الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
مُصْطَلَحَاتٌ ومَفَاهِيمٌ شَرْعِيَّةٌ عَلاهَا غُبَارُ تَأوِيلاتِ وَتَحْرِيفَاتِ المُبْطِلِين
3- العِبَادَة.
  اعلم يا عبد الله أن الله تعالى لم يخلق العبادَ عبثاً من غير غاية ولا منهاج ينتهجونه في هذه الحياة .. يُحدد لهم معالم الطريق .. ويبين لهم الحق من الباطل .. والخير من الشر .. يوصلهم إلى مرضاة ربهم -عز وجل- .. وإلى ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة .. فهذا يتنافى مع كمال أسمائه الحسنى وصفاته العليا؛ فالله تعالى الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا منزه عن العبث أو أن يخلق عباده عبثاً من غير غاية، ولا متابعة ولا مُحاسبة، كما قال تعالى:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ . فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ}المؤمنون:115-116.
واعلم أن الله تعالى لم يخلق العباد لغاية أو لشيء إلا لغاية واحدة فقط؛ ألا وهي عبادته -سبحانه وتعالى- وتوحيده .. فالغاية من خلق الإنسان ووجوده في هذه الحياة أن يعبد الله تعالى وحده لا شريك له .. فلا يخص بالعبادة أحداً سواه.
فعبادة الله تعالى وحده هي غاية الغايات .. التي ترخص وتهون في سبيلها الوسائل والغايات .. لا يجوز أن يُقدَّم عليها غاية .. أو يُشغل عنها بغاية أخرى مهما عظمت أو علا شأنها.
قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ}؛ لشيء أو لغاية {إِلَّا}؛ أداة استثناء أتت بعد نفي لتستثني من النفي غاية واحدة فقط؛ وهي {لِيَعْبُدُونِ}الذاريات:56. أي ليخصوا الله تعالى وحده بالعبادة .. وإفراد الله تعالى وحده بالعبادة، هو الغاية من خلق الله تعالى للجن والإنس .. بل ومن خلق الخلق كله.
ونحو ذلك قوله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا}؛ أي لم يُؤمروا بشيء {إِلَّا}؛ أداة استثناء أتت بعد نفي لتستثني من نفي مطلق الأمر أمراً واحداً فقط، وهو {لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ التوبة:31.
وكذلك قوله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}البينة:5.
وقوله تعالى:{وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ}؛ ليس أمراً آخر غير الأمر بعبادة لله تعالى وحده، فالصلاة والزكاة تدخلان دخولاً كلياً في معنى ومسمى العبادة التي يجب أن تُصرف لله تعالى وحده .. وإنما هو من قبيل ذكر الخاص من العام، للتأكيد على هذا الخاص، وبيان أهميته ومكانته بين الطاعات والأعمال التي تدخل في معنى ومسمى العبادة.
وقال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً}؛ لماذا .. وما هي المهمة والغاية التي أرسلوا لأجلها؟
{أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ}؛ أن يأمروا الأمم والشعوب التي أرسلوا إليها بأن يخصوا الله تعالى وحده بالعبادة .. وأن يصرفوا إليه جميع ما يدخل في معنى ومسمى العبادة .. {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}النحل:36. أي اعتزلوه، واعتزلوا عبادته؛ فلا تخصوه بشيء ـ مهما دقَّ ـ مما يدخل في معنى ومسمى العبادة.
ونحو ذلك قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}الأنبياء:25. فالدعوة إلى عبادة الله تعالى وتوحيده .. هي مهمة ودعوة جميع الأنبياء والرسل من لدن أبينا آدم -عليه السلام- إلى نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه .. وهي الغاية من إرسالهم .. وبالتالي فإن من يخرج من العباد عن عقيدة التوحيد .. وعبادة الخالق -سبحانه وتعالى- .. إلى عقائد الشرك والتنديد .. وعبادة المخلوق .. لا يُمكن أن يُصنَّف على أنه من أتباع الرسل أو أحدٍ منهم!
