقاً أن قتله لهذا الفرد من العدو أو فعله لهذا الحدث ..سيؤدي إلى قتل واعتقال مئات من المسلمين .. وإلى انتهاك حرماتهم وأعراضهم .. وتعطيل مصالحهم الخاصة والعامة .. ثم هو لا يستطيع أن يفعل حيال ذلك شيئاً!
لا يُقبل ـ شرعاً ولا عقلاً ـ أن يُزال ضرر صغير بضررٍ كبير، ولا منكر صغير بمنكر أكبر، ولا كفر أصغر بكفر أكبر .. ولا كفر أكبر مجرد بكفر أغلظ وأشد كفراً .. حتى لو حصل ذلك باسم الجهاد والمجاهدين!
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 28/129: وجماع ذلك داخلٌ في القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد.
فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فيُنظر في المعارض له؛ فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته ا- هـ.
وقال 14/472: وإذا كان قوم على بدعة أو فجور، ولو نُهو عن ذلك وقع بسبب ذلك شرٌّ أعظم مما هم عليه من ذلك، ولم يمكن منعهم منه، ولم يحصل بالنهي مصلحة راجحة لم يُنهوا عنه .. فالمنهي عنه إذا زاد شره بالنهي، وكان النهي مصلحة راجحة كان حسناً، وأما إذا زاد شره وعظم وليس في مقابلته خير يفوته لم يُشرع إلا أن يكون في مقابلته مصلحة زائدة، فإن أدى ذلك إلى شرٍّ أعظم منه لم يُشرَع؛ مثل أن يكون الآمر لا صبر له، فيؤذى فيجزع جزعاً شديداً يصير به مذنباً، وينتقص إيمانه ودينه ا- هـ.
 

[1] السلسلة الصحيحة: 11.
[2] صحيح سنن ابن ماجه: 3243.
[3] الراجح لدي أنه لا يجوز؛ لأن إزالة منكر بمكنر مثله عبث لا فائدة منه، كمن يزيل شيئاً بشيء مثله، من غير زيادة ولا نقصان، والإسلام منزه عن العبث، وإضاعة الأوقات فيما لا طائل ولا فائدة منه.

   
F ¥ E