الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
مُصْطَلَحَاتٌ ومَفَاهِيمٌ شَرْعِيَّةٌ عَلاهَا غُبَارُ تَأوِيلاتِ وَتَحْرِيفَاتِ المُبْطِلِين
ـ كيف نتلقى هذا العلم الشريف العظيم ..؟
  بعد أن بينا الضوابط التي تُعين القارئ على فهم هذا العلم الشريف، بعيداً عن تعقيدات وتأويلات وتحريفات المبطلين الضالين .. يأتي السؤال المهم: كيف نتلقى هذا العلم الشريف .. وكيف نعيشه .. ونتفاعل معه؟
قد ذكرت من قبل أن مما زاد من نفور الناس عن هذا العلم الجليل .. وزاد من جفاء قلوبهم وقسوتها .. الطريقة الجدلية الكلامية الجافة التي اتُّبِعَت ـ عند كثير من المتأخرين ـ في دراسة وتدريس هذا العلم الشريف؛ فهم في مرحلتي الدراسة والتدريس: لم يتجاوزوا قضية إثبات الصفات أو نفيها وتأويلها .. ففريق أولها ونفاها .. وفريق أثبتها .. وكل فريق لا همَّ له إلا كيف يرد على الفريق الآخر ويُبطل استدلالاته أو شبهاته .. وكأن الغاية والقصد من وراء هذا العلم الشريف العظيم ـ علم الأسماء والصفات ـ إثارة هذا النوع من الجدل المستمر والعقيم .. الذي لا تظهر عليه بوادر الانتهاء أو التوقف!
وهذا بخلاف المنهج النبوي العظيم في تلقين هذا العلم .. وبخلاف ما كان عليه السلف الصالح من منهجية في التعامل مع هذا العلم الشريف.
نضرب مثالاً ليتضح المراد للقارئ بصورة أفضل: حديث النزل؛ فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له " البخاري.
وفي رواية عند مسلم:" ينزلُ الله إلى السماء الدنيا كل ليلة، حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملِك، أنا الملِك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر " مسلم.
هذا الحديث العظيم جانب منه متعلق بالخالق -سبحانه وتعالى-، وجانب منه متعلق بعبد الله، أما الجانب المتعلق بالخالق -سبحانه وتعالى-؛ فهو يدل على عظمة وكمال رحمة ورفق وغِنى وكرم الخالق -سبحانه وتعالى- .. فالله تعالى بكبريائه وعظمته وقدرته وغناه وعزته وجبروته .. وأسمائه الحسنى وصفاته العليا .. يستنهض عباده النائمين الغافلين .. ويسألهم القيام ليسألوه حوائجهم فيعطيهم .. وهو القادر .. ويستغفروه مما اقترفته أيديهم في النهار من خطايا ليغفر لهم .. وهو القادر .. والله تعالى يكرر عليهم السؤال والمناداة .. وذلك في الثلث الآخر من كل ليلة .. وإلى أن ينفلق الفجر!
الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا يُقبل على عباده هذا الإقبال العظيم .. ويناديهم هذا النداء الخالد العظيم .. وفي كل ليلة من غير مللٍ حاشاه .. وهو الغني ونحن الفقراء إليه .. وفي المقابل كثير من العباد يغفلون عنه .. وعن ندائه .. فيستقبلون إقباله بالإدبار والنوم والغفلة والنسيان .. ما أعظمه من إقبال وما أسوأه من استقبال!
ولو قيل لأحد هؤلاء أن ملِكاً من ملوك الأرض ـ على ضعفه وعجزه وفقره ـ سيزورك .. لظلَّ أياماً يتهيأ ويعدّ لاستقباله .. ولله المثل الأعلى!
أما الجانب الذي يتعلق بالعبد .. فهذا الحديث حافز قوي له على أن ينهض من نومه وثباته .. ليتعبد ويسأل ويستغفر الكريم الودود الرحيم الغني القدير.
هذا الحديث حافز وداعٍ له على أن يستحي من الله؛ فيتأدب مع ربه .. ويُحسن استقباله ومناجاته؛ إذ كيف يليق بالعبد الضعيف الفقير العاجز الخطَّاء .. أن يستقبل ربه الغني استقبال المدبرين المعرضين الغافلين؟!
هذا الحديث حافز له على أن لا يقنط من رحمة الله .. فها هو الرب -سبحانه وتعالى- بنفسه يأتيه فيقول له: قم وانهض .. سلْ تُعطى .. وأنا القادر على ذلك!
