الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
مُصْطَلَحَاتٌ ومَفَاهِيمٌ شَرْعِيَّةٌ عَلاهَا غُبَارُ تَأوِيلاتِ وَتَحْرِيفَاتِ المُبْطِلِين
1- الدعاء والاستغاثة:
  كثير من الناس يظنون أن التوجه بالدعاء والاستغاثة وطلب العون والمدد من المخلوق لا يدخل في معنى ومسمى العبادة، وبالتالي لا حرج عليهم لو توجهوا إلى المخلوق .. إلى قبور من يعتقدون أنهم من الأولياء والصالحين .. بالدعاء والاستغاثة .. وطلب العون والمدد .. وسؤالهم أن يجلبوا لهم النفع أو يدفعوا عنهم الضرَّ .. فهؤلاء ـ في اعتقادهم ـ لهم كرامة عند الله .. وهم واسطتهم إلى الله؛ فعن طريقهم تُرفع الحوائج والمسائل .. يفعلون ذلك وهم يظنون أنهم لا يزالون على عقيدة التوحيد .. وأنهم ممن يُفردون ويوحدون الله في العبادة!
ابتداءً نقول: الدعاء، والذي منه الاستغاثة وطلب العون والمدد هو عبادة ومن أخص ما يدخل في معنى ومسمى العبادة .. فمن صرف الدعاء لله -عز وجل- .. وتوجه به لله تعالى وحده فهو داخل في عبادة الله تعالى .. ومن صرف الدعاء أو صرف شيئاً منه لغير الله تعالى أيَّاً كان هذا الغير، فهو داخل في عبادة هذا الغير .. وقد أشركه مع الله تعالى في العبادة.
قال -صلى الله عليه وسلم-:" الدعَاءُ هو العبادَةُ، قال ربكم:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}غافر:60 "[1].
وفي رواية عند ابن ماجه، قال -صلى الله عليه وسلم-:" إن الدعاءَ هو العبادةُ "، ثم قرأ:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}غافر:60[2]. فسمى الدعاء عبادة، وجعل الدعاء كأنه هو العبادة كلها تعظيماً لشأن الدعاء .. وبالتالي فمن صرف الدعاء لله تعالى فقد صرف العبادة لله تعالى وحده .. وهو عبد لله .. ومن صرف الدعاء لغير الله فقد صرف لهذا الغير العبادة .. ودخل في عبادته من دون الله -عز وجل- .. وجعل منه نداً وشريكاً لله -عز وجل- في العبادة.
وفي حديث آخر، قال -صلى الله عليه وسلم-:" أفضلُ العبادةِ الدعاءُ "[3]. فجعل الدعاء أفضل ما يدخل في معنى ومسمى العبادة.
وأن تخص وتفرد الله تعالى وحده بالعبادة والدعاء والاستعانة، هو المعنى من قوله تعالى في سورة الفاتحة:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}الفاتحة:5. أي نخصك إيَّاك وحدك يا ربنا بالعبادة والاستعانة، فلا نعبد ولا ندعو ولا نستعين بأحدٍ سواك .. وإن عجبي ليشتد من أناس يقرؤون سورة الفاتحة عشرات المرات في صلاتهم في اليوم الواحد .. يقرؤون قوله تعالى:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، ثم هم مع ذلك يعبدون ويدعون غير الله .. ويستعينون بهذا الغير من دون الله .. وعندما يُنكر عليهم صنيعهم الباطل هذا، يُطالبونك بالدليل الدال على بطلان عملهم؟!
وفي الحديث عن ابن عباس قال: كنت خلف النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال:" يا فتى ألا أهب لك، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنه قد جف القلم بما هو كائن، واعلم بأن الخلائق لو أرادوك بشيء لم يردك الله به لم يقدروا عليه .." [4]. وإذا كان الأمر بهذا الحسم وهذا الجد والوضوح فمن العبث والضياع والجنون والكفر أن يذر الإنسان خالقه؛ المالك الغني القادر على كل شيء الذي إذا أراد لشيء أن يقول له كن فيكون .. ليعلق قلبه بمن لا يملك له نفعاً ولا ضراً؛ فيدعوه ويرجوه ويخافه ويستعين به!
قال -صلى الله عليه وسلم-:" من لم يدعُ اللهَ سُبحانَهُ، غَضِبَ عليه "[5]. هذا فيمن لا يدعو الله سبحانه .. فكيف بمن لا يدعو الخالق القادر على كل شيء المالك لكل شيء .. وينصرف عنه -سبحانه وتعالى- إلى دعاء غيره .. إلى المخلوق الضعيف الذي لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا دفع ضرٍّ إلا ما شاء الله؟!
