الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
مُصْطَلَحَاتٌ ومَفَاهِيمٌ شَرْعِيَّةٌ عَلاهَا غُبَارُ تَأوِيلاتِ وَتَحْرِيفَاتِ المُبْطِلِين
ـ الإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي:
  فعلم مما تقدم أن العمل بالتوحيد ـ وما يدخل في معناه من الأعمال كشرط لصحتة كالصلاة، وغيرها من الأعمال مما تقدمت الإشارة إليه ـ يعتبر شرطاً لصحة الإيمان، وشرطاً لثبوته، وانتفاع صاحبه به يوم القيامة .. وما سوى ذلك من الأعمال والطاعات ـ سواء منها الواجبة أو المندوبة ـ فهي تعتبر مكملة للإيمان؛ يزداد الإيمان ويقوى بفعلها، وينقص ويضعف بتركها .. وإن كانت هذه الأعمال من جهة المحظورات المنهي عنها ـ سواء منها الكبائر أم الصغائر ـ فإن الإيمان ينقص ويضعف بفعلها .. ويزداد ويقوى بتركها.
فإن قيل: أين الدليل على أن الإيمان يزيد ويقوى بالطاعات، وينقص ويضعف بارتكاب الذنوب والمعاصي ..؟
أقول: الأدلة من الكتاب والسنة كثيرة، منها قوله تعالى:{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا}الأنفال:2. وقوله تعالى:{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}التوبة:124. وقوله تعالى:{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً}مريم:76. وقوله تعالى:{لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ}الفتح:4. وقوله تعالى: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} الأحزاب:22. وغيرها من الآيات.
وفي الحديث، عن جندب بن عبد الله، قال: كنا مع النبي-صلى الله عليه وسلم- ونحن فتيان، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيماناً[1].
وعن أنس بن مالك قال: غدا أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ، قالوا: يا رسول الله! هلكنا ورب الكعبة. قال:" وما ذاك؟" قالوا: النفاق النفاق! قال:" ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟" قالوا: بلى. قال:" ليس ذاك النفاق ". ثم عاودوه الثانية، فقالوا:يا رسول الله! هلكنا ورب الكعبة. قال:" وما ذاك؟" قالوا: النفاق النفاق! قال:" ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟" قالوا: بلى.قال:" ليس ذاك بنفاق ". ثم عاودوه الثالثة، فقالوا مثل ذلك، فقال لهم:" ليس ذلك بنفاق ". فقالوا: يا رسول الله! إنا إذا كنا عندك كنا على حال، وإذا خرجنا من عندك همَّتنا الدنيا وأهلونا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" لو أنكم إذا خرجتم من عندي تكونون على مثل الحال التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة في طرق المدينة "[2].
فانظر كيف أن إيمانهم كان يتغير عليهم عندما كانوا ينشغلون بالمباح من أمور الدنيا وهمومها، عما هم عليه من قوة الإيمان واليقين عندما يكونون في حضرة النبي المصطفى-صلى الله عليه وسلم- ، حتى بلغ منهم الحال أن يخشوا على أنفسهم النفاق، مما دل أن الإيمان تتغير أحواله زيادة ونقصاناً بحسب الحال والعمل والبيئة التي يعيش فيها صاحب هذا الإيمان.
ومن حديث الشفاعة الصحيح الذي يرويه أبو سعيد الخدري عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ، جاء فيه أن الرب -سبحانه وتعالى- يقول للمؤمنين بعد أن أخرجوا من النار من يعرفون من أهل الإيمان:" أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار حتى يقول: من كان في قلبه مثقال ذرة " قال أبو سعيد: فمن لم يصدق بهذا فليقرأ هذه الآية:{إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} النساء:40.
فدل أن الإيمان يتفاضل عند الناس بحسب أعمالهم؛ فلا يستوي من كان إيمانه كالجبال بمن كان إيمانه مثقال دينار، ومن كان إيمانه مثقال دينار بمن كان إيمانه مثقال ذرة.
وقد سُئل ابن عمر -رضي الله عنه-: هل كان الصحابة يضحكون؟ فقال:" نعم، والإيمان في قلوبهم أمثال الجبال "، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وعن أبي ذر الغفاري قال: قلت يا رسول الله كيف علمت أنك نبي حين استُنبئت؟ فقال:" يا أبا ذر أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة، فوقع أحدهما على الأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، قال: فزنه برجل فوزِنت به، فوزنتُه، ثم قال: فزِنه بعشرةٍ، فوزِنت بهم، فرجحتُهم، ثم قال: زِنه بمائةٍ فوزنت بهم فرجحتُهم، ثم قال: زِنه بألفٍ، فوزنت بهم، فرجحتهم، كأني أنظر إليهم ينثرون علي من خفة الميزان، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لو وزنته بأمّةٍ لرجحها "[3]. صلوات ربي وسلامه عليه.
قال ابن رجب في كتابه فتح الباري 1/8: زيادة الإيمان ونقصانه قول جمهور العلماء. وقد روي هذا الكلام عن طائفةٍ من الصحابة كأبي الدرداء، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة. وروي معناه عن عليٍّ، وابن مسعود أيضاً، وعن مجاهدٍ، وغيره من التابعين ا- هـ.
قلت: فيما تقدم رد على أولئك الذين يجعلون إيمان العباد سواء؛ إيمان عصاة الأمة وفسَّاقها ومجرميها كإيمان الأنبياء والرسل، والملائكة المقربين .. والعياذ بالله!
والقول بأن الإيمان يزيد وينقص .. له دلالات عدة: منها، أن الإيمان يضعف بحسب نوع المعاصي التي تمارس؛ فأثر كبائر الذنوب على الإيمان أشد من أثر الصغائر، وأثر الكفر أو الشرك على الإيمان أشد فتكاً من اجتماع الكبائر كلها التي هي دون الكفر.
ومنها: أن المعاصي تضعف الإيمان بحسب ممارستها وتكرارها .. فمن يأتي بالذنب مرة واحدة ليس كمن يأتي به مائة مرة أو ألف مرة .. ومن لا يحكم بما أنزل الله مرة ليس كمن لا يحكم بما أنزل الله مائة مرة، أو ألف مرة .. أو مطلقاً .. كما يقول البعض .. ثم بعد ذلك يحسبون أنفسهم أنهم سلفيون وأنهم على عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان!
فنصوص الشريعة ميزت بين من يأتي بالذنب مرة وبين المدمن على الذنب من حيث الأثر على الإيمان، كما في الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره:" مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن "[4]. وقال -صلى الله عليه وسلم-:" لا يدخل الجنة مدمن خمر "[5]. ومثل هذا لا يُقال فيمن قارع شرب الخمر مرة أو مرتين، والله تعالى أعلم.
 

[1] صحيح سنن ابن ماجة:52.
[2] هذا الشعور من الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ هو لكمال وقوة إيمانهم، ولسلامة قلوبهم من المرض، ولإحساسهم المرهف في كل ما يؤثر على إيمانهم سلباً، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ". فالشعور بالمرض ـ مهما دق أو خفي ـ هو من علامة سلامة القلوب والأبدان .. بخلاف مرضى القلوب فإنهم لا تسيئهم السيئات؛ لأنهم لا يشعرون بها .. حيث ترى أحدهم يفعل الموبقات ثم يظن أنه على إيمان أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي ..!!
[3] أخرجه الدارمي، السلسلة الصحيحة: 2531.
[4] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 677.
[5] أخرجه ابن حبان، السلسلة الصحيحة: 678.

   
F ¥ E