هذا الحديث حافز للعبد على أن يقوي علاقته بربه -سبحانه وتعالى- .. وأن يزداد إيماناً وحباً وتعلقاً بخالقه -سبحانه وتعالى- .. وكيف لا .. والغني القدير الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا يتودد إليه في كل ليلة فيأتيه .. ويناديه .. ويكرر عليه النداء .. هل لك من حاجة فأقضيها لك .. هل اقترفت ذنباً تريد أن أغفره لك .. هل أصابك همٌّ فأزيله عنك .. لا يُحزنك الشيطان وكيده .. فمهما أزَّك لفعل الخطايا .. فأنا أغفرها لك ولا أبالي .. وليس بينك وبين مغفرتي لك .. وإجابتي لك .. سوى أن تنهض وترفع كفيك فتسأل وتدعو .. فأنت لا تحتاج إلى وسيط بيني وبينك .. يحمل مسألتك إلي .. بل ولا إلى أن ترفع صوتك .. فأنا معك ـ قريب منك ـ أسمع وأرى .. وأعلم ما في نفسك، وما تُخفيه في صدرك!
هذه المعاني الإيمانية العظيمة وغيرها هي التي كانت تعتلج في نفوس السلف الصالح .. فزادتهم إيماناً .. وزادتهم حباً وتعظيماً وعبودية لخالقهم -سبحانه وتعالى- .. فكان إيمان أحدهم كالجبال .. وكانت الخشية عامرة في قلوبهم .. هذا حظهم من حديث النزول الآنف الذكر .. وهكذا فهموه وتعاملوا معه .. أما الخلف ـ ممن تنكبوا منهج السلف الصالح ـ فكان حظهم من الحديث فقط: أن يقفوا عند صفة النزول .. وكيفيتها .. ويُكثروا من الجدال حولها: فريق يثبتها .. وفريق ينفيها .. ولا يتجاوزن ذلك .. فطال عليهم الأمد وهم على هذا الجدال العقيم ـ وكأن مقصد النبي -سبحانه وتعالى- من وراء هذا الحديث العظيم حمل المسلمين على هذا الجدل والتفرق في الدين .. حاشاه!ـ وغفلوا عن المقصد الأعظم من الحديث .. فقست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة!
مثال آخر: عن أبي رزين قال: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-:" ضَحِكَ ربُّنا عزَّ وجلَّ من قنوطِ عبادِه، وقُربِ غِيَرِه "، فقال أبو رزين: أوَيضحَكُ الربُّ عزَّ وجل؟ قال:" نعم ". فقال: لن نُعدَمَ من ربٍّ يضحكُ خيراً[1].
تأمَّل كيف تعامل الصحابي الجليل أبو رزين -رضي الله عنه- مع صفة الضحك لربنا -سبحانه وتعالى- .. وكيف فهمها .. وكيف استبشر بها خيراً .. وعدها صفة ودودة دالة على عدم انقطاع خير الرب -سبحانه وتعالى- عن عباده .. فربٌّ يضحك لا ينقطع خيره عن عباده .. وقد أقرَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- على فهمه واستبشاره .. قال السندي: يريد أن الرب الذي من صفاته الضحك لا نفقد خيره، بل كلما احتجنا إلى خيره وجدناه، فإنا إذا أظهرنا الفاقة لديه يضحك فيُعطي[2]ا- هـ.
هكذا فهم السلف الصالح الحديث .. وهذا هو حظهم منه .. وأنعم به من حظ .. بينما الخلف ممن تنكبوا منهج وطريقة السلف الصالح .. وقفوا عند قضية صفة الضحك .. فأكثروا من الجدال والخصام حولها .. بين مثبت ومنكر لها .. ولم يُحسنوا تجاوزها ليلتفتوا إلى المقصد الأسمى والأعظم من الحديث ـ ولا يزالون في جدالهم يعمهون ـ فقست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة .. هذا هو حظهم من الحديث .. وهذا هو مبلغهم من العلم والفهم .. وشتان شتان بين حظ وطريقة السلف وبين حظ وطريقة الخلف!
الأمثلة كثيرة لم نرد هنا استقصاءها وإحصاءها .. وإنما أردنا مما تقدم ذكره أن نوضح الطريقة المثلى والصحيحة في التعامل مع هذا العلم الشريف؛ علم الأسماء والصفات .. كيف ينبغي أن نتلقاه ونفهمه .. ومن ثم الفارق بين طريقة السلف التي أثمرت رجالاً قلوبهم عامرة بالحب والإيمان واليقين والخشية .. وبين طريقة الخلف التي أثمرت رجالاً قلوبهم عامرة بالشك والقسوة والجفاء، وسوء الظن بالله!
 

[1] أخرجه الطيالسي في مسنده، وأحمد، وابن أبي عاصم في السنة وغيرهم، السلسلة الصحيحة: 2810.
[2] السلسلة الصحيحة: 6/737.

   
F ¥ E