|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| مُصْطَلَحَاتٌ ومَفَاهِيمٌ شَرْعِيَّةٌ عَلاهَا غُبَارُ تَأوِيلاتِ وَتَحْرِيفَاتِ المُبْطِلِين |
| 1- لا إله إلا الله. |
|
|
أشرف وأجل وأعظم كلمة أوحاها الله تعالى إلى أنبيائه ورسله من لدن
آدم -عليه السلام- إلى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- هي كلمة
التوحيد .. لا إله إلا الله.
أعظم كلمة نطق بها الإنسان منذ أن خلق الله تعالى آدم -عليه
السلام- وإلى يومنا هذا، وإلى أن تقوم الساعة هي كلمة التوحيد ..
لا إله إلا الله.
أفضل الذكر .. لا إله إلا الله.
لأجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب ..!
لأجلها تزيَّنت الجنان .. واحمرت واسودَّت النيران ..!
لأجلها شرع الله تعالى الجهاد والقتل والقتال، والسلم والحرب،
والولاء والبراء .. وفي سبيلها تُسيَّر كتائب الجهاد والتحرير،
ويرخص كل غالٍ ونفيس ..!
هي غاية الغايات وأعظمها .. لا توازيها ـ فضلاً عن أن تعلوها ـ
غاية أو مصلحة .. ترخص في سبيلها أشرف الغايات، وأعظم المصالح
والمقاصد!
هي أول منازل المرء عندما يخطو نحو الإسلام .. فلا يُقبل منه إسلام
ولا عمل من دونها .. وآخر منازل الفراق والخروج من الدنيا .. إذ لو
فارق الدنيا على غير التوحيد .. فلا يُقبل منه عمل .. وقد خاب
وخسر.
أول ما كان الأنبياء والرسل يبتدئون به أقوامهم .. شهادة التوحيد
.. فلا يقدمون على مطلب التوحيد مطلباً .. ولا على مصلحة التوحيد
مصلحة مهما عظمت وكبرت!
عُرضت الدنيا كلها على نبينا صلوات الله وسلامه عليه .. مقابل أن
يتخلى أو يسكت عن التوحيد .. فأبى إلا أن يأطر الناس أولاً إلى
التوحيد.
كلمة بها تُعصَمُ الدماء عند حصول العثرات، ومورد الشبهات ..!
كلمة بها وعلى أساسها يدخل الناس الجنة أو النار؛ فمن وفَّاها حقها
وأدى شروطها بصدق وإخلاص دخل الجنة مهما كان منه من عملٍ طالح، ومن
أعرض عنها ولم يوفها حقها، ولم يُؤدِّ شروطها .. حقت عليه كلمة
العذاب أبداً، مهما كان منه من عملٍ صالح!
قال تعالى:{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ}النساء: 48.
وقال تعالى:{وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ}الأنعام:88.
هي كلمة لو وزِنت بالسماوات والأرض لرجحت عليهن، ولقسمتهن لا إله
إلا الله .. كما في وصية نوحٍ -عليه السلام- ـ لما حضرته الوفاة ـ
لابنه:" آمرك بلا إله إلا الله؛ فإن السماوات السبع والأرضين السبع
لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهنَّ، ولو أن
السماوات السبع والأراضين السبع كنَّ حلقة مبهمةً لقصمتهنَّ لا إله
إلا الله .."[1].
ومع ذلك لم تتعرض كلمة ـ عبر التاريخ وإلى يومنا هذا ـ إلى التشويه
والتحريف والتأويل الفاسد كما تعرضت له كلمة التوحيد .. لا إله إلا
الله!!
فقد تسلَّطت عليها فِرَق الضلال والأهواء .. ابتداءً بالزنادقة
العلمانيين الكافرين، مروراً بالصوفية المنحرفة .. إلى أهل الإرجاء
والتجهم .. إلى بعض جيوب السلفية المعاصرة الذين جندوا أنفسهم
وعلمهم وأقلامهم للذود عن طواغيت الحكم المجرمين ..!!