قال تعالى:{وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ}يونس:106. أي من المشركين .. فإن الشرك ظلم عظيم.
وقال تعالى:{فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} الشعراء:213.
وقال تعالى:{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}يونس:107.
وقال تعالى:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ}الأحقاف:5.
وقال تعالى:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}النمل:62.
وقال تعالى:{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}فاطر:13-14.
فإن قالوا: نحن إذ ندعوهم لا نعبدهم .. وإنما ندعوهم لأنهم واسطتنا إلى الله .. يتوسطون ويشفعون لنا عند الله تعالى .. ليقربونا إليه زُلفى ومنزلة .. لما لهم عند الله من الكرامة والمنزلة!
نقول لهم: هذه هو عين الشرك الذي وقع به مشركو العرب وقاتلهم عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن معه من أصحابه الكرام.
كماقال تعالى:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ}؛ أي إن اعتزلوا عبادتهم ودعاءهم {وَلا يَنْفَعُهُمْ}؛ في شيء إن عبدوهم، وقصدوهم في حوائجهم {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}؛ أي هم واسطتنا يتوسطون ويتشفعون لنا عند الله لما لهم من الكرامة والمنزلة {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ}؛ أي بما لا يعلم له وجود في السماوات ولا في الأرض؛ فهذه الآلهة مزيفة ومكذوبة موجودة في خيالكم المريض .. بينما على الحقيقة لا وجود في الوجود كله؛ لا في السماوات ولا في الأرض {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}يونس:18.
وقال تعالى:{أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}الزمر:3.
قال ابن كثير في التفسير: أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوب من أمور الدنيا.
قال قتادة، والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد:{إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة ا- هـ.
وعند البغوي في تفسيره 4/71: قال قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم: من ربكم، ومن خلقكم، ومن خلق السماوات والأرض ؟ قالوا: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأوثان؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زُلفى؛ أي قُربى ا- هـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى: فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وفي مغيبهم وخطاب تماثيلهم هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله تعالى، قال الله تعالى:{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}.
وإن أراد بالواسطة: أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد، ونصرهم، وهداهم يسألونه ذلك ويرجون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين؛ حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار.
قال تعالى:{وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}آل عمران:80. فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر.
فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين.
ومن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه ـ كالحجاب الذين بين الملك ورعيته ـ بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه؛ فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم؛ فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس؛ لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج .. فمن أثبت وسائط على هذا الوجه: فهو كافر مشرك، يجب أن يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل ا- هـ.
وقال رحمه الله في الفتاوى 1/311: الدعاء من جملة العبادات، فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث بهم ـ مع أن هذا أمرٌ لم يأمر به الله ولا رسولُه أمر إيجاب ولا استحباب ـ كان مبتدعاً في الدين، مشركاً برب العالمين، متبعاً غير سبيل المؤمنين ا- هـ.
وقال تلميذه ابن القيم رحمه الله: من أنواع الشرك طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالَم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فضلاً لمن استغاث به أو سأله أن يشفع إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والله سبحانه لم يجعل سؤال غيره سبباً لأذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسببٍ يمنع الإذن، والميت محتاج إلى من يدعو له كما أمرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم، وندعو لهم، ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثاناً تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبتهم إلى التنقص بالأموات، وهم تنقصوا الخالق سبحانه بالشرك، وأولياءه الموحدين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به، وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم[6] ا- هـ.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: فمن عبد الله ليلاً ونهاراً ثم دعا نبياً أو ولياً عند قبره فقد اتخذ إلهين اثنين، ولم يشهد أن لا إله إلا الله؛ لأن الإله هو المدعو، كما يفعل المشركون اليوم عند قبر الزبير أو عبد القادر أو غيرهم.
وقال: فكل من غلا في نبيٍّ أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الإلهية؛ مثل أن يدعوه من دون الله بأن يقول: يا سيدي أغثني أو أجرني، أو أنت حسبي، وأنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قُتِل[7]ا- هـ.
 

[1] صحيح سنن أبي داود: 1312.
[2] صحيح سنن ابن ماجه: 3086.
[3] أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 1579.
[4] رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج .
[5] صحيح سنن ابن ماجه: 3085.
[6] عن كتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد:ص230.
[7] الرسائل الشخصية، القسم الخامس، ص 166 و 177.

   
F ¥ E