وفي الحديث القدسي:" إنَّ الله عز وجل قال: إنا أنزلنا المالَ لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة "[1]. فالمال وسيلة أُنزل لتسهيل وتحقيق غاية عبادة العباد لربهم -عز وجل- .. وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة .. فاحذر ـ يا عبد الله ـ أن تجعل الغاية وسيلةً والوسيلة غاية .. أو أن تنشغل بالوسيلة عن الغاية .. وما أكثر الذين يجعلون الوسائل غايات على حساب الغايات والمقاصد الكبرى!
واعلم ـ يا عبد الله ـ أن لله عليك حقاً لا يجوز أن تُقدِّم عليه حقاً .. ولا أن تنشغل بحقٍّ من حقوقك أو حقوق العباد عن حقه عليك .. فإن تزاحمت الحقوق عليك .. فحق الله تعالى يعلو ولا يُعلى عليه .. ويُقدَّم ولا يُقدَّم عليه .. وحقُّه عليك أن تعبده ولا تُشرك به شيئاً.
كما في الحديث، عن معاذ بن جبل، قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :" يا معاذ أتدري ما حقُّ الله على العباد؟" قال: الله ورسوله أعلم. قال:" أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حقهم عليه؟" قال: الله ورسوله أعلم. قال:" أن لا يعذبهم " متفق عليه. أي إن أدوا حقه عليهم .. ومن لا يُعذَّب دخل الجنة.
هذا في الآخرة أما في الدنيا؛ فإن من ثمرات تحقيق التوحيد، وإفراد الله تعالى بالعبادة .. وقيام العباد بحقه عليهم .. تحقيق الاستخلاف والتمكين في الأرض لعباد الله الموحدين .. واستبدال خوفهم بالأمن والأمان، كما قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} هذا العطاء والفضل والخير كله مقابل {يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً}النور:55.
فمن ينشد ـ من المسلمين ـ الاستخلاف والتمكين في الأرض بعيداً عن تحقيق هذا القيد والشرط {يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً}، فهو واهم .. وكمن يسير نحو سرابٍ يحسبه الظمآنُ ماءً[2]!
لا ينبغي للدعاة العاملين في حقل الدعوة إلى الله ـ وهم في حركتهم ودعوتهم إلى الله ـ أن يغفلوا عن هذه الغاية الأساس أو أن ينشغلوا عنها بشواغل لا تقدم ولا تؤخر .. في ميزان الحق .. وميزان التغيير!
الطاغوت قد يقبل منك أن تطرح أي موضوع .. وتتكلم في أي موضوع .. وتناقش أي موضوع فرعي .. وتدعو إلى أي فكرة إيجابية تخدم سلطانه وملكه ـ وتكون له من المقربين إن فعلت ـ لكن لا يمكن أن يقبل منك أن تناقش بصدق: مَن المعبود بحق في الأرض .. الله أم الطاغوت؟!
لمن الحكم .. والتشريع .. والتحسين والتقبيح، والتحليل والتحريم .. لله أم للطاغوت؟!
من المُطاع لذاته .. الله أم الطاغوت .. قانون من ينفذ في الأرض وبين الناس قانون الله أم قانون الطاغوت؟!
من المحبوب لذاته .. فيمن يُعقد الولاء والبراء .. وتُقسم الحقوق والواجبات .. الله أم الطاغوت؟!
هذا الذي لا يقبله الطغاة الآثمون منك .. وهم على استعداد أن يرتكبوا جميع المحظورات والموبقات والجرائم .. من أجل حظر وإيقاف من يدعو إلى التوحيد الخالص .. أو يطرح المسائل الآنفة الذكر أعلاه .. وسجونهم المليئة بالدعاة إلى التوحيد أكبر دليل على ذلك!