فقد أفرغوها ـ بكيدهم ومكرهم وتأويلاتهم الفاسدة الباطلة ـ من
دلالاتها ومعانيها ومقاصدها .. وتعاملوا معها مجرد أحرف باردة
تُردَّد على الألسن، مع طقطقة حبات السُّبحة، في زوايا المساجد ..
من دون أن تلامس حرارة القلوب، أو أن يكون لها أثراً فاعلاً في
واقع حياة الناس وعملهم ..!
لم يتعاملوا معها كما أُريد لها أن تكون .. منهج حياة .. منهجاً
متكاملاً في التغيير؛ تغيير الأنفس والمجتمعات من أوحال الشرك إلى
نور التوحيد، ومن ظلم الجاهلية إلى عدل الإسلام، ومن العبودية
للمخلوق ـ أياً كان هذا المخلوق ـ إلى عبادة الله تعالى وحده.
أفرغوها من حقيقتها ومعناها ومن الغاية التي أنزلت لأجلها ..
وصوروها للناس على أنها مجرد أحرف باردة يتبرك بها عند الذكر أو
التلاوة، لا مساس لها بواقعهم وحياتهم وأعمالهم .. وسلوكياتهم ..
وعلاقة بعضهم ببعض!
يكفي ـ على مذهب هؤلاء المحرِّفين الضالين ـ أن تقولها ـ يا عبد
الله ـ ولو باللسان مرة واحدة .. وليكن منك بعدها ما يكون من عمل
.. وليكن منك بعدها ما يكون من تفريط بما يجب عليك من طاعات
وواجبات!
قلها مرةً في العمر .. تكن ـ على مذهب هؤلاء المحرِّفين الضالين ـ
من أهل النجاة والإيمان ـ في الدنيا والآخرة ـ وإن لم تعمل بها ولا
بشيء من شروطها وواجباتها ومتطلباتها!!
قلها مرةً في العمر .. واعبد بعدها ما تشاء من الآلهة، والأصنام،
والطواغيت الآثمين .. فذلك لا يُضيرك ولا يُعيبك في شيء!
وما دمت قد قلتها ـ ولو مرة في العمر ـ فأنت ـ على مذهب هؤلاء
المحرِّفين الضالين ـ في حصنٍ منيع من التكفير أو المساءلة، ومن
دخول النار .. لك كامل الحقوق .. وأنت فوق الشبهات أو أن يُشك بك
وبدينك وإيمانك مهما كان منك من عمل طالح!
هكذا قالوا، وهكذا يقولون للناس، ووُجِد لقولهم هذا كامل القبول
والترويج والخدمة من قبل طواغيت الكفر والظلم .. فانعكس ذلك
بالدمار والهلاك على العباد، وعلى دينهم وحياتهم .. فالناس في وادٍ
وحقيقة هذا الدين في وادٍ آخر، ومع ذلك فإن كثيراً منهم ـ بحكم
تلبيس هؤلاء المحرِّفين الضالين ـ يحسبون أنهم ممن يُحسنون صنعاً!
فحظهم من الدين والتوحيد أنهم يتلفظون ـ مجرد تلفظ ـ بشهادة
التوحيد في المناسبات وكلما طُلِب منهم ذلك .. ومن دون أن يدروا
شيئاً عن معانيها أو شروطها ولوازمها، أو يُلزَموا العمل بها
وبمقتضياتها في واقع حياتهم ..!
ولما أصبح الأمر بهذه السهولة؛ وبهذا التسيب والهزل واللامبالاة ..
واقتصرت المطالبة على مجرد التلفظ بها من دون أي التزامات أو تبعات
أو عمل .. هان على الجميع التلفظ والتستر بها، والإتيان بها كلما
طُلبت منهم: فطواغيت الحكم والظلم يتلفظون بها .. والزنادقة
الباطنيين يتلفظون بها .. والعلمانيون يتلفظون بها .. وأهل الشرك
من عبدة الأوثان يتلفظون بها .. حتى الشيوعيين الملحدين فإنهم
يتلفظون بها .. بل ما من كافر وفاجر إلا ووجدناه يتلفظ بها .. وإذا
تخاصم اثنان من أهل الفسق والفجور .. تشاتما وتهاترا بها[2] .. ومن
دون أن يجدوا أي تناقض أو تعارض بين واقعهم المنحرف هذا وبين شهادة
التوحيد!
