الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
مُصْطَلَحَاتٌ ومَفَاهِيمٌ شَرْعِيَّةٌ عَلاهَا غُبَارُ تَأوِيلاتِ وَتَحْرِيفَاتِ المُبْطِلِين
3- المحبة:
  أيضاً من العبادات والطاعات الخفية والمشكلة على كثير من الناس، عبادة " المحبة "؛ إذ تراهم يُحبون المخلوق كحب الخالق وأشد .. ويعبدون المخلوق من جهة المحبة والتعلق به وتقديم رضاه وأمره على رضى وأمر الخالق -سبحانه وتعالى- .. وهم يعلمون أو لا يعلمون .. ثم هم بعد ذلك يحسبون أنفسهم أنهم على شيء .. وأنهم ممن يُحسنون صنعاً!
اعلم ـ يا عبد الله ـ أن المحبوب لذاته، الذي يوالى فيه ويُعادَى ويُجافى فيه، ويُعطى ويُمنع لأجله وفيه، ويُحب لذاته لأنه هو هو .. هو الله تعالى وحده، وما سواه يُحب له وفيه وبالقدر الذي يأذن به الله تعالى.
وأيما مخلوق يرتضي لنفسه أن يكون محبوباً لذاته ولشخصه؛ لأنه هو هو .. بغض النظر عما يصدر عنه من مواقف .. وأقوال .. وحق أو باطل .. فيُعقد الولاء والبراء فيه وله .. فيوالى من يواليه ويُعادَى من يُعاديه .. ويُعطَى ويُمنع فيه؛ فمن والاه ودخل في حزبه وصلوه وأعطوه، وإن كان من أفجر وأكفر الناس .. ومن قطعه، ولم يكن في حزبه قطعوه وحرموه وإن كان من أتقى وأصلح الناس .. فمن كان هذا وصفه فهو طاغوت كبير وقد جعل من نفسه نداً وشريكاً لله -عز وجل- في إلهيته .. ومن يقر له بهذه الخاصية أو الوصف .. وصرف له هذه المحبة بهذا القدر والوصف .. فقد اتخذه إلهاً مع الله .. وعبده من دون الله -عز وجل-.
قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً} شركاء .. طبيعة شركهم ونوع شركهم أنهم {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}؛ فيوالونهم ويحبونهم لذواتهم كما يوالى الله ويُحب لذاته {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}البقرة:165.
وقال تعالى:{قَالُوا}؛ أي الأتباع والمتبوعين، المحبين من العبيد والمحبوبين من الطواغيت {وَهُمْ فِيهَا}؛ أي في نار جهنم يُعذَّبون {يَخْتَصِمُونَ} ويتلاومون على ما كان منهم من تفريط وشرك وضلال .. فقال الضعفاء والتبع والعامة للزعماء والطواغيت المستكبرين {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ الشعراء:96-98. والتسوية هنا لم تكن فيما يخص القدرة على الخلق والإيجاد .. والتصرف بهذا الكون .. فهذا النوع من التسوية لم يحصل .. ولو حصل فهو سرعان ما ينكشف زيفه وكذبه .. وعجز المدعين .. وإنما كانت تسوية الأنداد مع الله تعالى في المحبة .. {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} وأشد .. ويُطيعونهم كطاعتهم لله وأشد .. فتلك كانت تسويتهم للأنداد برب العالمين.
وكذلك قوله تعالى:{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا}؛ كل هذه الأشياء ـ التي تمثل زينة الحياة الدنيا التي تهفوا لحبها والتعلق بها قلوب العباد ـ مجتمعة بعضها مع بعض كما يُفيد حرف العطف " الواو " {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}؛ أي فانتظروا حتى يأتي الله بعذابه ووعيده وانتقامه .. {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}التوبة:24.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان "[1].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله -عز وجل- "[2].
قال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى 10/607: لا يجوز أن يُحب شيء من الموجودات لذاته إلا هو سبحانه وبحمده، فكل محبوب في العالَم إنما يجوز أن يُحب لغيره لا لذاته، والرب تعالى هو الذي يجب أن يُحب لنفسه، وهذا من معاني إلهيته {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، فإن محبة الشيء لذاته شرك فلا يُحب لذاته إلا الله، فإن ذلك من خصائص إلهيته فلا يستحق ذلك إلا الله وحده، وكل محبوب سواه لم يُحب لأجله فمحبته فاسدة ا- هـ.
وقال ابن القيم رحمه الله في المدارج 1/99: فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته، مع الخضوع له والانقياد لأمره . فأصل العبادة: محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله، فلا يُحب معه سواه، وإنما يُحب لأجله وفيه، كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه، فمحبتنا لهم من تمام محبته، وليست محبة معه كمحبة من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحبه ا- هـ.
ومن علامات صدق محبة العبد لربه، ومحبة الرب -سبحانه وتعالى- لعبده حصول المتابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، كما قال تعالى:{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}آل عمران:31.
قال ابن تيمية في الفتاوى 8/360: فكل من ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب، ليست محبته لله وحده، بل إن كان يحبه فهي محبة شرك، فإنما يتبع ما يهواه، كدعوى اليهود والنصارى محبة الله؛ فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب، فكانوا يتبعون الرسول، فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين ا- هـ.
ومن علامات صدق المحبة كذلك أن تُصرَف المحبة والموالاة، وكذلك المعاداة والمجافاة للآخرين بقدر .. بحسب قربهم أو بعدهم عن الله -عز وجل- .. وبحسب طاعتهم أو معصيتهم لله -عز وجل- .. فالولاء الذي يُصرف للصالحين الأتقياء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. لا يُصرف للعصاة والفاسقين من أهل القبلة .. فكل ـ بحسب أعماله وأخلاقه ـ له قدره ومنزلته وحظه الذي يستحقه من الولاء والبراء .. ومن المحبة والمجافاة .. وبالقدر الذي يأذن به الله -عز وجل- من غير زيادة ولا نقصان .. وهذا ميدان خفي عصِي لا يتنافس فيه إلا من قارب إيمانهم من الكمال!
ما أصعب على النفس أن تعطي وتصل من تكره ويُحبه الله، وتمنع وتقطع من تحب لكن يكرهه ويبغضه الله .. تفعل ذلك طلباً لمرضاة الله -عز وجل- .. وما أقل من يفعل ذلك!
 

[1] أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة:380.
[2] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الجامع الصغير:2539.

   
F ¥ E