لكن الدعاة إلى الله ليس لهم خيار ـ اتباعاً لمنهج الأنبياء في الدعوة إلى الله ـ أن يتجاوزوا هذه القضية الهامة .. إلى قضايا أخرى ثانوية .. قد لا تعني شيئاً أو كثيراً في ميزان الحق والعدل .. وعملية التغيير .. بل قد لا يُمكن تمريرها بصورة حسنة وسليمة .. إن لم تُحسم القضية الأولى والأساس أولاً .. من المعبود بحق في الوجود .. الله أم الطاغوت؟!
هذه هي القضية الأساس والأهم التي يجب على الدعاة أن يقفوا عندها طويلاً ولو استغرق ذلك منهم الدهر كله .. ولا يتجاوزوها إلى غيرها .. إلا بعد أن يُعطوا أولاً الإجابة الكافية الوافية عنها!
قال تعالى:{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}آل عمران:64.
هذا هو أمر وتوجيه الله للمؤمنين .. بأن يُحاوروا أهل الكتاب ـ من اليهود والنصارى ـ ويقولوا لهم أولاً:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}؛ نستوي أمامها جميعاً .. ونلتزم بها جميعاً .. لا فضل لأحدٍ منا ـ أمام هذه الكلمة ـ على الآخر .. ما هي هذه الكلمة {أَلاَّ نَعْبُدَ} أحداً ولا شيئاً من الأشياء {إِلاَّ اللّهَ} فنخصه ونفرده بالعبادة وحده {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئا}، ومن تمام ولوازم تحقيق هذا التوحيد أن {لاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ} نشرِّع ونقنن لبعضنا البعض .. ونحلل ونحرم .. ونحسن ونقبح لبعضنا البعض من تلقاء أنفسنا .. ومن دون سلطان ولا علم من الله تعالى، كما هو سائد الآن في غالب الأمصار والأوطان .. وفي ظل الأنظمة الديكتاتورية والديمقراطية سواء {فَإِن تَوَلَّوْاْ}؛ أعرضوا وكفروا .. وأبوا إلا أن يُشركوا بالله .. ويتخذوا بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله {فَقُولُواْ} يا مسلمون ويا مؤمنون ـ من غير خجل ولا وجل ولا تردد ـ وبكل ثبات ووضوح {اشْهَدُواْ} يا أهلَ الكتاب {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}؛ موحدون مستسلمون لحكم وأمر ربنا .. لا نشرك بالله شيئاً .. ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله .. ونحن برآء منكم ومما تشركون وتعبدون من دون الله .. لكم دينكم ولنا دين!
رغم وضوح هذا التوجيه الرباني للمؤمنين في كيفية محاورة أهل الكتاب .. وتحديد الأولويات في الحوار .. إلا أن من المسلمين من أبناء جلدتنا ـ كما في مجالس ومؤتمرات حوار الأديان[3] ـ يغضون الطرف عن هذا المنهج الرباني .. لا يأتون إلى ذكره ولا حتى مجرد الإشارة إليه .. ويتناولون في حواراتهم مسائل ومواضيع أخرى مكررة ومشتركة لا يختلف عليها ـ في الأساس ـ أطراف الحوار .. محددة لهم مسبقاً من قبل الساسة والطواغيت!
ونحو ذلك ما يفعله بعض الدعاة والشيوخ .. عندما يهدرون طاقاتهم وأوقاتهم .. في محاورة أهل الكتاب حول مسائل فرعية لا طائل منها يُذكر؛ كمسألة تعدد الزوجات في الإسلام .. أو لماذا يحرم الإسلام اقتناء الكلاب في البيوت .. وموقف الإسلام من المرأة .. ومن حقوق الإنسان والحيوانات .. وغيرها من المسائل التي لا يُمكن أن تُفهم أو يستجيب إليها الطرف الآخر .. إلا بعد أن يفهم ويستجيب أولاً إلى التوحيد الخالص .. ويفقه معنى ودلالات " لا معبود بحق في الوجود إلا الله ".
وبعد، هذه هي الغاية من الوجود .. وهذه هي أهميتها ومكانتها في دين الله .. وهذا هو حق الله تعالى على العباد .. فأين أكثر الناس من هذه الغاية .. ومن هذا الحق؟!