أترون أن شهادة التوحيد التي كان يُطالب بها النبيُّ -صلى الله
عليه وسلم- الناسَ .. وقاتل عليها العرب والعجم .. وسيَّر لأجلها
السرايا والجيوش .. هي شهادة التوحيد بهذا المعنى المنحرف كما
يريدها ويُصورها ويُطالب بها أربابُ التحريف والتأويل والتزوير؟!
أترون مشركي قريش ـ وغيرهم من المشركين ـ كانوا سيرفضون التلفظ
بشهادة التوحيد .. لو كانوا سيفهمون منها ما فهمه أرباب التحريف
والتزوير هؤلاء .. أو كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ـ حاشاه! ـ
يُطالبهم بها .. ويعني منها ما يروج له أرباب التحريف والتزوير
هؤلاء؟!
لكن لما كان الأمر خلاف ذلك كله .. وكان الإقرار بشهادة التوحيد
يعني تحطيم الأصنام والأوثان والعجول والبعول .. يعني الكفر
بالطاغوت والإيمان بالله .. يعني التحرر والانخلاع من العبودية
للعبيد والدخول كلياً في عبادة الله وحده .. يعني الانسلاخ والتخلي
والبراء من ظلم وظلام الجاهلية وعاداتها والدخول في نور وعدل وسلم
الإسلام .. يعني ميلاداً جديداً .. وعهداً جديداً مع نور الإيمان
والإسلام .. يعني فقدان الزعماء وطواغيت الحكم لخصائصهم
وامتيازاتهم الجائرة التي منحتها لهم شرائع الكفر والظلم والطغيان
.. يعني الدخول في الطاعة والانقياد لله تعالى ولرسوله -صلى الله
عليه وسلم- .. يعني القيام بواجبات وأركان الدين .. يعني بذلك
المهج الأرواح، وكل غالٍ ونفيس في سبيل إعلاء كلمة التوحيد .. يعني
فقدان الفوارق والطبقات، والامتيازات التي تُمنح على أساس الفوارق
الطبقية .. وغيرها من الفوارق الأرضية .. ومساواة الشريف القوي مع
الوضيع الضعيف أمام حكم وشرع الله تعالى .. لما كان الإقرار بشهادة
التوحيد يعني ذلك كله .. أبى المشركون إلا الكفر والإعراض
والمناجزة والقتال .. ونفروا ونخروا وأدبروا .. وقاموا وهم ينفضون
ثياب الكبر والخيلاء، وقالوا:{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً
وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ص:5. و {كَانُوا إِذَا
قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}الصافات:
35.
فإذا عرفنا ذلك، بقي أن نشير إلى معنى مفهوم شهادة التوحيد " لا
إله إلا الله "، كما هو في دين الله تعالى .. وكما يريده الله
ورسوله -صلى الله عليه وسلم- .. ليكون الناس على بينة من أمر دينهم
وأين هم من الحق .. ومن شهادة أن لا إله إلا الله.
لا إله إلا الله تعني: أن لا مألوه ولا معبود بحق إلا الله تعالى
.. فالإله الحق الذي يستحق أن تُصرف له كامل العبادة ـ بمعناها
العام والشامل لجميع أنواع العبادة الظاهرة منها والباطنة ـ هو
الله تعالى وحده لا شريك له؛ لكمال أسمائه وصفاته .. وأفضاله على
خلقه .. ولانتفاء المثيل أو الشبيه أو الند أو الكفء .. الذي
يُشابه أو يُشارك الله تعالى في شيء من صفاته وخصائصه -سبحانه
وتعالى-.
وشهادة التوحيد تقوم على ركنين أساسيين؛ ينتفي التوحيد بانتفائهما
أو انتفاء أحدهما:
الركن الأول: المعني من الشطر الأول من شهادة التوحيد " لا إله "؛
وهو يتضمن جانب النفي والبراء والانخلاع من الشرك والمشركين ..
والكفر بالطواغيت .. والآلهة المزيفة الكاذبة .. واعتزالهم والبراء
منهم وممن يعبدونهم من دون الله -عز وجل-.