كثير من الناس .. لو سألتهم عن الغاية من وجودهم .. وعن هدفهم الذي يعملون لأجله في هذه الحياة .. لجاءت أجوبتهم متباينة مختلفة .. كل جواب منها يسير في وادٍ مختلف .. لكن كلها تصب حول الدنيا ومتاعها وزخرفها: فهذا الذي يريد أن يشيد قصراً .. وهذا الذي يخطط ليصبح عنده وادٍ من ذهب .. فإن أصبح عنده وادٍ خطط لوادٍ آخر، ولا يُملئ جوفه إلا التراب .. وهذا الذي يخطط لمنصب دنيوي يبتغيه ويسعى إليه منذ نعومة أظافره .. ليشار إليه بالبنان .. وهذا الذي يسعى لإشباع شهواته وغرائزه بالحرام .. وغيرها من الطموحات الدنيوية .. التي تُبعد الإنسان عن الغاية التي خُلق لأجلها!
والقليل الذي يُحسن الإجابة ـ من هذا الكم الكثير من الناس ـ فيقول: الغاية من وجودنا في هذه الحياة أن نعبد الله .. يُقال له: أحسنت، لكن ما هو مفهوم العبادة .. التي تعنيها .. والتي خُلقت لأجلها .. وتحرص على أدائها؟!
لأجابك من فوره: هي عبادة الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة .. عبادة النذر والنسك .. عبادة الذكر والاعتكاف في زوايا المساجد وحسب .. حتى بات الناس يفهمون من الأمر الإلهي {اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}الأعراف:59. أي صلوا وصوموا وحجوا فقط .. وهذه الفرائض لا شك أنها تدخل في معنى ومسمى العبادة دخولاً كلياً وأساسياً .. لكن ليست هي كل المراد من العبادة التي يريدها الله تعالى من عباده .. كما لا يجوز حصر معنى العبادة في هذه الشعائر والفرائض الهامة.
هذا الفهم الخاطئ لمعنى العبادة لم يأتِ من فراغ .. أو صدفة .. وإنما هو نتاج تراكمات وممارسات فكرية دخيلة خاطئة .. ونتاج مكر كبير، كما قال تعالى:{وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً}نوح:22. وقال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً}سبأ:33. أي شركاء نخصهم ـ مع الله تعالى ـ بالعبادة .. هذا المكر المتواصل تواصل الليل مع النهار استغرق عقوداً وربما قروناً .. ليوصل مستوى تعامل الناس مع مفهوم العبادة إلى ما وصلوا إليه .. عمل لأجله العدو الكافر، والمسلم الجاهل الضال المنحرف وهو يدري أو لا يدري[4].
هذا الفهم الخاطئ القاصر لمعنى العبادة .. أوقع كثيراً من الناس في عبادة غير الله -عز وجل- من أوجه عدة .. ظناً منهم أنها لا تدخل في معنى ومسمى العبادة؛ فالذي يعبد الله تعالى في الصلاة فقط، ويقصر معنى العبادة على الصلاة فقط، التي لا تستغرق من يومه كله أكثر من ساعة واحدة .. فبقية ساعات يومه الثلاث والعشرين .. يصرفها لمن .. ويعبد فيها مَن .. ويتوجه فيها إلى مَن؟! .. فالإنسان خُلِق عابداً، وفُطر على العبادة .. فمن لا يعبد الله تعالى لا شك أنه عابد لسواه سواء علم أم لم يعلم، وسواء أقر بذلك أم لم يقر.
فالوقت الذي تخرج فيه ـ يا عبد الله ـ من عبادة الله تعالى .. تدخل في عبادة غيره ولا بد سواء علمت أم لم تعلم .. وسواء اعترفت أم لم تعترف!