هذا النفي .. وهذا البراء من الشرك والمشركين .. والطواغيت التي
تُعبد من دون الله .. يجب أن يكون بالقلب والاعتقاد، واللسان،
والعمل معاً .. لا تُجزِئ إحداها عن الأخرى؛ فمن أتي بالنفي
والبراء من الشرك والمشركين في القلب والاعتقاد من دون قول اللسان
والعمل .. أو أتى بالاعتقاد والقول باللسان .. من دون العمل .. لا
يكون قد أتى بالنفي المطلوب والكامل .. ولا يكون ممن حقق في نفسه
شهادة التوحيد .. ولا يتم له ذلك إلا بعد أن يأتي بجانب النفي في
الاعتقاد، وقول اللسان، والعمل معاً.
كما قال تعالى:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي
إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا
بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا
بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء
أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}الممتحنة:4.
ولما سألَ السائلُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عن علامات وآيات
الإسلام؟ قال -صلى الله عليه وسلم-:" أن تقولَ: أسلمتُ وجهي إلى
الله، وتخلَّيتُ، وتُقيم الصلاةَ، وتؤتي الزكاةَ "[3].
وقوله -صلى الله عليه وسلم-:" وتخلَّيتُ "؛ أي قل ـ ظاهراً وباطناً
ـ تخليت وتبرأت من الشرك والمشركين .. والطواغيت التي تُعبد من دون
أو مع الله .. وكل ماضٍ لك في جاهليتك يتنافى ويتعارض مع تعاليم
الإسلام.
" إلا "؛ أداة استثناء جاءت بعد نفي تُفيد غاية الحصر والقصر ..
ولتستثني من الآلهة التي تُعبد، والتي يجب الكفر بها والبراء منها،
" الله "؛ فالله تعالى وحده هو المستثنى من هذا الكفر، وهذا البراء
والاعتزال .. الذي تضمنه الركن الأول من شهادة التوحيد .. وهو معنى
الركن الثاني من ركني التوحيد الذي يُفيد الإثبات بأن الله تعالى
وحده المستحق للعبادة .. والذي يجب أن تُصرف إليه وحده عبادة
العباد.
هذا الإثبات بأن الله تعالى هو المعبود بحق يكون بالاعتقاد، وقول
اللسان، والعمل .. لا تُجزئ إحداها عن الأخرى؛ فمن أتي بالإثبات
بالقلب أو بالقلب وقول اللسان من دون عمل الجوارح .. لا يكون قد
أتى بالتوحيد المطلوب .. كما أنه لا يستفيد من توحيده الناقص هذا
.. ولا يتحقق له التوحيد الكامل والمطلوب إلا إذا أتى بجميع الخصال
معاً: اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح.
والحكمة من تقديم جانب النفي على جانب الإثبات في شهادة التوحيد؛
أن الإثبات لو جاء قبل النفي فإن صاحبه لا ينتفع من عبادته لربه
-عز وجل-؛ لأنه يكون بذلك قد خالط التوحيد بالشرك، وقبل أن يتبرأ
من الشرك، بخلاف لو أنه قدم جانب النفي على جانب الإثبات فإنه
ينتفع من توحيده، ويكون توحيده كاملاً لا شائبة فيه.
هذا المعنى اللطيف والهام لشهادة التوحيد قد دلت عليه جملة من
الآيات القرآنية، كما في قوله تعالى:{فَمَنْ يَكْفُرْ
بِالطَّاغُوتِ}؛ جانب النفي والكفر والبراء من الطاغوت وعبادته
{وَيُؤْمِن بِاللّهِ}؛ جانب الإثبات بأن الله تعالى هو المعبود بحق
.. فهذا الذي يُحقق في نفسه ركني التوحيد هاذين، ويأتي بالجانبين
معاً: جانب النفي والإثبات {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ
الْوُثْقَىَ}؛ أي فقد استمسك بشهادة التوحيد لا إله إلا الله التي
{لاَ انفِصَامَ لها}البقرة:256. ولا انقطاع!
مفهوم المخالفة أن من لم يحقق في نفسه ركني التوحيد الآنفي الذكر:
النفي والإثبات، لا يكون قد استمسك بالعروة الوثقى؛ أي بشهادة
التوحيد.
ونحو ذلك قوله تعالى:{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا
يَعْبُدُونَ}؛ جانب الاعتزال والبراء من الشرك والمشركين، وما
يعبدون من طواغيت وآلهة مزيفة كاذبة {إِلَّا اللَّهَ}الكهف:16.
فإنهم لم يعتزلوا عبادته؛ لأنه الإله الحق الذي يستحق أن يُفرَد
بالعبادة.
وكذلك قوله تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ
إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ}؛ جانب البراء من الطواغيت
ومن عبادتهم، وهو الركن الأول من التوحيد، {إِلَّا الَّذِي
فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}الزخرف:26-27. جانب الإثبات، وهو
الركن الثاني من التوحيد؛ أي إلا الله الذي خلقني فإني لا أتبرأ من
عبادته؛ بل أعبده وأخصه بالعبادة وحده لا شريك له.
ونحوه قوله تعالى:{قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ .
أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي}؛
جانب الكفر والبراء من الطواغيت المعبودين من دون الله، وإعلان
العداوة والبغضاء لهم، وهذا من تمام البراء والكفر بهم، وهو يمثل
الركن الأول من شهادة التوحيد، {إِلَّا رَبَّ
الْعَالَمِينَ}الشعراء:75-77. فهو -سبحانه وتعالى- مستثنى من تلك
العداوة؛ لأنه ربي ورب العالمين المستحق وحده للعبادة، وهذا
الاستثناء الذي تبعه إثبات وإقرار، يمثل الركن الثاني من شهادة
التوحيد.
هذه الآيات وغيرها تفيد أن المشركين كانوا مقرين بجانب من توحيد
الربوبية، وكانوا يعبدون الله تعالى من جهة توحيد الربوبية، كما
قال تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم
مُّشْرِكُونَ}يوسف:106. فهم آمنوا بالربوبية وأشركوا بالألوهية،
ونحو ذلك قوله تعالى:{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}العنكبوت:61. وقوله
تعالى:{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}لقمان:25. فهم كانوا مقرين بأن الله
تعالى هو الخالق لهذا الكون ومن فيه، المتصرف بخلقه وفق مشيئته
وحكمته، لكنهم كانوا يُشركون معه آلهة أخرى من جهة توحيد الألوهية
والعبادة .. فيعبدون معه آلهة أخرى؛ لذا لو جاء البراء مطلقاً مما
يعبدون من دون استثناء الخالق -سبحانه وتعالى- المستحق للعبادة لعم
البراء من جميع ما يعبدون: الله تعالى .. والآلهة الأخرى .. وهذا
لا يجوز.
كما ندرك فساد تفسير شهادة التوحيد بتوحيد الربوبية وحسب؛ كقول
القائل عن معنى " لا إله إلا الله "؛ أي لا خالق ولا ضار ولا نافع
ولا متصرف في هذا الكون إلا الله .. فهذا التفسير خاطئ وقاصر .. بل
كثير من المشركين يقولون به .. ومع ذلك كثير ممن يُنسب للقبلة
وأهلها في زماننا يفسر التوحيد بهذا المعنى الآنف الذكر .. ثم يحسب
نفسه أنه على حق، وأنه ممن يُحسنون صنعاً![4].
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من قال
لا إله إلا الله، وكفرَ بما يُعبد من دون الله حَرُمَ مالُه ودمُه،
وحسابُه على الله " مسلم.
وقوله -صلى الله عليه وسلم- " وكفرَ بما يُعبد من دون الله "؛ ليس
هو مطلب آخر مع شهادة التوحيد خارج عنها وعن معناها وشروطها، بل هو
توكيد لشرطها وشطرها وركنها الأول المتضمن لجانب النفي " لا إله "
المتضمن لمعنى البراء والكفر بكل ما يُعبد من دون الله.