هنا يأتي السؤال الهام .. وضرورة الجواب عنه: إذا كان الأمر بهذا الجد .. وهذه الأهمية والخطورة .. فما هو مفهوم العبادة كما هو في الإسلام .. وكما يجب على العباد أن يعتقدوه ويُمارسوه؟!
أقول: العبادة لغة: تعني التذلل، والخضوع، والانقياد، ومنه يُقال الطريق المُعبَّد؛ إذا كان مذللاً بكثرة الوطءِ. واصطلاحاً وشرعاً، فهي:" اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة "[5]. وهي بهذا التعريف الجامع المانع تشمل جميع المساحة الزمانية والمكانية، والأنشطة الاعتقادية والعملية التي يعيشها الإنسان في هذه الحياة .. فالعبادة تستغرق من الإنسان جميع أنفاسه وحركاته وسكناته .. من المهد إلى اللحد.
العبادة لا تشمل الطاعات الواجبة والمستحبة وحسب .. بل هي تشمل أيضاً جميع الأعمال المُباحة إن تقدمتها نية صالحة .. فبالنية الصالحة يتحول كل عمل مباح إلى عبادة خالصة يُؤجر عليها المرء .. دراسة الطالب وطلبه للعم عبادة .. وهذا الذي يأكل وينام .. إن كان يأكل وينام على نية التقوِّي على الطاعة .. وإنصاف حق النفس عليه .. فهذه عبادة وله بذلك أجر .. والذي يتريض ويُمارس المهارات الرياضية على نية الإعداد وبناء جسد قوي يقوى على تنفيذ الطاعات .. والقيام بما يجب عليه في هذه الحياة .. فهذه عبادة وله بذلك أجر .. فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف .. والذي يعمل لينفق على نفسه .. وأبنائه .. وزوجته .. ليعفهم عن السؤال .. فهذه عبادة وله بذلك أجر .. كما في الحديث:" ما أطعمتَ زوجتَكَ فهو لك صدقةٌ، وما أطعمتَ ولدَك فهو لك صدقةٌ، وما أطعمتَ خادمَك فهو لك صدقة، وما أطعمتَ نفسكَ فهو لك صدقة "[6].
حتى اللهو مع الأهل، وأن يأتي الرجل زوجته .. على نية التكاثر والتناسل .. وأن يحصن المرء نفسه وأهله من الوقوع في الحرام .. يدخل في العبادة ولصاحبه في ذلك أجر، كما في الحديث: قالوا يا رسولَ الله أيأتي أحدُنا شهوتَه ويكون له فيها أجرٌ؟ قال -صلى الله عليه وسلم-:" أرأيتم لو وضعَها في حرامٍ أكان عليه فيها وِزرٌ؟ فكذلك إذا وضعَها في الحلالِ كان له أجراً " مسلم. وهكذا ما من عمل مباح إلا ويتحول بالنية الصالحة إلى عبادة!
أداء المرء لحقوق الناس عليه .. كل الناس .. حتى أداء حقوق الحيوانات والبيئة التي يعيش فيها .. كل ذلك يدخل في معنى ومسمى العبادة.
الحفاظ على مقاصد الإسلام الخمس:" الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال "؛ كل ذلك يدخل في معنى ومسمى العبادة.
الإيمان الذي يحبه الله تعالى ليس شعبة الصلاة أو الصوم أو الحج أو الزكاة وحسب .. بل هو بضعٌ وسبعون شُعبة: أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأعلاها وأعظمها شهادة التوحيد: لا إله إلا الله، كما في الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" الإيمانُ بضعٌ وسبعون شُعبة: أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان ". والعبادةُ شاملة لشعبِ الإيمان هذه كلها.
قال تعالى:{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}الأنعام:162-163.