واعلم أن لشهادة التوحيد شروطاً، تنتفي ـ وينتفي الانتفاع بها ـ
بانتفائها أو انتفاء شرط واحد منها، وهي: النطق والإقرار، والكفر
بالطاغوت، والعلم، والصدق والإخلاص، وانتفاء الشك وحصول اليقين،
والعمل بها، ومحبتها ومحبة أهلها محبة تنافي الكره والبغض، والرضى
بها والانقياد والتسليم لها، والموافاة عليها[5].
كما أن لشهادة التوحيد حقوقاً وواجبات ينتقص التوحيد ويضعف على قدر
الانتقاص من تلك الحقوق والواجبات، ويقوى ويزداد على قدر تحققها
والقيام بها؛ وهي جميع ما فرض الله تعالى على عباده من الفرائض
والطاعات، كالصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع
إليه سبيلاً، والجهاد في سبيل الله وغيرها من الأعمال الواجبة[6].
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" أُمِرتُ أن أقاتلَ الناسَ
حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسولُ الله، ويُقيموا
الصلاةَ، ويُؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عَصَمُوا مني دماءَهُم
وأموالَهم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابُهم على الله " متفق عليه.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" أُمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا
أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بِي وبما جِئتُ به، فإذا فعلوا ذلك
عَصَمُوا مني دماءَهم وأموالَهُم إلا بحقها، وحسابُهم على الله "
مسلم.
وعن ابن الخصَاصية السَّدوسي قال: أتيت رسولَ الله -صلى الله عليه
وسلم- أبايعه فاشترط عليَّ أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً
عبدُه ورسولُه، وتصلي الخمسَ، وتصومَ رمضانَ، وتؤدِّي الزكاةَ،
وتحجَّ البيتَ، وتجاهدَ في سبيلِ الله، فقلت: يا رسولَ الله أما
اثنتان فلا أطيقهما: الزكاة؛ فوالله مالي إلا عَشر ذَودٍ ـ أي من
الإبل ـ هنَّ رسلُ أهلي وحمولتهم، وأما الجهادُ فيزعمون أنه من ولى
الدُّبرَ فقد باءَ بغضبٍ من الله، فأخافُ إذا حضرني قتالٌ خشَعَت
نفسي فكرهتُ الموتَ! فقبض رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يدَه
وحرَّكَها، وقال:" لا صَدَقَة َولا جِهادَ فبِمَ تَدخلُ الجنَّةَ
؟!"، فبايعته عليهنَّ كلَّهن[7].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" لا إله إلا الله تمنع من سَخَطِ الله
ما لم يُؤثِروا سَفعةَ دنياهم على دينهم، فإذا فعلوا ذلك، ثم قالوا
لا إله إلا الله، قال الله: كذبتم "[8].
هذه هي شهادة التوحيد .. فانظر ـ يا عبد الله ـ أين أنت منها ..
ولكي تعرف مدى قربك أو بعدك عنها، سَلْ نفسكَ الأسئلة التالية، ثم
اصدق نفسك في الإجابة عنها: هل شهادة التوحيد هي التي توجهك وتسيرك
.. وتحدد مواقفك في هذه الحياة .. أم لك موجهات ومؤثرات أخرى غيرها
..؟!
هل تعيش مع شهادة التوحيد .. وشهادة التوحيد تعيش معك .. في جميع
تقلباتك وأطوارك .. وسكناتك وأحوالك .. وأنفاسِك .. وتعاملك مع
نفسك والآخرين .. أم أنك تعيش مع غيرها؟!
عند مورد النزاع والاختلاف تحتكم إليها أم أنك تحتكم إلى غيرها
..؟!
على أي أساس تفسر الأشياء .. وتفهم الأشياء .. وتحدد موقفك منها
سلباً وإيجاباً .. سلماً وحرباً .. حباً وجفاءً .. على أساسها أم
على أسس أخرى غيرها؟!
هل تحبها .. وتحب أهلها .. أم أنك ممن يحبون أعداءها .. ثم بعد ذلك
تزعم ـ زوراً ـ أنك من أوليائها وممن يحبونها؟!
هل تنتفع منها ومن ثمارها وعطائها كل حين .. أم أنك عنها وعن
عطائها وثمارها من الغافلين الزاهدين؟!