لا ينبغي ولا يجوز أن تصرف لله -عز وجل- الصلاةَ والنُّسك وحسب .. بل حياتك كلها ـ بساعاتها ودقائقها وثوانيها ـ وما يتخللها من نشاطات وأعمال كلها كذلك يجب أن تُصرف لله -عز وجل- وحده لا شريك له .. لا يكفي ذلك أيضاً حتى تكون خاتمتك ويكون موتك في سبيل الله .. وعلى التوحيد .. ولو مت على غير التوحيد .. وفي سبيل غير الله -عز وجل- .. مت على الشرك .. مفارقاً للملة .. فالعبرة بالخواتيم وبما يُختم به على المرء .. وبالتالي لم تعد تنتفع من جميع عبادتك التي كنت تقوم بها في حياتك .. لذا يجب أن تحرص على حسن وسلامة الخاتمة وأن يكون مماتك لله رب العالمين لا شريك له .. نسأل الله تعالى الثبات وحسن الختام[7]!
وبالتالي فإن شيوع هذه المقولة:" ساعة لربك وساعة لنفسك " على ألسنة كثير من الناس .. خطأ .. فهي مقولة شركية؛ مفادها صرف جزء من الحياة والأوقات والأعمال لغير الله -عز وجل- .. والتعبير الصحيح الذي باركه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أن يُقال:" إنَّ لربِّكَ عليك حقَّاً، وإنَّ لنفسِكَ عليكَ حقَّاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقه "، من غير إفراط ولا تفريط .. لكن هذه الحقوق كلها تُؤدَّى كعبادة وطاعة لله -عز وجل-.
 

[1] أخرجه أحمد، والطبراني في الكبير، السلسلة الصحيحة: 1639.
[2] فما يكون القول فيمن ينشد التمكين والاستخلاف للإسلام والمسلمين في الأرض من خلال الطرق الشركية الباطلة التي أفرزتها الديمقراطيات المعاصرة التي تجعل سيادة وحكم المخلوق فوق سيادة وحكم الخالق سبحانه وتعالى .. لا شك أن هؤلاء أشد ضلالاً وجهلاً وانحرافاً!
[3] قد صدق من سماها مؤتمرات حوار الطرشان .. التي لا تُغني ولا تُسمن من جوع!
[4] ممن شارك ويُشارك في جرم تحريف معنى العبادة عن مراد الله تعالى، ثلاثة فرقاء: الزنادقة العلمانيون الذين فصلوا العبادة عن الدولة والحكم وشؤون الحياة، وحصروا دورها في المعابد وزوايا المساجد .. وبعض الممارسات الشخصية الفردية. والصوفيون ـ ونحوهم جماعة التبليغ ـ الذين حصروا العبادة في بعض الطقوس والأذكار والحركات التعبدية الفردية بعيداً عن ممارسة السياسة الشرعية وواقع الشعوب وميادين الحياة الأخرى. وأهل التجهم والإرجاء الخبثاء الذين قللوا من قيمة العمل وأخرجوه من مسمى ومعنى وشروط صحة الإيمان .. مما حمل الناس على الزهد بالعبادة .. والشرود عن الطاعة، والتفريط بالعمل، والاكتفاء بالتصديق أو القول في العمر مرة بشهادة التوحيد .. هذه الفِرَق والطوائف كلها شريكة في وزر تحريف معنى العبادة .. وصد الناس عن عبادة الله -عز وجل- حق العبادة!
[5] يُنقل هذا التعريف الجامع الشامل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
[6] رواه أحمد، والطبراني، صحيح الجامع: 5535.
[7] وبالتالي فإن هؤلاء الذين يموتون في سبيل الطاغوت وأطماعه .. وسلامة عرشه وحكمه ونظامه .. أو في سبيل الوطن .. أو الإنسانية .. أو القومية .. أو غير ذلك من الرايات والمعاني والشعارات الجاهلية التي يموت عليها كثير من الناس في هذا الزمان .. فهؤلاء ليسوا على شيء .. ومماتهم ليس لله رب العالمين .. فليحذر ويحتاط كل امرئٍ لنفسه ودينه وآخرته .. وهذا معنى سنعود إليه ثانية ـ إن شاء الله ـ عند الحديث عن مفهوم ومصطلح " الشهادة ".

   
F ¥ E