فللتوحيد عطاء مستمر لا ينضب ولا يتوقف، مهما غرف منه الغارفون،
وتفقه فيه المتفقهون، كما قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ
اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا
ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء . تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ
حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}إبراهيم:24-25.
{أَلَمْ تَرَ}؛ ببصرك وبصيرتك .. وبقلبك وفكرك؛ فالنظر في الأشياء
لا يكتمل إلا إذا جمع بين نظر البصر والبصيرة معاً .. وهذا لا
يجتمع إلا للمؤمن، أما الكافر فتقتصر رؤيته للأشياء على رؤية البصر
وحسب .. {كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً}؛ للتأمل والاعتبار والتدبر
.. لتتضح المقاصد .. ويظهر المخبوء من المعاني {كَلِمَةً}؛ وهي
شهادة التوحيد؛ لا إله إلا الله التي لو وزنت بالسماوات والأرض
لرجحت عليهن لا إله إلا الله .. ولو كن حلقةً مبهمة لقصمتهنَّ لا
إله إلا الله {طَيِّبَةً}؛ طيبةً في أحرفها وكلماتها وذكرها ..
طيبة في معناها .. طيبة في عطائها وثمارها وآثارها .. طيبة في
نتائجها لمن يُختم له بها .. طيبتها {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ}؛ طيبة
في شموخها .. وقوتها .. ومتانتها .. وظلها .. وثمارها .. وطعمها ..
ونفعها للناس .. {أَصْلُهَا}؛ أي جذورها متينة وممتدة .. وضاربة في
أطناب الأرض وأعماقها .. ترشف من التربة صفوة الغذاء وأنقى الماء
.. مما يجعلها {ثَابِتٌ}؛ ثابتة قوية تستعصي على الرياح والمخاطر
.. وتقلبات الطقس .. {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء}؛ ممتد على قدر
امتداد جذورها في الأرض .. يستمد غذاءه وقوته ونضارته وخضرته .. من
الجذور الممتدة في الأرض .. وكذلك الجذور تستمد كثيراً من غذائها
وقوتها من الفروع والغصون الممتدة في السماء .. فكل منهما الجذور
والفروع يؤثِّر ويتأثَّر بالآخر .. وهكذا شهادة التوحيد " لا إله
إلا الله "؛ فهي ضاربة بجذورها في قلب الإنسان المؤمن ـ لا تضرها
فتنة ولا شبهة ولا شهوة .. فلا يقوى مع التوحيد شيء .. فالتوحيد
يحرق الشبهات ويهذِّب الشهوات ـ تستمد من أعمال القلب الإيمانية
غذاءها ورحيقها وماءها .. ليثمر هذا الغذاء .. فروعاً صالحة معطاءة
تظهر على الجوارح والبدن .. فالقلب إذا عُمِرَ بالتوحيد أينعت
ثماره على الجوارح الظاهرة .. ولا بد .. وكما أن التوحيد في القلب
يؤثر في عطاء الجوار قوة وضعفاً بحسب قوة وضعف التوحيد في القلب ..
كذلك فإن التوحيد في القلب يتأثر سلباً أو إيجاباً مما يعتري
الجوارح الظاهرة من قوة أو ضعف .. بحسب نوع الأعمال .. كالشجرة
تماماً .. التي تتأثر جذورها بفروعها وفروعها بجذورها .. يصدق ذلك
قوله -صلى الله عليه وسلم-:" ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت "
بالتوحيد " صلح الجسد كله، وإذا فسدت " بالشرك " فسد الجسد كله "
البخاري. فكل من الظاهر والباطن يؤثر ويتأثر بالآخر، ويدل عليه.
هذه الشجرة الطيبة المباركة {تُؤْتِي أُكُلَهَا}؛ أي ثمارها
وعطاءها وخيرها {كُلَّ حِينٍ}؛ أي كل وقت من غير انقطاع ولا توقف
.. فهي ليست موسمية العطاء .. بل عطاؤها ممتد طيلة المواسم والفصول
.. وكذلك كلمة التوحيد فعطاؤها مستمر في كل حين ووقت من غير توقف
ولا انقطاع .. فخيرها لا ينضب .. وهو ممتد ومستمر على مدار الفصول
والشهور والأيام والساعات .. واللحظات .. لا غنى للمرء عنه ولو
لبرهة واحدة.
هذا الخير العظيم وهذا العطاء المبارك للشجرة المباركة .. لا يتحصل
صدفة .. أو من تلقاء نفسها .. أو لمجرد العوامل الطبيعية المحيطة
بها .. كما يظن الجاحدون الكافرون .. كلا ليس شيئاً من ذلك .. بل
هو يحصل {بِإِذْنِ رَبِّهَا}؛ الذي خلقها، وخلق كل ما تحتاج إليه
من عوامل وعناصر وغذاء .. ليستوي عطاؤها وجمالها .. وتستوي ثمارها
.. كذلك شهادة التوحيد .. فهي تُخرج الناس من عبادة العباد إلى
عبادة رب العباد .. ومن ظلم وظلام الشرك .. إلى عدل ونور التوحيد
.. وتنفع صاحبها يوم القيامة .. لكن هذا كله يتم بإذن الله تعالى
ومشيئته، فالله تعالى هو الهادي؛ يهدي من يشاء ويُضل من يشاء ..
ومن يهده الله فهو المهتد .. ومن يُضلل فلا هادي له .. {يُثَبِّتُ
اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ
وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ}إبراهيم:27. والقول الثابت هو شهادة
التوحيد؛ لا إله إلا الله .. {وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، أي يعتبرون ويتفكرون ..
ويتذكرون جميع المعاني الآنفة الذكر .. فينتفعون من تلك الأمثال
التي يضربها الله للناس[9].
هذه الأسئلة ـ الآنفة الذكر أعلاه ـ إن صدقت نفسك في الإجابة عنها
عرفت أين أنت من شهادة التوحيد .. وأين موقعك منها ومن أهلها ..
وعلمت هل أنت ممن ينتمون إليها وإلى أهلها حقَّاً .. أم ممن
ينتسبون إليها وإلى أهلها اسماًً وزوراً!
[1] صحيح الأدب المفرد: 426.
[2] مما درج عليه كثير من الناس إذا تخاصم أو اختلف الواحد منهم مع
الآخر، قال أحدهما للآخر على وجه الإسكات والتوبيخ والتبكيت: وحد
الله يا رجل؛ أي اسكت وكفَّ أذاك .. ونحو ذلك ما يفعلونه في
مسلسلاتهم ومسرحياتهم الكوميدية المضحكة؛ لغرض إضحاك الناس، عندما
يقول الممثل المهرج: وحدوه .. وحدوه .. هكذا يتناولون التوحيد،
وهكذا يتعاملون معه!!
[3] صحيح سنن النسائي: 2285.
[4] شهادة التوحيد شاملة لأقسام التوحيد الثلاثة معاً: توحيد
الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الله تعالى في أسمائه وصفاته،
كما بينا ذلك في كتابنا " شروط لا إله إلا الله "، فراجعه إن شئت.
[5] قد تناولنا شرح هذه الشروط وأدلتها بشيء من التفصيل في كتابنا
" شروط لا إله إلا الله "، فراجعه إن شئت.
[6] باستثناء فريضة الصلاة؛ فإنها شرط لصحة التوحيد، ينتفي التوحيد
بانتفائها .. كما بينا ذلك في كتابنا " حكم تارك الصلاة "، وكتاب "
أعمال تُخرج صاحبها من الملة "، فراجعهما إن شئت.
[7] قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني في الكبير
والأوسط، واللفظ للطبراني، ورجال أحمد موثقون.
[8] قال الهيثمي في الزوائد 7/277: رواه البزار، وإسناده حسن.
وقوله " سفعة دنياهم "؛ أي عطاء دنياهم.
[9] أصارحكم القول: أنني كلما ضربت في فلاةٍ ورأيتُ شجرة ضخمة
ضاربة الجذور في الأرض والتاريخ، شامخة الامتداد في السماء، وافرة
العطاء والثمر .. تذكرت شهادة التوحيد؛ لا إله إلا الله. |
|
|
|
|
F
¥
E |
|